"عليم سميع"، وكذلك: "عزيز حكيم" و"غفور رحيم"، وفي موضع واحد: "رحيم غفور" إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر. وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة، لأنه كلام الحكيم الخبير. وسنقدِّم بين يدي الخوض في هذا الغرض أَصْلًا يقف بك على الطريق الأوضح.
فنقول: ما تقدم من الكلم فتقديمه في اللسان على حسب تقدُّم المعاني في الجَنَان، والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال، فإذا سبق معنى من المعاني إِلى الخَلَد والفِكْر (^١) بأحد هذه الأسباب الخمسة، أو بأكثرها، سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق، وكاد ترتُّب الألفاظ بحسب ذلك، نعم وربما كان ترتُّب الألفاظ بحسب الخفة والثقل، لا بحسب المعنى، كقولهم: "ربيعة ومُضَر"، وكان تقديم "مضر" أولى من جهة الفضل، ولكن آثروا الخفة؛ لأنك لو قدمت "مضر" في اللفظ، كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وُقِف (^٢) عليها بالسكون.
قلت: ومن هذا النحو: "الجن والإنس"، فإن لفظ الإنس أخفّ، لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة، فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وجِمَامه. وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر والأغلب، وسنشير إليها في آخر الفصل (ظ/١٨ أ) إن شاء الله تعالى.
أما ما تقدم بتقدُّم الزمان فكـ "عاد وثمود" و"الظلمات والنور"،
_________________
(١) (ظ ود): "الخفة والثقل" ولا معنى له.
(٢) في الأصول ونسختَي النتائج: "ووقف" وأصلحه محققه كما أثبتْ.
[ ١ / ١٠٧ ]
فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول، وتقدمهما في المحسوس معلوم (^١) بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل، قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] فالجهل (^٢) ظلمة معقولة، وهي متقدمة بالزمان على نور العلم (^٣) ولذلك قال تعالى: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، فهذه ثلاث محسوسات: ظلمة الرَّحِم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة، وثلاث معقولات وهي: عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة؛ إذ (^٤): "لكلِّ آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدٌّ، ولكل حدٍّ (^٥) مطلع" (^٦)، وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ عِبَادَهُ في (ق/٢٤ أ) ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ من نُوْرِه" (^٧).
ومن المتقدِّم بالطبع نحو: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ونحو:
_________________
(١) (ق): "معقول".
(٢) في "النتائج": "وانتفاء العلم".
(٣) (ق): "العلوم"، و"النتائج": "الإدراك".
(٤) ليست في (ق).
(٥) "ولكل حد" سقط من (د).
(٦) جاء هذا القول عن بعض السلف، وروي عن النبي - ﷺ -، انظر ذلك مع شرحه في "الإتقان": (٢/ ٤٨٦)، و"البرهان": (٢/ ١٦٩).
(٧) أخرجه أحمد: (٢/ ١٧٦، ١٩٧)، والترمذي رقم (٢٦٤٢)، وحسَّنه، وابن حبان في "الإحسان": (١٤/ ٤٣)، والحاكم في "المستدرك": (١/ ٣٠) وصححه، وابن أبي عاصم في "السنة": (ص/ ١٠٨)، واللالكائي: (٤/ ٦٠٣)، والآجري في "الشريعة": (٢/ ٧٥٧). كلهم من طريق عبد الله ابن الدَّيْلمي عن عبد الله بن عَمرو به، وسنده صحيح، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي والألباني في "السلسلة" رقم (١٠٧٦).
[ ١ / ١٠٨ ]
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧].
وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدَّم بالطبع، كتقدم الحيوان على الإنسان، والجسم على الحيوان. ومن هذا الباب تقدم "العزيز" على "الحكيم"؛ لأنه عزَّ فلما عزَّ حَكَمَ، وربما كان هذا من تقدُّم السبب على المسبب، ومثله كثير في القرآن، نحو: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأنَّ التوبة سبب الطهارة، وكذلك: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢]؛ لأنَّ الإفك سبب الإثم، وكذلك: ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين: ١٢].
وأما تقدُّم ﴿هَمَّازٍ﴾ على ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] فبالرتبة؛ لأنَّ المشي مرتب على القعود في المكان (^١). والهماز هو: العيَّاب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة.
وأما تقدُّم ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ على: ﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] فبالرتبة أيضًا؛ لأن المناع يمنع من (^٢) نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره، ونفسه [في الرتبة] (^٣) قبل غيره.
ومن المقدَّم بالرتبة قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]؛ لأنَّ الذي يأتي راجلًا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد، على أنَّه قد رُوِي عن ابن عباس أنَّه قال: "وددت أني حججت راجلًا، لأنَّ الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن " (^٤)، فجعله ابن عباس من باب تقدُّم
_________________
(١) (ق): "الكلام".
(٢) "النتائج": "خير".
(٣) من "النتائج".
(٤) قال السيوطي في "الدر المنثور": (٤/ ٦٣٩): "وأخرج ابن أبي شيبة، وابن سعد، =
[ ١ / ١٠٩ ]
الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان. وربما قُدِّم الشيء لثلاثة معانٍ وأربعة وخمسة، وربما قدم لمعنًى واحد من الخمسة.
ومما (^١) قدم للفضل والشرف: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، ومنه تقديم "السمع" على "البصر" (^٢)، و"سميع" على "بصير"، ومنه تقديم "الجن" على "الإنس" في أكثر المواضع؛ لأن الجنّ تشتمل على الملائكة وغيرهم مما اجْتَنَّ عن الأبصار قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وقال الأعشى (^٣):
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملائِكِ سَبْعَةً (^٤) قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُوْنَ بِلا أَجْرِ
وأما قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] وقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن: ٥] فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال؛ لنزاهتهم عن العيوب، وأنهم لا يُتَوهم عليهم الكذب، ولا سائر الذنوب؛ فلما لم يتناولهم عموم لفظ الجنِّ (^٥)
_________________
(١) = وعَبْد بن حُميد، وابن جرير: (٩/ ١٣٥ - ١٣٦)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم: (٨/ ٢٤٨٨)، والبيهقي: (٤/ ٣٣١)، عن ابن عباسٍ - ﵄ - قال: "ما آسى على شيءٍ فاتني إلا أني لم أحج ماشيّا حتى أدركني الكِبَر، أسمع الله تعالى يقول: "يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر" فبدأ بالرجال قبل الركبان".
(٢) (ق ود): "ربما".
(٣) (ظ ود): "السميع علي البصير".
(٤) ليس في "ديوانه"، وذكره ابن منظور في "اللسان": (١٣/ ٩٨).
(٥) في الأصول: "شِيعةً"، وفي "اللسان": "تسعة".
(٦) من (ق).
[ ١ / ١١٠ ]
لهذه القرينة بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم.
وأما تقديم "السماء" على "الأرض"؛ فبالرتبة -أيضًا- وبالفضل والشرف.
وأما تقديم "الأرض" في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١]؛ فبالرتبة -أيضًا- لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه، وهم المخاطبون بقوله: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ [يونس: ٦١]؛ فاقتضى حُسْن النظم تقديمها مَرْتبةً في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها، بخلاف الآية التي في "سبأ"، فإنها منتظمة بقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣].
وأمَّا تقديم "المال" على "الولد" في كثير من الآي؛ فلأن الولدَ بعد وجودِ المالِ نعمةٌ ومسرَّةٌ، وعند الفقر (ق/ ٢٤ ب) وسوء الحال همٌّ ومضرَّة، فهذا من باب تقديم السبب على المسبب؛ لأنَّ المال سبب تمام النعمة بالولد.
وأما قوله: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] فتقديم النساء على البنين بالسبب، وتقديم [البنين] على [الأموال] بالرتبة (^١).
ومما تقدَّم بالرتبة ذكر "السمع والعلم" حيث وقع، فإنَّه خبر يتضمَّن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلُّقه بما قرب كالأصوات (ظ/١٨ ب) وهمس الحركات؛ فإن من سمع حِسَّك وخَفيَّ صوتك أقربُ إليك - في العادة - ممن يقال لك: إنه يعلم، وإن كان علمه
_________________
(١) في الأصول: "وتقديم الأموال على البنين بالرتبة"، والتصويب من "النتائج".
