تقدم لهذا العاجز الكلام على "المفضليات" في هذا المؤتمر ببتنه. ومغزاه التنبيه على سقطتين للمفضل نفسه ولأبي عبيدة كما كنت المعتُ به في نكتي على "خزانة الأدب" (١) وجرى ذكره في طرة "شرح المختار من أشعار بشار" (٢).
وخلاصته أن الصواب:
(لأبي السفاح بُكير بن معدان يرثي يحيى بن مبشر).
لا: (للسفاح بن بُكير يرثي يحيى بن ميسرة).
كما قد زعما (٣) استنادًا إلى ما جاء في "الموفقيات" للزبير بن أبي بكر (وصاحب البيت أدرى بما فيه)، و"أنساب الأشراف" (٤) للبلاذري و"مقطعات مراثٍ" عن ابن الأعرابي، وإلى بيت لجرير رثى فيه ابن مبشر هذا.
وهذا مقامي بين أظهركم للبحث عن مختار هذه القصائد. وأقدم ما بلغنا في ذلك رواية أبي علي القالي (٥) ونصه مقتضبا: وذكر أبو عكرمة أن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة وثلاثين في "شرح المرزوقي" تصحيف ليس إلَّا) للمهدي وقرئت بعدُ على الأصمعي فصارت ١٢٠". ثم ذكر ما معناه أن أصحاب الأصمعي زادوا فيها فكثرت جدًّا. قلتُ توجد في هذه الطبعة ١٢٦ كلمة زيدت عليها أربع، والموجود
_________________
(١) (*) مقالة قرئت بمؤتمر مستشرقي الهند في بنارس (الهند)، ونشرت في مجلة "علوم إسلامية" الصادرة بعلي كره، المجلد ١، عدد ٢ (ديسمبر ١٩٦٠).
(٢) عبد القادر البغدادي: خزانة الأدب (١: ٢٦٤) طبعة السلفية (القاهرة، ١٣٤٨).
(٣) التجيبي: شرح المختار من أشعار بشار: ١٩٠ تحقيق السيد بدر الدين العلوي (القاهرة ١٩٣٤).
(٤) المفضليات مع الشرح: ٦٣٠، (أوكسفورد، ١٩٢١).
(٥) البلاذري: أنساب الأشراف (٥: ٣٤٩).
(٦) القالي: كتاب الأمالي: (٣: ١٣٠) (القاهرة ١٩٢٦). وانظر الكلام العاجز عليه سمط اللآلي: ٦١.
[ ١ / ٣٠ ]
في طبعة "الأصمعيات" وهي عن نسخة (١) كوبرولوزاده ٧٧ كلمة، وزيادات الجزء الثاني من "الاختيارين" ٧٢ كلمة، وزيادة نسخة دار التحف البريطانية كلمتان فتم المطبوع المعروف من "الاختيارين"٢٨١ كلمة. ولو أسعدنا الحظ بالجزء الأول من "الاختيارين" لقبضنا أيدينا على نحوه ٣٥٠ كلمة. زد إلى ذلك ما لا يوجد في جميعها من أبيات رووها عن "الأصمعيات" ولكن خلت عنها هذه الطبعات بأسرها كما قد دللتُ عليه في "ذيل اللآلئ" وكما أشار إليه صديقي الأستاذ معظم حسين في مقدمة "الاختيارين" (٢) وهناك روايات مختلفة في عداد قصائد "المفضليات"؛ ففي شرح التبريزي الذي رأيت منه باستنبول ومصر عدة نسخ أنها ١٢٤ ويُنهيها النديم ص ٦٨ إلى ١٢٨ وقال وقد تزيد وتنقص وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه والصحيحة التي رواها ابن الأعرابي. والذي يتخلص من كل هذه الأقوال المتضاربة بعد عرضها على محكّ النقد أن جملة اختيار إبراهيم وهي السبعون التي صدر بها المفضل اختياره ثم ما زاده إليها توجد في روايات الأنباري والمرزوقي والتبريزي تامة كاملة مجموعة. وهذا بخلاف نسخ "الأصمعيات" فلا يوجد فيها مجموع اختيار الأصمعي بل أدمج فيها اختياره واختيار رواة من أصحابه وغيرهم ممن لم يُثبتوا أسماءهم ولا أفرزوا زياداتهم.
هذا وقد سقطتُ في نسبة اختيار المفضل إليه على رواية يرويها أربعة من علماء الشيعة اثنان منهما متقدمان لم يتنبه لها فيما أظن أحد أحببتُ عرضها في سوقكم ليجري في نصابه ويحوز الشيء من هو أولى به.
