أعظم أسباب الإعطاء، وهو كثرة ما يملكه، فدلَّ هذا على أن عدم إعطائه ثابت على ما هو دون هذا التقدير، وأن عدم الإعطاء لازم لكل تقدير، فافهم نظير هذا المعنى في الآية، وهو عدم نفاد كلمات الله تعالى، على تقدير أن الأشجارَ أقلام، والبحارَ مداد يُكْتَب بها، فإذا لم تنفد على هذا التقدير، كان عدم نفادها لازمًا له؛ فكيف بحسب دونه من التقديرات!! فافهم هذه النكتة التي لا يسمح بمثلها كل وقتٍ ولا تكاد تجدها في الكتب، وإنما هي من فتح الله وفضله، فله الحمد والمنة، ونسأله المزيد من فضله.
فانظر كيف اتفقت القاعدة العقلية مع القاعدة النحوية، وجاءت الخصوص بمقتضاهما معًا من غير خروج عن مُوْجب عقلٍ ولا لغةٍ ولا تحريفٍ لنصٍّ، ولو لم يكن في هذا التَّعليق إلا هذه الفائدة لساوت رحلة، فكيف وقد تضمن من غرر الفوائد مالًا يَنفُق إلا على تجَّارِه، وأما من ليس هناك فإنه يظن الجوهرة زجاجة، والزجاجة المستديرة المثقوبة جوهرة، ويزري على الجوهري ويزعم أنه لا يفرق بينهما!! والله المعين.
المسألة التاسعة (^١): في دخول الشرط على الشرط، ونذكر فيه ضابطًا مزيلًا للإشكال إن شاء الله، فنقول: الشرط الثاني تارة يكون معطوفًا على الأول وتارة لا يكون، والمعطوف تارة يكون معطوفًا على فعل الشرط وحده، (^٢) وتارة يُعْطف على الفعل مع الأداة، فمثال غير المعطوف: "إن قمتِ إن قعدتِ فأنت طالق".
_________________
(١) قارن بـ "الفروق": (١/ ٨١ - ٨٥) للقرافي، ولم يذكر المصنف العاشرة.
(٢) (ق/٢٢ ب) من النسخة (ق) ساقط من مصوَّرتي وينتهي السقط إلى قوله: "وممن نص " ص/١٠٤.
[ ١ / ١٠١ ]
ومثال المعطوف على فعل الشرط وحده: "إن قمتِ وقعدتِ". ومثال المعطوف على الفعل مع الأداة: "إن قمتِ وإن قعدتِ"، فهذه الأقسام الثلاثة أصول الباب وهي عشر صور:
أحدها: "إن خرجتِ ولبستِ"، فلا يقع المشروط إلا بهما كيفما اجتمعا.
الثانية "إن لبست فخرجت"، لم يقع المشروط إلا بالخروج بعد اللبس، فلو خَرَجَت ثم لبست لم يحنث.
الثالثة: "إن لبست ثم خرجت"، فهذا مثل الأول، وإن كان "ثم" للتراخى فإنه لا يُعتبر هنا إلا حيث يظهر قصده.
الرابعة: "إنْ خرجت لا إنْ لبست"، فيحتمل هذا التعليق أمرين؛ أحدهما: جعل الخروج شرطًا؛ ونفي اللبس أن يكون شرطًا. الثاني: أن يجعل الشرط هو الخروج المجرد عن اللبس، والمعنى: إن خرجت لا لابسة، أي غير لابسة، ويكون المعنى إن كان منك خروج لا مع اللبس، فعلى هذا التقدير الأول يحنث بالخروج وحده، وعلى الثاني: لا يحنث إلا بخروج لا لبس معه.
الخامسة: "إن خرجت بل إن لبست"، ويحتمل هذا التعليق أمرين؛ أحدهما: أن يكون الشرط هو اللبس دون الخروج فيختص الحنث به لأجل الإضراب، والثاني: أن يكون كل منهما شرطًا فيحنث بأيهما وجد، ويكون الإضراب عن الاقتصار، فيكون إضراب اقتصار لا إضراب (^١) إلغاء، كما تقول: "أعطه درهما بل درهمًا آخر".
_________________
(١) من قوله: "الاقُتصار " إلى هنا ساقط من (ق).
[ ١ / ١٠٢ ]
السادسة: "إن خرجت أو إن لبست" فالشرط أحدهما أيهما كان.
السابعة: "إن لبست لكن إن خرجت"، فالشرط الثاني [إن] وقع لغا الأول لأجل الاستدراك بـ "لكن".
الثامنة: أن يدخل الشرطُ على الشرط، ويكون الثاني معطوفًا بالواو، نحو: "إن لبست وإن خرجت"، فهذا يحنث بأحدهما.
فإن قيل: فكيف لم يحنِّثوه في صورة العطف على الفعل وحده إلا بهما، وحنثتموه ها هنا بأيهما كان؟.
قيل: لأنه هناك جعل الشرط مجموعهما، وهنا جعل كل واحد منهما شرطا برأسه، وجعل لهما جوابًا واحدًا، وفيه رأيان؛ أحدهما: أن الجواب لهما جميعًا وهو الصحيح، والثاني: أن جواب أحدهما، حُذِفَ لدلالة المذكور عليه، وهي أخت مسألة الخبر عن المبتدأ بجزءين.
التاسعة: أن يعطف الشرط الثاني بالفاء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ (^١) [البقرة: ٣٨]. فالجواب المذكور جواب الشرط الثاني، وهو وجوابه جواب الأول، فإذا قال: "إن خرجت فإن كلمت أحدًا فأنت طالق"، لم تَطْلق حتى تخرج وتكلم أحدًا.