[ ١ / ١١١ ]
تعالى متعلقًا بما ظهر وبطن، وواقعًا على ما قَرُب وشَطَن، ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم؛ فهو أولى بالتقديم.
وأما تقديم "الغفور" على "الرحيم"؛ فهو أولى بالطبع (^١)؛ لأنَّ المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة تُطْلب قبل الغنيمة. وفي الحديث أن النبي - ﷺ - قال لعَمْرو بن العاص: "أَبْعَثُكَ وَجْهًا يُسَلِّمُكَ اللهُ فِيْهِ وَيُغَنِّمُكَ وَأَزْعَبُ لَكَ زَعْبَةً مِنَ المَالِ" (^٢)، فهذا من الترتيب البديع، بدأ بالسلامة قبل الغنيمة، وبالغنيمة قبل الكسب.
وأما قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢] في سبأ فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة، فإِمَّا بالفضل والكمال، وإما بالطبع؛ لأنها منتظمة بذكر أصناف (^٣) الخلق من المكلّفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصُّهم، والعموم بالطبع قبل الخصوص، كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وكقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].
_________________
(١) (ق): "بالتقديم بالطبع".
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٩٧ و٢٠٢)، والبخاري في "الأدب المفرد": (ص/٩٧)، وابن حبّان "الإحسان": (٨/ ٧)، والحاكم: (٢/ ٢٣٦) وغيرهم. كلهم من طرقٍ عن موسى بن عُلَيّ بن رباح عن أبيه عن عَمْرو بن العاص به. والحديث صححه الحاكم وابن حبان، والذهبي والألباني في "صحيح الأدب المفرد" رقم ٢٢٩. ووقع في الأصول، وبعض مطبوعات كتب السنة: "أرغب لك رغبة" بالراء والغين، والصواب: "أزْعب لك زَعْبة" بالزاي والعين. والمعنى: أعطيك دفعة من المال. وأصل الزَّعب: الدَّفع والقَسْم، انظر: "النهاية" (٢/ ٣٠٢) لابن الأثير.
(٣) "النتائج": "أوصاف".
[ ١ / ١١٢ ]
ومما قدم بالفضل قوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ لأنَّ السجودَ أفضل، و"أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (^١).
فإن قيل: فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة؛ لأنه انتقال من علوٍّ إلى انخفاض، والعلوُّ بالطبع قبل الانخفاض، فهلَّا قُدِّم الركوع؟
فالجواب: أن يقال: انتبه لمعنى الآية من قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: اسجدي مع الساجدين، فإنما عبَّر بالسجود عن الصلاة، وأراد صلاتها في بيتها؛ لأنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها، ثمَّ قال لها: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أي: صَلِّي مع المصلين في بيت المقدس.
ولم يُرِد -أيضًا- الركوع وحده دون سائر (^٢) أجزاء الصلاة، ولكنه عبَّر بالركوع عن الصلاة كلِّها (^٣)، كما تقول: "ركعت ركعتين، وأربع ركعات"، تريدُ الصلاةَ لا الركوعَ بمجرده، فصارت الآية متضمنةً لصلاتين: صلاتها وحدها عبَّر عنها بالسجود؛ لأنَّ السجودَ أفضل حالات العبد، وكذلك صلاةُ المرأة في بيتها أفضل لها. ثمَّ صلاتها في المسجد عبَّر عنها بالركوع؛ لأنه في الفضل دون السجود، وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها، وهذا نَظْم بديع، وفقه دقيق، وهذه نُبَذٌ تشير لك إلى ما وراء، أَو تنبذك وأنت صحيحٌ بالعَرَاء (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٤٨٢)، وأبو داود رقم (٨٧٥)، والنسائي: (٢/ ٢٢٦) وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) من (ق) و"النتائج".
(٣) من (ق) و"النتائج".
(٤) تحرفت هذه الجملة في (ظ) و"النتائج".
