هذه بعض السمات والمعالم التي تبدَّت لنا في الكتاب، وهي تكفي للخروج بتصور واضح جليٍّ عن الكتاب وطريقة مؤلفه فيه، وسنذكرها في النقاط الآتية:
(١) أن كثيرًا من فوائد الكتاب نقول عن مصادر أخرى، يُصرِّح المؤلف بها حينًا ويُغفلها أخرى، وقد يصرِّح بمؤلفيها وقد يُغفل الجميع (انظر مبحث موارد المصنف)، وهذا عائد إلى طبيعة الكتاب، فهو كالتذكرة.
(٢) لم يكن المؤلف متخيِّرًا فحسب، بل كانت له تعليقات ضافية، وإضافات سابغة على كثير من النصوص المنتخبة، وهذه التعليقات إما أن تكون تصحيحًا لوهم أو خطأ، أو تكميلًا لنقص، أو إضافة في البحث، أو تبيينًّا لمجمل، أو تنبيهًا على فائدة بديعة، ونكتة لطيفة.
[ المقدمة / ٢٥ ]
ومن العلماء الذين ناقشهم في الكتاب: (السهيلي -وأكثر من ذلك- والقرافي وأبو يعلى، وابن عقيل، وشيخه ابن تيمية، وابن العربي، وسيبويه، وابن قدامة والعز بن عبد السلام وابن جني، وابن الطراوة، والزمخشري).
وكان في ذلك كله متأدّبًا بأدب العلماء؛ من أمانة النقل، والثناء على العلماء بما أحسنوا فيه، والانقياد للحجة والبرهان، وأدب المناظرة والاحتياج للخصم بكل دليل يصلح له (^١). . . مع ما قد يعتريه -أحيانًا- من الشدة في الرد، كقوله: (١/ ٣٤٧): "وفي هذا من التعسُّف والبعد عن اللغة والمعنى ما لا يخفى"، ومثله (٢/ ٥٦٦). وقوله: (٢/ ٤١٤): "فهذا جواب فاسد جدًّا". وقوله: (٢/ ٥١٤): "والذي ذكره أبو الحسين -أي ابن الطراوة- غير حَسَن، بل باطل قطعًا".
وهو بعد هذا كله يعلن تواضعه وحسن قصده فيقول: (٢/ ٦٦٨): "فهذا ما ظهر في. . . فمن وجد شيئًا فليلحقه بالهامش، يَشكر الله وعبادُه له سعيَه، فإن المقصود الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وُضِعَ ما عداه تحت الأَرْجُل" اهـ.
(٣) الأمانة العلمية، فإنه قد صرَّح بالنقل عن غالب من نقل عنهم، وهذا المنهج هو الذي ارتضاه المصنف لنفسه -ويرتضيه كل منُصف- وقد صرّح المؤلف بهذا المعنى أتم تصريح إذ قال: (١/ ٢٤٩) -بعد تفسير سورة الكافرون-: "فهذا ما فتح الله العظيم. . . من غير استعانة بتفسير، ولا تتبّع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه. . . واللهُ
_________________
(١) انظر (٣/ ١١٣٩).
[ المقدمة / ٢٦ ]
يعلمُ أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها ولبالغت في استحسانها .. " اهـ.
وقال في موضع آخر (١/ ٣٦١): "فهذا ما في هذه المسألة، وكان قد وقع لي هذا بعينه أيام المقام بمكة، وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحًا؛ لأني لم أره في مباحث القوم، ثم رأيته بعدُ لفاضلين من النحاة؛ أحدهما: حام حوله وما ورَدَ، ولا أعرف اسمه. والثاني: أبو القاسم السُّهيلي -﵀- فإنه كشفه وصرَّح به. . . " اهـ.
وقال بعد أن قرر بعض المسائل: (٢/ ٤١٨): "ثم رأيتُ هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي، فوافق فيه الخاطرُ الخاطرَ" اهـ.
وقال في: (٢/ ٥٢٨): "فتأمل هذه المعاني. . . وقد ذكرنا من هذا وأمثاله. . . ما لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقه من الاستحسان المدح. . . " اهـ.
(٤) أن غالب هذه الفوائد قد كتبها المؤلف من الخاطر، دون مراجعة كتاب، مع بُعْده عن كتبه وعدم تمكنه من مراجعتها، فقال في (١/ ٢٤٩): "فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة النزرة. . . من غير استعانة بتفسير، ولا تتبع لهذه الكلمات من مظانَّ توجد فيه، بل هي استملاء مما علمه الله وألهمه بفضله وكرمه. . . " اهـ وتقدم نقل باقيه قبل قليل.