العاشرة (^٢): وهي أن المسألة التي تكلم فيها الفقهاء دخول الشرط على الشرط بلا عطف، نحو: "إن خرجتِ إن لبستِ"، اختلف أقوالهم فيها، فحن قائل: إن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى، وأنه لا يحنث حتى يتقدم اللبس على الخروج، ومن قائل بل المقدَّم لفظًا هو المقدِّم معنًى، وذكر كلٌّ منهم حُجَجًا لقوله.
_________________
(١) بقية الآية: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ والكلام عليه.
(٢) انظر "الفروق": (١/ ٨١)، وسيعيد المؤلف هذا البحث فيما سيأتي: (٣/ ١٢٣٧).
[ ١ / ١٠٣ ]
(ق/٢٣ أ) وممن نص على المسألة [لبن] الموفَّق (^١) الأندلسي في شرحه (^٢)، فقال: إذا دخل الشرط على الشرط، وأُعيد حرف الشرط، توقّف وقوع الجزاء على وجود الشرط الثاني قبل الأول، كقولك: "إن أكلتِ إن شربتِ فأنت طالق"، فلا تطلق حتى يوجد الشرب منها قبل الأكل؛ لأنه معلق (^٣) على أكلٍّ معلَّقٍ على شربٍ، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق في "المهذب" (^٤)، وحكى ابن شاس في "الجواهر" (^٥). عن أصحاب مالك عكسه، والوجهان لأصحاب الشافعي.
ولابد في المسألة من تفصيل وهو: أَنَّ الشرط الثاني إن كان متأخرًا في الوجود عن الأول؛ كان مقدرًا بالفاء، وتكون الفاء جواب الأول، والجواب المذكور جواب الثاني، (ظ/ ١٧ ب) مثاله: "إن دخلت: المسجد إن صليت فيه فلك أجر"، تقديره: فإن صليت فيه، وحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها، وإن كان الثاني متقدمًا في الوجود على الأول؛ فهو في نية التقدم، وما قبله جوابه، والفاء مقدرة فيه، ومثله قوله ﷿: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، تقديره: إن أراد الله أن يغويكم (^٦)، فإن
_________________
(١) تحرفت في (ق) إلى: "الفرضي".
(٢) أي: شرحه للمفصّل للزمخشري، وتقدم نقل المؤلف عنه ص/ ٩١، وترجمته والتعريف بكتابه.
(٣) (ظ ود) "تعلق".
(٤) (١٠/ ٢١٥ - مع شرحه للعمراني".
(٥) (٢/ ٢٠٧) واسم الكتاب "عِقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة"، ومؤلّفه هو: عبد الله بن نجم بن شاس الجذامي السعدي أبو محمد ت (٦١٦). انظر: "وفيات الأعيان": (٣/ ٦١)، و"السير": (٢٢/ ٩٩).
(٦) "تقديره: إن أراد الله أن يغويكم" سقطت من (ظ ود).
[ ١ / ١٠٤ ]
أردت أن أنصحَ لكم لا ينفعكم نُصْحِي، وتقول: "إن دخلت المسجدَ (^١) إن توضأتَ فصل ركعتين"، تقديره: إن توضأت، فإن دخلت المسجد فصلِّ ركعتين، فالشرط الثاني هنا متقدِّم.
وإذ لم يكن أحدهما متقدمًا في الوجود على الآخر، بل كان محتملًا للتقدم والتأخر؛ لم (^٢) يحكم على أحدهما بتقدم ولا تأخر، بل يكون الحكم راجعًا إلى تقدير المتكلِّم ونيته، فأيهما قدره شرطًا كان الآخر جوابًا له، وكان مقدرًا بالفاء تقدم في اللفظ أو تأخر، وإن لم يظهر نِيَّة ولا تقدير احتمل الأمرين، فمما ظهر فيه تقديم المتأخر، قول الشاعر:
إن تَسْتغيثوا بِنا إنْ تُذْعَرُوا تَجِدوا مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانها الكَرَمُ (^٣)
لأنَّ الاستغاثة لا تكون إلا بعد الذُّعر، ومنه قول ابن دُرَيد (^٤):
فإنْ عَثَرتُ بَعْدها إنْ وألَتْ نَفْسي مِن هَاتَا فقولا لا لَعَا
ومعلوم أن العثور مرة ثانية (^٥) إنما يكون بعد الذُّعر، ومن المحتمل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، يحتمل أن تكون الهبة شرطًا ويكون فعل الإرادة جوابًا له، ويكون التقدير: إن وهبت نفسها للنبي فإن أراد النبي أن يستنكحها فخالصة له، ويحتمل أن تكون
_________________
(١) (ق): "الدار".
(٢) (ق): "للتقديم والتأخير ولم".
(٣) البيت في "الخزانة": (١١/ ٣٥٨) ولا يُعرف قائله.
(٤) ضمن المقصورة، وانظر "المقصورة": (ص/ ٢٠ - مع شرح التبريزي).
(٥) (ق): "العبور الثاني".
[ ١ / ١٠٥ ]
الإرادة شرطًا والهبة جوابًا له، والتقدير: إن أراد النبيُّ أن يستنكحها، فإن وهبت نفسها فهي خالصة له، يحتمل الأمرين، فهذا ما ظهر لي من التفصيل في هذه المسألة وتحقيقها، والله أعلم.