[ ١ / ١١٣ ]
قالوا (^١): ومما يليق (^٢) ذكره بهذا الباب قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] بدأ بالطائفين للرتبةِ والقربِ من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوَّافين، وجمعهم جَمْعَ السلامة؛ لأنَّ جمع السلامة أدلُّ على لفظ الفعل الذي هو علة يُعلَّق بها حكم التطهير، ولو كان مكان (لِلطَّائِفِينَ): الطُّوَّاف؛ لم يكن في هذا اللفظ من بيان قَصْد (^٣) الفعل ما في قوله (لِلطَّائِفِينَ)، ألا ترى أنك تقول: "يَطوفون"، كما تقول: "طائفون"، فاللفظان متشابهان.
فإن قيل: فهلَّا أُتيَ بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين، فيقول: "وطهر بيتي للذين يطوفون"؟.
قيل: إن الحكم مُعَلَّل بالفعل لا بذوات الأشخاص، ولفظ "الذين" يُنْبئ عن الشخص والذات، ولفظ "الطُّوَّاف" يُخْفِي معنى الفعل ولا يبينه، فكان لفظ [الطائفين] (^٤) أولى بهذا الموطن.
ثمَّ يليه في الترتيب (وَالْقَائِمِينَ)؛ لأنه في معنى (العاكفين)، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: مُثابرًا ملازمًا، وهو كالطائفين في تعلُّق حكم التطهير به، ثمَّ يليه بالرتبة لفظ [الرُّكَّع] (^٥)؛ لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصُّون بما قَرُب منه كالطائفين والعاكفين، ولذلك لم يتعلَّق حكم التطهير
_________________
(١) ليست في (ق). وانظر "النتائج": (ص/٢٧٣).
(٢) من (ق) و"النتائج".
(٣) (ق): "فضل"، و"النتائج": "قول"!.
(٤) (ظ وق): "الظاهر" والمثبت من "النتائج".
(٥) (ظ وق): "الراكع" والمثبت من "النتائج".
[ ١ / ١١٤ ]
بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه (^١) لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده، فلذلك لم يجئ بلفظ الجمع المسلَّم؛ إِذ لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل، كما احتيج فيما قبله.
ثمَّ وصَفَ ﴿الرُّكَّعِ﴾ بالسجود، ولم يُعْطَف بالواو كما عطف ما قبله؛ لأنَّ ﴿الرُّكَّعِ﴾ هم ﴿السُّجُودِ﴾، والشيءُ لا يُعْطَف بالواوِ على نفسه؛ ولفائدةٍ أُخرى: وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر، والمراد به هاهنا الجمع، فلو عطف بالواو لتُوُهِّم أنَّه يريد السجودَ الذي هو المصدر دود الاسم الذي هو النعت؛ وفائدةٍ ثالثة: أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة (ظ/١٩ أ)؛ فلو عطفت هاهنا بالواو لتُوُهِّمَ أن الركوعَ حكم يجري على حِيَالِه.
فإن قيل: فلم قال: "السجود" على وزد "فُعُول"، ولم يقل السُّجَّد كالرُّكَّع، وفي آية أخرى: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وَلمَ جُمِع "ساجد" على "سجود"، ولم يُجْمع "راكع" على "ركوع".
فالجواب: أن السجود في الأصل مصدرٌ كالخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: "السُّجَّد" في جمع "ساجد" لم يتناول إلا المعنى الظاهر. وكذلك "الرُّكَّع" ألا تراه يقول: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] وهذه رؤية العين، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر، والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قيله مما يُراد به قصد (^٢) البيت، والبيت لا يُتَوجه إليه إلا بالعمل الظاهر.
وأما الخشوع والخضوع الذي يتناوله لفظ "الركوع" دون لفظ
_________________
(١) (ق): "لهذا".
(٢) (ق): "فضل".
[ ١ / ١١٥ ]
"الرُّكَّع" فليس مشروطًا بالتوجه إلى البيت.
وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن، جُعِل وصفًا "للركع" ومتممًا لمعناه؛ إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول (ق/٢٥ ب) لفظه أيضًا السجود الظاهر الذي يُشترط فيه التوجه إلى البيت، حَسُن انتظامه -أيضًا- بما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذين ذكرهم بذكر البيت، فمن لَحَظَ هذه المعاني بقلبه، وتدبَّر هذا النظمَ البديع بِلُبِّه؛ ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد، وأبصرَ بعينِ اليقين أنَّه تنزيلٌ من حكيم حميد" تم كلامه - ﵀ -.
قلت (^١): وقد تولَّج - ﵀ - مضايق تضايق عنها أَن تولجها الإِبَر، وأتى بأشياءَ حسنة، وبأشياء غيرُها أحسن منها.
فأما تعليلُه تقديمَ ربيعة على مضر؛ ففي غاية الحُسْن، وهذان الاسمان لتلازمهما في الغالب صارا كاسم واحد، فحَسُنَ فيهما ما ذكره.
وأما (^٢) ما ذكره في تقديم الجنِّ على الإنس من شَرَف الجن؛ فمُسْتَدْرَك عليه، فإن الإنس أشرف من الجن من وجوه عديدة قد ذكرناها في غير هذا الموضع.
وأما قوله: إن الملائكة منهم و(^٣) هم أشرف، فالمقدمتان ممنوعتان.
أَما الأولى: فلأن أصل الملائكة ومادتهم التي خُلِقوا منها هي:
_________________
(١) ليست في (ق)، والكلام لابن القيم تعليقًا على كلام السهيلي.
(٢) من قوله: "ففي غاية " إلى هنا ساقط من (ق).
(٣) (ظ): "أو".
[ ١ / ١١٦ ]
النور، كما ثبت ذلك مرفوعًا عن النبي - ﷺ - في "صحيح مسلم" (^١)، وأما الجانُّ فمادتهم النار بنص القرآن، ولا يصح التفريق بين الجن والجان لغة ولا شرعًا ولا عقلًا.
وأما المقدمة الثانية: وهي كون الملائكة خيرًا وأشرف من الإنس؛ فهي المسألة المشهورة وهي تفضيل الملائكة أو البشر (^٢)، والجمهور على تفضيل البشر، والذين فضَّلوا الملائكة هم المعتزلة والفلاسفة وطائفة ممن عداهم، بل الذي ينبغي أن يقال في التقديم هنا: إنه تقديمٌ بالزمان لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧].
وأما تقديم الإنس على الجنِّ في قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]؛ فلِحِكْمة أخرى سوى ما ذكره، وهو: أن النفي تابع لما تعقله القلوب من الإثبات فيَرِد النفي عليه، وعلم النفوس بطَمْث الإنس ونُفرتها ممن طمثها الرجال هو المعروف، فجاء النفي على مقتضى ذلك، وكان تقديم الإنس في هذا النفي أهمّ.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن: ٥] فهذا يُعرَف سره من السياق، فإن هذا حكايةُ كلام مؤمني الجن حين سماع القرآن، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾ [الجن: ١ - ١٥].
_________________
(١) رقم (٢٩٩٦) من حديث عائشة - ﵂-.
(٢) انظر: "طريق الهجرتين": (ص/ ٤١١)، وهذا الكتاب: (٣/ ١١٠٤)، و"مجموع الفتاوى": (٤/ ٣٥)، و"فتح الباري": (١٣/ ٣٨٦)، وانظر كتاب: "مباحث. المفاضلة في العقيدة": (ص/ ٣٥٤).
[ ١ / ١١٧ ]
وكان القرآن أول (^١) ما خُوطِب به الإنس، ونزل على نبيهم، وهم أول من بدأ بالتصديق والتكذيب قبل الجن، فجاء قول مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن: ٥] بتقديم الإنس لتقدُّمهم في الخطاب بالقرآن، وتقدّمهم بالتصديق والتكذيب.