روى أبو الفرج في "مقاتل الطالبيين" (٣) في خبر مقتل إبراهيم الإمام ابن
عبد الله بن الحسن بن علي ﵁ وكان ﵀ خرج على المنصور بعد أخيه النفس الزكية بباخمرى فقتله وذلك سنة ١٤٥ هـ: "أنه نزل على المفضل الضبي في وقت استتاره. قال وكان المفضل زيديًّا فقال له إبراهيم ائتني بشيءٍ من كتبك أنظر فيه
_________________
(١) نقلت عنها نسخة فينا ونسخة الشنقيطي بدار الكتب المصرية. ووهم الصديق الفاضل أحمد محمد شاكر في مقدمة طبعته الحديثة للمفضليات من جهة عدم وقوفه على أصل كوبروالو.
(٢) مقدمة كتاب الاختيارين: ٢.
(٣) أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين: ١١٩ (إيران، / ١٣٠٧؛ ٣٧٣ طبعة أحمد صقر (القاهرة، ١٩٤٩).
[ ١ / ٣١ ]
فإن صدري يضيق إذا خرجت [وكان يخرج إلى ضيعة له]. فأتاه بشيءٍ من أشعار العرب. فاختار منها قصائد كتبها مفردة في كتاب. قال المفضل: فلما قُتل إبراهيم أظهرتُها فنسبها الناس إليّ. وهي القصائد التي تسمّى اختيار المفضل السبعين قصيدة ثم زدتها وجعلتها تتمة مائة وعشرين". وهذا يجذب إلى تزييف مزعم (١) الصديق أن الباقي من ١٢٠ كلمة بعد الثمانين التي هي اختيار المفضل من اختيار الأصمعي. ومثله رواية أخرى فيه (٢) ونقلها ابن أبي الحديد أيضًا (٣).
ونقل السيوطي في "المزهر" (٤) عن "فوائد النجيرمي" (٥) بخطه: قال العباس ابن بكار الضبيّ قلت للمفضل: ما أحسن اختيارك للأشعار فلو زدتنا من اختيارك! فقال: والله ما هذا الاختيار لي ولكن إبراهيم بن عبد الله استتر عندي الخ. وفيه أن إبراهيم كان أعلم على الأشعار ولم يذكر أنه كتبها مفردة.
وروى هذا الخبر ابن المهنا الحسني المتوفي سنة ٨٢٨ هـ في "عمدة الطالب" (٦) بيعض اختلاف وفيه: "أنه أعلم على ثمانين قصيدة فلما قتل أخرجها المفضل وقرئت بعدُ على الأصمعي فزاد فيها".
وغرضي هنا من كل ما سردته عليكم أنه إذا كانت المفضليات، مفضليات لا والأصمعيات "أصمعيات" مع ما زيد فيهما وأضيف إليهما بقلم رُواة عُرفوا أولم يعرفوا فلماذا لا نعزو "المفضليات" إلى مختارها الأول فنقول:
"الإبراهيميات اختيار إبراهيم الإمام وصنعة (٧) المفضل أو القصائد المختارة اختيار الخ".
_________________
(١) معظم حسين: مقدمة الاختيارين: ١٣.
(٢) مقاتل الطالبيين: ١٣١ (إيران، ١٣٠٧)؛ ٣٣٩ طبعة أحمد صقر (القاهرة ١٩٤٩).
(٣) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة (٣٢٤: ١).
(٤) السيوطي: المزهر ٢: ١٦٣ طبع ١٢٨٢ هـ.
(٥) هما نجيرميان أبو إسحاق إبراهيم صاحب "أيمان العرب" ترجم له في "معجم الأدباء" و"البغية": ١٨١ وتلميذ تلميذه أبو يعقوب يوسف. (البغية: ٤٢٣) ولهما في إنباه الرواة للقفطي. وانظر أيهما صاحب "الفوائد" ولعله الأوّل.
(٦) ابن المهنأ: عمدة الطالب: ٨٥ بومباي، ١٣١٨.
(٧) ليعلم أن المفضل كان تكلم على الأبيات كما نقل الأنباري عنه في غير ما موضع وكما قد نبهنا عليه في "إقليد الخزانة".
[ ١ / ٣٢ ]
ولا نُثبت اسم المفضل الذي زاد فيها كما لم نُثبت أسامي آخرين ممن زادوا فيها أو في "الأصمعيات" ودرجوا، جنوحًا إلى الإِنصاف وتخليدًا لذكرى هذا الإمام الجليل قتيل باخمرى ﵁. والله أعلم.
ثم إني وجدت الخبر في نسخة "إنباه الرواة" (*) للقفطي عن العباس بن بكار الضبي بعد خمسة أعوام.
كراتشي
عبد العزيز الميمني
_________________
(١) (*) [القفطي: إنباه الرواة على إنباه النحاة (٣: ٣٠٤) تحقيق أبو الفضل إبراهيم (القاهرة، ١٩٥٥)].
[ ١ / ٣٣ ]