وقال في موضع آخر: (٢/ ٥٩٢): "فهذا ما في هذه المسألة المشكلة من الأسئلة والمباحث علّقتها صيدًا لسوائح الخاطر فيها خشية ألا يعود، فليسامح الناظر فيها، فإنها عُلِّقت على حين بُعدي
[ المقدمة / ٢٧ ]
عن كتبي، وعدم تمكني من مراجعتها، وهكذا غالب هذا التعليق إنما هو صيد خاطر، والله: المستعان" اهـ.
فقوله: "هذا التعليق" يُفهم منه أن التعليقات والإضافات التي يضيفها على الفوائد المنقولة = إنما هي من رأس القلم دوَن مراجعة كتاب، أو حالَ السفر مع بعده عن كتبه، وهذا قريب. ويُفهم أيضًا أنَّه أراد جُملة الكتاب: بنقوله وتعليقاته، وهو ظاهر كلامه، وليس ذلك ببعيد، مع ما آتاه الله من قوَّة الحفظ وسَعَة الاطلاع والتبحُّر في العلم، ولا يبعد -أيضًا- وقد ألّف بعض كتبه في حال السفر وبعده عن الكتب، مثل "زاد المعاد" و"تهذيب السنن" و"مفتاح دار السعادة": و"روضة المحبين" و"الفروسية" (^١) مع ما فيها من التوسّع والتحقيق والنقول!.
(٥) أما فوائده التي يسوقها، فكان يُصَدِّرها بعناوين مختلفة، فأكثر تلك الألفاظ استخدامًا هو لفظ (فائدة) مجردة، ثم لفظ (فصل)، ثم (فائدة بديعة) وقد ابتدأ هذا العنوان من: (١/ ١٦٠)، ثم تليها عبارات استخدمها المرة بعد المرة مثل (مسألة، وفوائد شتى، وفصول، وقاعدة).
(٦) الاستطراد (^٢).
ونُدوِّن هنا بعض الملحوظات على استطرادات المؤلِّف.
(أ) يستطرد المؤلف في أحيانٍ كثيرة، ثم يطلب من القارئ عدم
_________________
(١) "أبو قيِّم الجوزية: حياته، آثاره، موارده": (ص / ٦٠).
(٢) انظر "المصدر السابق": (ص / ١٠٣ - ١٠٩)، وهو مهم.
[ المقدمة / ٢٨ ]
استطالته؛ لأنه -أي الاستطراد- يكون أحيانًا أهم مما سِيق الكلام من أجله (^١)، وذلك في المواضع الآتية: (١/ ١٢٨، ٢٦٨ و٢/ ٦٢٩، ٦٦٥، ٧٢٤ و٤/ ١٥٩٨).
(ب) يستطرد في أحيانٍ قليلة، ثم يعتذر بأنه من باب تكميل الفائدة، كما في: (٢/ ٥٣٨، ٦٢٠).
(جـ) قد يكون مجال الاستطراد فسيحًا، إلا أن المؤلف يُحْجم عنه؛ لأن هذا ليس موضعه، كما في: (١/ ٣٤٣، ٣٧٥ و٢/ ٥٨٥، ٦٤٣).
بل يقول: إنه لو استطرد لاحتاج إلى سِفْرين، كما في: (١/ ٢٩٠ و٢/ ٦٩٧، ٧٧٤).
لأجل هذا تراه كثيرًا ما يحيل على كتبه الأخرى لاستيفاء مبحثٍ ما، خاصة "التحفة المكية"، وربما وعد بتأليف كتاب أو رسالة مستقلة في المسألة أو الآية التي يشرحها، كما في: (٣/ ٨٧٧ - ٨٧٨ و٤/ ١٥٩١ و١/ ٣٠٠ و٢/ ٦٠٥) وغيرها.
(٧) التكرار (^٢).
_________________
(١) وقد ذكر المصنِّف -﵀- في "مدارج السالكين": (٢/ ٣٠٦) عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه (كان إذا سُئل عن مسألة حُكمية، ذكر فى جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قَدِر، ومأخْذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته) اهـ وذكر أن هذا من الجود بالعلم، وذكر أمثلة من أجوبة النبي - ﷺ - على هذه الطريقة.
(٢) انظر توجيه هذه الظاهرة فى كتاب "ابن قيم الجوزية": (ص/ ١٢٢ - ١٢٨) وإن كان التكرار الذي نعنيه هنا أخص؛ لأنه في كتاب واحد، لا عدة كتب.
