تقديم
١
كان العلامة الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي نسيج وحده في علوم العربية وآدابها. أحبَّ العربية أكرم حب، ووقف نفسه لدراستها وتدريسها، وقضى حياته يطوف في رياضها، فتذوق جناها الطب تذوق عارف خبير، وأدرك أسرارها وإعجازها، وسحره بيانها، فروّى نفسه من مَعنها العذب حتى تضلّع. وأعانته حافظة حية تسعفه وتستجيب له، فكان يدهش أقرانه وجلساءه بسعة روايته، وسرعة استحضار شواهده. سُئل مرة م تحفظ من أشعار العرب فقال: نحو مئة ألف بيت (١)، فذكّرنا بأولئك العلماء الرواة الأوائل. وأُولع بالقراءة ولوع الجاحظ وأضرابه، فكان الكتاب خدينه وإلفه، مما هيأ له الاطلاع الواسع على التراث العربي، فتحلّى كنوزه، وأحاط بنفائسه. وجذبته المخطوطات العربية ففتن بها، وتتبعها في مظانها في مكتبات الهند ومصر والشام والحجاز واصطنبول وأمثالها. قرأ منها ما قرأ، ونسح ما نسخ، ونقل إلى الجُزاز ما نقل، حتى غدا أعرف الناس بما تشتمل عليه خزائن المخطوطات من أعلام ونوادر، يقصُّ عليك من أنباء ما تفرق منها وتشتت، ليدني القصيّ، ويقرب البعيد. وقد يواتيه الحظ فيقوى على أن يردّ الجزء الضائع ليجمعه بأخيه (٢)، حتى غدا المرجع الثقة في الدلالة على المخطوطات: مواضعها وأوصافها. وفي النسخة المصورة لمذكرات الميمني المهداة إلى مكتبة المجمع بدمشق غيض من فيض مما اطلع عليه وعلّقه في رحلته الميمونة (١٩٣٥ - ١٩٣٦ م)
_________________
(١) مجلة المجمع العلمي الهندي، المجلد العاشر، ص ٨.
(٢) شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف للعسكري / القسم الأول ص (٤) م- طبع مجمع اللغة العربية بدمشق.
[ ١ / ٧ ]
التي نقّب فيها عن جلّ المكتبات في القاهرة والإسكندرية واصطنبول وحلب ودمشق والقدس وبغداد والنجف، فتسنّى له أن يكشف عن "الخبايا في الزوايا " (١).
ثم كان للأستاذ الميمني الباع الطويل في التحقيق، وقد خلّف في هذا الباب ثروة طائلة، تتجلى في المقالات الكثيرة، والرسائل والكتب التي حققها. وكتاب (سمط اللآلي) هو واسطة العقد والنموذج المختار لمقدرة الميمني ومنهجه في التحقيق. إنه يروعك بسعة علمه ومدى إحاطته وهو يخرج النصوص: شعرها ونثرها، وكأن المصادر العربية بين يديه، يستخرج منها ما يشاء، وتطالعك في تعليقاته الفوائد الكثيرة، والفرائد الغريبة: يدلك على ما وقع فيه الناسخ من تصحيف وتحريف، ويقوّم ما وهم فيه المؤلف، ويقرن الشقيق بالشقيق وإن تباعدا، ويرشدك إلى الينابيع: مخطوطها ومطوعها إن شئت للاستزادة والتوسع. وكل ذلك في عبارة رشيقة غاية في الإِيجاز. قد جعل ديدنه أن ينظم المعاني الكثيرة بالكلمات القليلة (٢).
وكان للميمني القدحُ الملَّى في التأليف. وقد تنوعت تآليفه تنوع غاياتها، فهي إما كشف عن غامض مجهل، أو جمع لمتفرق يصعب جمعه، أو تأليف مبتكر جديد يغني المكتبة العربية، ويفتح الأبواب لدراسات مبتكرة، صنيعه في كتابه العظيم: (أبو العلاء وما إليه).
وأسهل طريق لتطلع على مجمل نشاط العلامة الميمني أن تعود إلى مجلة المجمع العلمي الهندي بمجلديها العاشر والحادي عشر. وفي مقالة الأستاذ حمد الجاسر تعداد لأبرز ما ألف وحقّق (٣).
