هما شيء واحد (*)
كنتُ حققت أنهما شيء واحد بعد أن اطلعت على الطبعة الأولى منه، وذكرت ذلك في كتابي (اقليد الخزانة) (١). ولكن لما رأيت أن ناشري الطبعة الثانية لم ينتبهوا لهذا كسلفهم، فعدُّوا الأمالي والذيل والنوادر كتبًا ثلاثة برأسها، ظننتُ أن هذه السطور لا تخلو عن الفائدة، على أن صنيعهم هذا قد أوقع في الوهم كلَّ من كتب عن الكتاب شيئًا:
(١) فالذي قاله ابن خلدون في مقدمته عن دواوين الأدب الأربعة -ومنها النوادر- كيف ينطبق على هذه الأوراق العديدة التي سماها الناشر بآخر الأمالي "النوادر" مع أن ابن خلدون قرنه بالكامل والبيان والتبيين، وكلاهما في جزءين؟
(٢) قول ابن حزم الشهير الذي أورده كل من ترجم القالي، وجدته في رسالته التي كتبها في عدّ مفاخر الأندلسيين (٢)، ونصّه "وكتاب النوادر وهو مُبار للكتاب الكامل لأبي العباس المبرد. ولعمري لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوًا وخبرًا، فإن كتاب أبي علي لأكثر لغة وشعرًا". فهذه الـ ٦٨ صفحات التي ألحقوها بآخر الأمالي كيف تباري من الكامل (طبعة لبسك) ٧٩٦ صفحات أو تُبِرُّ عليها.
(٣) كل حوالات (للنوادر) توجد في (الأمالي) كما يتضح لمن يتصفّح اقليدنا. ولكن أذكر لغيرهم عدة من حوالات النوادر من تآليف الأندلسيين، فهو أقوم بكتاب بلادهم علمًا وضبطًا:
_________________
(١) (*) نشر في مجلة "الزهراء" عدد رمضان ١٣٤٥ هـ.
(٢) هو فهرس حافل لما تضمنته خزانة الأدب للبغدادي من الكتب الجليلة ذوات المخطوط المنسوبة، مفيد للغاية. وهو لا يزال مختفيًا عن غواة العلم -مع نجاز طبعه- بما يتعمده بعض أساتذة جامعة بنجاب من الأذى لمؤلفه سدد الله خطاه.
(٣) وهذه الرسالة في الجزء الثاني من (نفح الطيب). وما ورد فيها عن كتاب النوادر في ص ١٣٢.
[ ١ / ٢٦ ]
الاقتضاب لابن السيد (ص ٢١١) يروي عن (النوادر) بيتًا لإسحاق الموصلي:
له خفَقانٌ يرفَع الجَيب كالشَجا يُقطع أزرارَ الجرِبّان ثائرُه
وهو في (الأمالي) ٢: ٦٠ من الطبعة الثانية.
الاقتضاب (ص ١٠٧ و٢٩٢) يروي عن النوادر بيتًا من كلمة:
فقالوا قد جزعتَ فقلتُ كلًّا وهل يبكي من الطرب الجليدُ
وهي في (الأمالي) ١: ٥٠.
الروض الأنُف للسهيلي (١: ١٥٠) يروي قول النسابة ليزيد بن شيبان "شامَمْتَنا مُشامَّة الذئب" وهو في (الأمالي) ٢: / ٢٩ في حديث طويل.
ألف بالابن الشيخ (١: ٢٧١) يروي بيتي عبد بني الحسحاس:
أشعارُ عبدِ بني الحَسْحاس قُمْنَ له عند الفَخار مَقام الأصل والوَرقِ
وهما في (الأمالي) ٢: ٨٨.
ألف با أيضًا (١: ٤١٢) يروي بيتَ مسكين الدارِمّي، وهو في (الأمالي) ٤٥: ١.
نفح الطيب (١: ٢٩٠ مصر) يروي عن (النوادر) حكاية الرشيد مع جارية له، وهي في (الأمالي) ١: ٢٢٥.
(٤) قال ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة القاليّ وهو يسرد تآليفه: "كتاب الأماليّ معروف بين الناس كثير الفوائد غاية في معناه، قال أبو محمد ابن حزم: كتاب نوادر أبي علي الخ" فياقوت يرى أنهما شيء واحد.
(٥) لم يذكر أحد ممن ترجم له في عداد كتبه كتابَ (النوادر) مُفرَزًا عن ذكر (الأمالي) بفَصْل بعضِ تآليفه بينهما (١)، بل كتبوا عن آخرهم (كتاب الأمالي
_________________
(١) وذكر ابن خلكان في ترجمة القالي معظم تآليفه وفيها (الأمالي) بدون ذكر النوادر، فلو كان النوادر كتابًا برأسه لم يضرب ابن خلكان عنه صفحًا. وجاء في (البغية) للسيوطي: "الأمالي- النوادر" كأنه يسرد تآليفه سردًا، وهو وهم من الناسخ.
[ ١ / ٢٧ ]
والنوادر)، فظنّ من لم يعرف الحال أن النوادر شيء آخر وهذا هو مصدر الوهم. ومن هنا وهم من صحّحه كمن طالعه، فصحّحْ ما جاء في الزهراء (٣: ٧٣ و٤٥٤) ومقدمةَ التنبيه ص ١١.
(٦) وهاك نصًّا في ذلك لأبي بكر بن خير (فهرسة ص ٣٢٣ - ٣٢٥):
"كتاب النوادر لأبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي حدثني به الشيخ (ثم سرد عدّة من أسانيده إلى المؤلف في صفحتين ثم قال) وهذا الكتاب أمال أملى جله (١) أبو عليّ ﵀ في الأخمسة بالزِهراء علي بني الملوك وغيرهم من أهل قرطبة. ثم زاد فيه فبلغ ستة عشر جزءًا للعامَّة. ثم زاد فيه فبفغه عشرين جزءًا لأمير المؤمنين الخ * كتاب ذيل النوادر لأبي عليّ البغدادي وهو أربعة أجزاء وصل بها النوادر. حدثني به شيوخي المتقدم ذكرهم (رح) بالأسانيد المسطورة في النوادر قبلُ إلا أني لم أقرأه عليهم ولا سمعته وإنما أرويه عنهم إجازة".
(٧) ذكر المستر كرينكو في فهرسته ص ١ للطبعة الأولى من الأمالي أنه عارض الكتاب على نسخة الأمالي بدار الكتب الوطنية بباريس (١٩٣٥ supplement ٤٢٣٦ No.) وهذه النسخة بعينها يدعوها المستشرق الوارد في مقدمة الأصمعيات ص (XXVIII) كتاب النوادر للقالي.
(٨) في مقدمة اللآلي (الزهراء ٣: ٤٥٤) هذا كتاب شرحت فيه من النوادر التي أملاها أبو علي الخ.