عبد القادر بن عمر البغدادي نزيل القاهرة الأديب المصنف الرحَّال الباهر الطريقة في الإحاطة بالمعارف والتضلع من الذخائر العلمية، وكان فاضلًا بارعًا مطلعًا على أقسام كلام العرب النظم والنثر راويًا لوقائعها وحروبها وأيامها، وبيان يحفظ مقامات الحريري، وكثيرًا من دواوين العرب على اختلاف طبقاتهم وهو أحسن المتأخرين معرفة باللغة والأشعار والحكايات البديعة مع الثبت (كذا ولعل صوابه التثبت) في النقل وزيادة الفضل والانتقاد الحسن ومناسبة إيراد كل شيء منها في موضعه مع اللطافة وقوة المذاكرة وحسن المنادمة وحفظ اللغة الفارسية والتركية وإتقانهما كل الإتقان ومعرفة الأشعار الحسنة منهما وأخبار الفرس. خرج من بغداد وهو متقن لهذه اللغات الثلاث وورد دمشق وقرأ بها على العلامة السيد محمد بن كمال الدين نقيب الشام وعلى شيخنا النجم محمد بن يحيى الفرضيّ في العربية وأقام في دمشق في مسجد قبالة دار النقيب المذكور مقدار سنة ثم رحل إلى مصر فدخلها في سنة خمسين وألف بعد فتح بغداد بعامين وأخذ العلوم الشرعية وآلاتها النقلية والعقلية عن جمع من مشايخ الأزهر أجلَّهم الشهاب الخفاجي والسري الدروري والبرهان المأموني والنور الشبراملسي والشيخ ياسين الحمصي وغيرهم. وأكثر لزومه كان للخفاجي قرأ عليه كثيرًا من التفسير والحديث والأداب وأجازه بذلك وبمؤلفاته (انظر صورة الإجازة في المقدمة). وكان الخفاجي مع جلالة عظمته يراجعه في المسائل الغربية لمعرفته مظانها وسعة اطلاعه وطول باعه. حكى صاحبنا الفاضل مصطفى بن فتح الله قال قلت له لما رأيت من سعة حفظه واستحضاره: ما أظن هذا العصر سمح برجل مثلك. فقال لي: جميع ما حفظته قطرة من غدير الشهاب وما استفدت هذه العلوم الأدبية إلَّا منه. ولما مات الشهاب تملَّك أكثر كتبه وجمع كتبًا كثيرة غيرها. وأخبرني عنه بعض من لقيه أنَّه كان عنده ألف ديوان من دواوين العرب العاربة. وألف المؤلفات الفائقة منها: (١) شرح شواهد شرح الكافية للرضي الإسترابادي في ثمان مجلدات جمع فيه علوم الأدب واللغة ومتعلقاتها بأسرها إلا القليل ملكته الروم وانتفعت به ونقلتُ في مجاميع لي نفائس أبحاث يعز وجودها في غيره. وله أيضًا (٢) شرح شواهد شرح الشافية للرضي أيضًا. و(٣) الحاشية على شرح بانت سعاد لابن هشام
[ ١ / ٥١ ]
وقد رأيتها وانتقيت منها مباحث ونوادر كثيرة. وله من التآليف أيضًا (٤) شرح الشاهدي الجامع بين الفارسي والتركي، وغير ذلك مما لم يصل إليَّ خبره. وكل تآليفه مفيدة نافعة وكان مع تبحره في الآداب ومعرفته الشعر لم يتفق له نظم حتَّى طلبت من بعض المختصين به شيئًا من شعره لأُثبته في ترجمته فذكر لي فيما زعم أنَّه لم يتفوَّه بشيءٍ منه ترفعًا عنه. ثم رأيت الشلبي ذكر له في ترجمته هذه الأبيات في هجاءِ طبيب يهوديٍّ يعرف بابن جميع (وهي أربعة أقذع فيها أفحش الإقذاع فتركنا كتْبها).
ودخل دمشق في سنة ١٠٨٥ وكان في صحبة الوزير إبراهيم باشا المعروف بكتخدا الوزير منصرفًا من حكومة مصر وسافر معه إلى أدرنة راجيًا أن يحل من الزمان محل الفريدة من العِقْد فدخل إلى مجلس الوزير الأعظم أحمد باشا الفاضل واستمكن منه واختص به ولما حللتُ أدرنة في ذلك العهد زرته مرةً في معهده وكان بينه وبين والدي حقوق مودَّة قديمة فرحب بي وأقبل على وكان إذ ذاك في غاية من إقبال الكبراء عليه فلم يلبث حتَّى هجمت عليه علة قاسى منها آلامًا شديدة ولم يبق طبيب حتَّى باشر معالجته وكان أمره في نيل أمانيه مأخوذًا على التراخي فعاجلَه الملل والسآمة وضاق به الأمر فذهب إلى معرة مصر (بن) وعاد مرة ثانية وأنا بالروم فابتُلي برمد في عينيه حتَّى قارب أن يكفَّ فسافر من طريق البحر إلى مصر فوصلها ولم تطل مدته بها حتَّى توفي وكانت ولادته ببغداد سنة ١٠٣٠ وتوفي في أحد الربيعين من سنة ١٠٩٣ رحمه الله تعالى. انتهى بطرح ما لا علاقة له بالترجمة.
ثم وقفت بعد تصفح زوايا الخزانة والاقتباس من أنوار الشهاب في الريحانة على فوائد زوائد، وأوابد شوارد في ترجمة البغدادي، أحببت أن اعلقها وأحرد نحوها حردًا، وأسردها سردًا: