هنا ليس لمطلق الموت، وإنما هو للحاقُهم بالمؤمنين، ومصيرهم إلى حيث صاروا.
وأمَّا قول الموصِي: إن متُّ فثلث مالي صدقة؛ فلأنّ الموت وإن كان محققًا، لكن لما لم يُعرف تعيُّن وقته، وطال الأمد (^١)، وانفرجت (^٢) مسافة أمنية الحياة، نزلَ منزلة المشكوك فيه (^٣)، كما هو الواقع الذي تدلُّ عليه أحوال العباد، فإن عاقلًا لا يتيقّن الموت، ويرضى بإقامته على حالٍ لا يحب الموتَ عليها أبدًا، كما قال بعض السلف: ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبهَ بشك لا يقينَ فيه من الموت (^٤)، وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦] فأكَّدَ الموتَ باللام، وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت، وأتى في البعث بالفعل، ولم يؤكده.
المسألة الرابعة: قد يُعلقُ الشرط بفعل محال ممتنع الوجود، فيلزمه محال آخر، وتصدق الشرطية دون مفرديها. أما صدقها؛ فلاسْتِلْزام (^٥) المحالِ المحالَ. وأما كذب مفرديها؛ فلاستحالتهما، وعليه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] ومنه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ومنه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢] ونظائره كثيرة.
_________________
(١) (ق): "الأمل".
(٢) (ظ ود): "وانفردت".
(٣) من (ق).
(٤) قاله أبو حازم المدني، انظر "الحلية": (٣/ ٢٣٢).
(٥) (ظ ود): "فلا يستلزم".
[ ١ / ٨٥ ]