[ المقدمة / ٢٩ ]
وقع للمؤلف -﵀- تكرار بعض المباحث في الكتاب، فيعيد البحث في المسألة الواحدة في موضعين دون الإشارة إلى أنه قد تقدم بحثها أو سيأتي البحث فيها، لكن يلاحظ في هذه المواضع: أن كلًاّ منها يقدم جديدًا إلى المسألة المطروقة من زيادة استدلال وتحقيق، أو بسط وتوسع، إلا في مواضع يسيرة حصل للمؤلف نقل بعض الروايات عن الإمام أحمد، ثم أعادها مرة أخرى! فهدا يدلّ أن المؤلف كان يكتب هذه الفوائد والتعاليق على فترات متباعدة، وإلا لضم النظير إلى نظيره (^١) أو تكلَّم عنها في موضع واحد، أو أشار إلى تقدم البحث فيها. وهذا بيان المسائل التي أعاد المؤلِّف البحثَ فيها:
• التفضيل بين السمع والبصر: (١/ ١٢٣ - ١٣٠ و٣/ ١١٠٦ - ١١٠٨).
• دخول الشرط على الشرط في الطلاق: (١/ ١٠١ - ١٠٦ و٣/ ١٢٣٧ - ١٢٤١).
• العمل بالقرائن والفراسة: (٣/ ١٠٣٧، ١٠٨٩ - ١٠٩٦ و٤/ ١٣١٩ - ١٣٢٢).
• مسائل في الشكِّ: (٣/ ١٢٧٦ - ١٢٨٣ و٤/ ١٣٣٨ - ١٣٣٩).
• مسائل الفضل بن زياد القطان: (٣/ ٩٨٦، ٩٩١، ١٠٠٢ و٤/ ١٤٠٦، ١٤١١).
_________________
(١) قد يُحيل في موضع على كتابٍ آخر له، ثم هو يستوفي الكلام عليه في موضعٍ آخر من الكتاب -أعني البدائع- كما وقع له في: (٢/ ٦٦٤)، وقد استوفاه في (٣/ ٩١٥) وهذا يدل على تفاوت وقت تدوين الفائدتين.
[ المقدمة / ٣٠ ]
• مسائل الميموني: (٣/ ٩٦٣، ٩٩١، ٩٩٣ و٤/ ١٤٠٦).
• البحث في قولهم (في مستقر رحمتك): (٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨ و٤/ ١٤١٨ - ١٤١٩).
• بيع المغيَّبات في الأرض: (٣/ ١٣٢٣ و٤/ ١٤٢٣ - ١٤٢٤).
• إذا زوج السيدُ عبدَه: (٤/ ١٤٨١ - ١٤٨٣ و٤/ ١٥١٩ - ١٥٢٠).
• طريقةُ القرآن في إضافة الخير إلى الله والشر إلى غيره: (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١ و٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥).
• قول السيد لعبده: أنت حر. . .: (٤/ ١٣٧٢ و١٣٩٩).
(٨) من الظواهر البارزة في كتب المصنف -﵀- كثرةُ ثنائه على مباحثها، وما تفردت به من البحوث العزيزة والتحقيقات النادرة، كما في "مفتاح دار السعادة" و"إعلام الموقعين" و"حادي الأرواح"، و"تحفة المودود" و"جلاء الأفهام"، وهي أظهر وأجلى في كتابنا هذا، وله في بيان ذلك والدلالة عليه طرائق: منها: قوله إن فيه ما لا يوجد في الكتب: (١/ ١٩٧، ٢٤٢، ٢٦٨ و٢/ ٦١٠ و٤/ ١٦٠٣).
ومنها: أن يحمد الله -تعالى- على ما فتح عليه من العلم والنعم: (١/ ٣٣٦ و٢/ ٥٤٠، ٦٩٤، ٦٩٧).
وتارة: بالإشارة إلى ما تضمنته الفائدة من أسرار العلم: (١/ ٣٥٣، ٣٥٨ و٢/ ٤٢٠، ٤٦٩، ٤٧٦، ٥٦١، ٦٠٨، ٦٧٤ وغيرها).
[ المقدمة / ٣١ ]
وتارة: بأن هذا البحث من النِّكات البديعة والمباحث العزيزة: (٢/ ٤٠٣، ٤١١، ٤٥٧، ٤٦٣، ٥٢٧، ٥٧٦، ٦٠٧ و٤/ ١٦٠٣).
وتارةً: بأن هذه الفائدة تساوي رحلة، أو حصلت بعد سَهَر وتَعَب وفِكْر: (١/ ٣٤ و٢/ ٥٤٠، ٦٤١).