ورُزق الميمني ملكة التعبير، فأسلست له العربية قيادها، يصرفها كيف يشاء، فتميّز بأسلوبه المشرق العجب، يُمتع الناس بنصاعة بيانه، ورواء ديباجته، إنه
_________________
(١) كنتُ نشرت جزاء من هذه المذكرات في مجلة معهد المخطوطات العربية- الكويت، المجلد ٢٩ / ج ١، ص ٦٧ - ١٢٥، وأرجو من الله العليّ القدير أن يمدني بعون منه لأتم نشر المذكرات.
(٢) مجلة معهد المخطوطات العربية، مج ٢٩ / ج ١، ص ٦٨ هـ (٣).
(٣) مجلة المجمع العلمي الهندي، المجلد العاشر، ص ٣٢ - ٣٥، وانظر مقالتي، ص ٤٩ - ٨٨.
[ ١ / ٨ ]
ليذكّرك بأولئك البدعين من كُتّاب القرن الرابع الهجري.
وأهلته مواهبه الفذّة، وكفاياته الرفيعة، وسجاياه الحميدة المحببة أن يحتلَّ بين علماء عصره المحل الأرفع، فاحتفَوْا به واحتفلوا له، وأحاطوه بضروب التكريم والتبجيل.
وكانت الفجيعة بفقده، رحمة الله، بالغة، وقد عبَّر أصدقاؤه وتلاميذه ومقدرو فضله عن المكانة التي كان يتبؤؤها، والفراغ الذي خلّفه (١).
٢
وقد انتدب الأستاذ محمد عُزير شمس لجمع العزيز النادر من مقالات العلامة الميمني تقديرًا "لمكانة هذا المحقق الجليل في نفوس الباحثين والمشتغلين بتحقيق التراث ونشره". فتتبع من مقالات المينمي وبحوثه المتناثرة في المجلات ما وافى المنهج الذي اختطه لعمله، وتجنب كتب الميمني المعروفة المتداولة. وقد بذل ما بذل حتى استقامت له مجموعة "بحوث وتحقيقات" مما كتب الميمني في مختلف مراحل حياته، وجعلها في ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يحتوي جملة من مقالات الميمني تتناول موضوعات مختلفة.
والقسم الثاني: يتضمن ما حرره الميمني من نقد وتعريف بمجموعة من الكتب.
والقسم الثالث: يتألف من جملة نصوص محققة، جلُّها رسائل نادرة.
وقد وفّق الأستاذ عُزير في مختاراته، وقرّب هذه النصوص المشتتة النادرة إلى القراء والباحثين، فجزاه الله خير الجزاء. وأرجو أن ينظر ناظر في طبع كتب الميمني النادرة مثل خلاصة السير للطبري، وإقليد الخزانة وأمثالهما، لتصبح آثار الشيخ
_________________
(١) أجمعُ ما اطلعت عليه في هذا الباب المجلدان العاشر والحادي عشر من مجلة المجمع العلمي الهندي.
[ ١ / ٩ ]
العلامة في متناول طالبيها.
ولعل من تمام القول أن أشكر للأستاذ الكريم الحبيب اللمسي تطوعه لنشر هذا الجزء من تراث الأستاذ الميمني يضعه بين أيدي الناشئة يفيدون منه ويترحمون خطاه، فيحيي ذكرى عالم كبير كان له شأنه وخطره في الدراسات العربية.
وللأستاذ الحبيب اللمسي أياد مشكورة تتمثل في حسن اختياره لما ينشر من كتب التراث، وفي عنايته العناية البالغة بنشر جملة صالحة من تراث المغرب العربي الذي كان عسير المنال، لا يظفر به طالبه في مشرقنا العربي، فقرّب البعيد وأدناه لمبتغيه من القراء.
آمل وأرجو أن تصدر الطبعة الثانية لهذه المجموعة، وقد مُسح عن وجهها ما علق به من هنات الطاعة، وأن يلحق بها جامعها ما ندَّ عنه في الجمع الأول من مقالات تأتلف ومنهجه الذي اختطه لعمله، وما لم يعثر عليه من دراسات وتحقيقات أشار إليها في مقدمته والله الموفق.
٢/ ٦/ ١٤١٥ هـ
٥/ ١١/ ١٩٩٤ م
الدكتور شاكر الفحام
[ ١ / ١٠ ]