صاحب "مجمل اللغة"، و"مقاييس اللغة"، و"الصاحبي في فقه اللغة" المتوفى سنة ٣٩٥ هـ
نسخها وصححها ووشاها ببعض التعليقات
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
كرمه الله تعالى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمَّد بن حبيب رحمه الله تعالى:
هذه -أكرمك الله وأيدك ووفقك- مقالة كلا، ومعنى ما جاء من هذا الحرف في كتاب الله تعالى، واختلاف أهل العلم في موضوعه، وأين تقع نفيًا، ومتى تقع تحقيقًا. وقد فسرنا ما لاح من ذلك واتجه، ودللنا على الأصح من ذلك بشواهد من غير إحالة. وبالله التوفيق.
قال بعض أهل العلم (١) إن كلا تجيء لمعنيين: للرد، والاستئناف.
وقال قوم: تجيء كلا بمعنى التكذيب.
وقال آخرون (٢): كلا ردع، وزجر.
وقال آخرون (٣): كلا تكون بمعنى حقًّا.
_________________
(١) هو أبو حاتم قال: هو للرد بمعنى لا، وعلى معنى ألا التي للتنبيه يستفتح بها الكلام، ووافقه الزجاج، ورجّحه ابن هشام في المغني على قول النضر والكسائي.
(٢) هذا بعينه لفظ سيبويه في الكتاب (مصر ٢: ٣١٢) قال "وأما كلا فرح وزجر". وبه قال الخليل والمبرد والزجاج وأكثر البصريين.
(٣) منهم الفراء في قوله تعالى ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ يعني أي القمر -شرح ابن يعيش ١٢١٩ - وهو قول النضر بن شميل أيضًا. =
[ ٢ / ١٠ ]
وقال قوم (١): كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر. قال والكاف في قوله كلا كاف تشبيه، و"لا" نفي وتبرئة.
وقال بعضهم: كلا تنفي شيئًا وتوجب غيره. فهذا ما قيل في كلا.
وأقرب ما يقال في ذلك أن كلا تقع في تصريف الكلام على أربعة أوجه:
أولها الرد، والثاني الردع، والثالث صلة اليمين وافتتاح الكلام بها كألا، والوجه الرابع التحقيق لما بعده من الأخبار.
وسأذكر ما جاء منها في كتاب الله ﷿ على ترتيب هذه الوجوه الثلاثة [كذا].
حكايته لمقالة من زعم (٢) أن كلا منحوتة من كلمتين وأن الكاف للتشبيه، والرد على قائل ذلك إن شاء الله تعالى.
زعم بعض المتأخرين أن كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر، والكاف في كلا كاف تشبيه، وزعم أن أصل كلا التخفيف، إلا أنهم كانوا يكررون "لا" فيقولون: هذا الشيء كلا ولا (٣). ثم
_________________
(١) = وقال الكسائي: إنه بمعنى حقا، وتبعه على ذلك ناس. واعلم أن ابن فارس ﵀ روى ألفاظ القوم كما رآها، وإلا فإنهم بأجمعهم متفقون على أحد المعنيين وهو الرد والردع والزجر، وأما الآخر فهو عند الكسائي حقًّا، وعند أبي حاتم ألا، وعند النضر أي، ويستعمل مع القسم وعليه خرج (كلا والقمر). وها هنا قول شاذ أغفل عنه لشذوذه؟ ونقله أبو حيان عن الفراء وأبي عبد الرحمن اليزيدي ومحمد بن سعدان أنه يأتي بمعنى صوف، قال: وهذا مذهب غريب.
(٢) هو قول ثعلب، قال أبو حيان: وهذه دعوى لا يقوم عليها دليل. ونقل ابن يعيش عنه أيضًا أنه قال: لا يوقف على كلا في جميع القرآن لأنها جواب والفائدة فيما بعدها هـ. وهذا القول كالأول بلادليل، مع أنهم مجمعون على جواز الوقف عليه إذا كان للرد.
(٣) هو ثعلب وقد مر. وقوله "حكايته" كان في الأصل موضعه خطتر. ونقل قول ثعلب هذا في فقه اللغة ١٣٣ بقوله: وزعم ناس اهـ.
(٤) أي كاللفظ بلا، وهي كناية عن قلة اللبث والسرعة، وفي الأمثال "أقل من لفظ لا" قال الكميت: كلا وكذا تغميضهم ثم هجتمُ لدى حين أن كانوا إلى النوم أفقرا وفي شعر الحسن: أقل في اللفظ من لا. من إيضاح المطرزي والشريشي (المقامة ٣٩).
[ ٢ / ١١ ]
حذفوا إحداهما وشددوا الباقي طلبًا للتخفيف. قال ومنه قول الشاعر (١):
قبيلي وأهلي لهم ألاق مشوقهم لوشك النوى إلا فواقا كلا ولا
قال (٢) وربما تركوه على خفته ولم يثقلوه. وذلك يقول ذي الرمة (٣):
أصاب خصاصة فبدا كليلا كلا وانغلّ سائره انغلالا
ومنه قول جرير (٤):
يكون وقوف الركب فيها كلا ولا غشاشًا ولا يدنون رحلًا إلى رحل
قلنا (٥) هذا كلام مدخول من جهتين: إحداهما أنه غير محفوظ عن القدماء من أهل العلم بالعربية. والثانية أنه مما لا يتأيد بدليل. والأمرين (كذا) كلا مشددة وكذا مخففة مبين جدًّا (٦) وذلك أن قول القائل هذا شيء كلا، إنما هو تشبيه الشيء -وحقارته وقلته وأنه لا محصول له- بلا، وذلك أن لا كلمة نفي. وأما كلا فكلمة مشددة بعيدة التشبيه بلا، واعتبار ما قلناه، أنك لو حملت قوله تعالى [المدثر ٣٥]: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ على معنى أنه كلا ولا القمر لكنْتَ عند أهل العربية كلهم مخطئًا لأن كلا ولا ليس بموافق لقوله والقمر. فإن قال قائل فما الأصل فيها؟ قلنا: إن كلا كلمة موضوعة للمعاني التي قد ذكرناها مبنية هذا البناء، وهي مثل إن ولعل وكيف. وكل واحدة من هذه مبني بنا [ءً] يدل على معنى. فكذا كلا كلمة مبنية بناء يدل على المعاني التي نذكرها. وهذا قول قريب لا استكراه فيه.