وتارة: بأن هذا البحث لا يفهمه إلا من آتاه الله فهمًا، أو أنه يحتاج إلى تدقيق نظر، أو لا يفهمه إلا العلماء، أو أنه لا يفهمه إلا ذهن يناسبه لطافةً ورِقة: (٢/ ٤٢٣، ٥٢٧، ٦٩٤، ٤٨٠، ٦٤١ و٤/ ١٥٦٨).
وتارة: بالشكوى من أهل الزمان وقلة المساعد منهم والمعاون، وأن أكثرهم نَقَلَه: (٢/ ٦٤١، ٦٤٢، ٦٧٢، ٦٩٧).
وهذا كله -في تقديري- خارج مخرج النصيحة لطالب العلم والشفقة عليه من أن تفوته هذه الفوائد والتقريرات والتحريرات دون أن يلتفتَ إليها، ويُنْعِمَ النظرَ فيها، ويُعطيَها بها يليق بها من الحفظ والإجلال (^١). فكم من فائدةٍ ربما مرّ عليها الطالبُ دون شعور بقيمتها العلمية إلا بتنبيه أستاذ: أو إرشاد معلِّم، فابن القيّم هو ذلك المعلِّمُ الحَدِبُ الشفيقُ على تلميذه، فلا تمر فائدة عزيزة تستحق -الدلالة والإرشاد إليها إلا سارع إلى ذلك بأحدى هاتيك العبارات، نصيحة وإرشادًا.
والمصنِّف -﵀- إنما يخاطب بهذا الكلام طبقةً عالية من أهل العلم وطلابه، يَقْدُرون هذه الفوائد قدرَها، وينزلونها منزلتها، ويشكرون من يرشدهم وينبِّههم إلى مثلها، ولا يقفون عند رسم عبارةٍ
_________________
(١) انظر (٤/ ١٦٢٣).
[ المقدمة / ٣٢ ]
لم يكن الغرض من سياقها أكثر من الدلالة على الأمر المدلول عليه. أما المبتدئ والمقلِّد -كما يقول ابن القيم: (٣/ ٨٨٩) - فإنه لا يفهم كثيرًا من هذه الدقائق والمباحث.
وابن القيم -﵀- إمام من أئمة الدين والورع والزهد والعبادة، فلا يُظَنُّ به -إن شاء الله- إلا ما وصفتُه لك. وهو بعد ذلك إمامٌ متبحِّر في العلم، واسعُ الاطلاع، حافظ ضابط، فإذا أخبر عن عِزِّةِ بحث أو ندرة فائدة = فاركن إلى ذلك فعلى الخبير سقطت. واعتبرْ ذلك تجِدْه كذلك إن شاء الله (^١).
(٩) قد يكتب المؤلف بعض الفوائد ليكشف عنها ويعلِّق عليها، فقد دوّن عدة أحاديث مما انتقاه القاضي أبو يعلى، ثم قال: "وليت القاضي ذكر أسانيد هذه الأحاديث، وكتبتُها لأكشف عن حالها" (^٢).
(١٠) عنايته الظاهرة بالتفسير وعلومه (انظر ما سبق في أهمية الكتاب).
(١١) عنايته الظاهرة -أيضًا- بتدوين المسائل والروايات عن الإمام أحمد، إذ نقل عن أكثر من أثنين وثلاثين من كتب الرواية عن الإمام (وانظر ما سبق، وما سيأتي في الموارد).
(١٢) كما ظهر جليًّا عنايته بالنقل عن أفرادٍ من العلماء، وهم:
- الإمام أحمد بن حنبل (٢٤١)، فنقل عن كثير من رواياته.
- أبو حفص العُكْبَري (٣٨٧)، وكثير من النقول عنه بواسطة أبي يعلى.
_________________
(١) وانظر: "ابن قيم الجوزية": (ص / ١٢٠ - ١٢٢).
(٢) (٣/ ١٠٠٦ - ١٠٠٩).
[ المقدمة / ٣٣ ]
- القاضي أبو يعلى بن الفراء (٤٥٨)، أكثر النقول عنه من تعاليق له وفتاوي ومنتقيات.
- أبو الوفاء بن عقيل (٥١٠)، من "الفنون" وغيره.
- شيخ الإسلام: ابن تيميَّة (٧٢٨)، من فتاويه وكتبه. وذَكَر بعض أحواله.
- أبو القاسم السُّهيلي (٥٨١)، أكثرها من "النتائج"، ومواضع من "الروض الأنف".
- سيبويه (١٨٠)، من "الكتاب" وكثير منها بواسطة السُّهيلي.
- القرافي (٦٨٤)، من "الفروق".
* * *
[ المقدمة / ٣٤ ]