وفائدة ثالثة (^٢): وهي أن هذا حكاية كلام مؤمني الجن لقومهم (^٣) بعد أن رجعوا إليهم، فأخبروهم بما سمعوا من القرآن وعَظَمته وهدايته إلى الرشد، ثمَّ اعتذروا عما كانوا يعتقدونه أولًا بخلاف (ق/٢٦ أ) ما سمعوه من الرشد، بأنهم لم يكونوا يظنون أن الإنس والجن لم يقولوا (^٤) على الله كذبًا، فَذِكْرهم (ظ/١٩ ب) الإنس هنا في التقديم، أحسن في الدعوة وأبلغ في عدم التُّهمة، فإنهم خالفوا ما كانوا يسمعونه من الإنس والجن لما تبيَّن لهم كذبهم (^٥)، فبداءتُهم بذكر الإنس أبلغ في نفي الغَرَض والتهمة، وأنه لا يَظُن بهم قومهم أنهم ظاهروا الإنسَ عليهم، فإنهم أول ما أقرُّوا بتقوُّلهم الكذبَ على الله. وهذا من ألطف المعاني وأدقها، ومن تأمل مواقعه في الخطاب عرف صحَّتَه.
وأما تقديم عاد على ثمود حيثُ وقَعَ في القرآن؛ فما ذكره من تقدمهم بالزمان؛ فصحيح، وكذلك الظلمات والنور، وكذلك مَثْنى وبابه.
_________________
(١) (ق): "أولى".
(٢) (ق): "ثانية".
(٣) ليست في (ق).
(٤) (ظ): "يقولون".
(٥) (ق): "كذبه".
[ ١ / ١١٨ ]
وأما تقديم "العزيز" على "الحكيم" فإن كان من الحكم وهو الفصل والأمر؛ فما ذكره من المعنى صحيح، وإن كان من الحِكْمة، وهي كمال العلم والإرادة المتضمِّنَيْنِ اتساقَ صُنعه وجَرَيانه على أحسنِ الوجوه وأكملها، ووضعه الأشياء مواضعها، وهو الظاهر من هذا الاسم، فيكون وجه التقديم: أن العزَّة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم، وهو سبحانه الموصوف من كل صفةِ كمالٍ بأكملها وأعظمها وغايتها، فقدَّم وصفَ القدرة؛ لأنَّ متعلَّقه أقرب إلى مشاهدة الخلق وهو مفعولاته تعالى وآياته. وأما الحكمة فمتعلّقها يُعْلم (^١) بالنظر والفكر والاعتبار غالبًا وكانت متأخرة عن متعلق القدرة.
ووجهٌ ثان: أن (^٢) النظر في الحكمة بعد النظر في المفعول والعلم به، فينتقل منه إلى النظر فيما أودعه (^٣) من الحكم والمعاني.
ووجهٌ ثالث: أن الحكمة (^٤) غاية الفعل، فهي متأخرة عنه تأَخُّر الغايات عن وسائلها، فالقدرة تتعلق بإيجاده، والحكمة تتعلّق بغايته، فقدَّم الوسيلة على الغاية؛ لأنها أسبق في الترتيب الخارجي.
وأما قوله تعالى: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ففيه معنى آخر سوى ما ذكره، وهو أنَّ الطُّهر طُهْران: طُهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطُهر بالتوبة من الشرك والمعاصي، وهذا الطهور أصل لطهور الماء، وطهور الماء لا ينفع بدونه، بل هو مُكمِّل له معد مُهَيِّئ بحصوله، فكان أولى بالتقديم؛ لأنَّ العبد أول ما يدخل
_________________
(١) ليست في (ظ).
(٢) (ق): "ووجه بأن".
(٣) (ق): "ادعاه".
(٤) (ظ): "الكلمة".
[ ١ / ١١٩ ]
في الإِسلام فقد تطهَّر بالتوبة من الشرك، ثمَّ يتطهر بالماء من الحدث.
وأما قوله: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢]؛ فالإفك هو: الكذب وهو في القول، والإثم هو: الفجور وهو في الفعل. والكذب يدعو إلى الفجور كما في الحديث الصحيح: "إِنَّ الكَذِبَ يَدْعُو إِلى الفُجُوْرِ وَإِنَّ الفُجُوْرَ يَدْعُو إِلى النَّارِ" (^١)؛ فالذي قاله صحيح.
وأَمَّا ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ففيه معنىً ثان غير ما ذكره، وهو: أَنَّ العدوان مجاوزة الحد الذي حُدَّ للعبد، فهو ظلم في القدر والوصف، وأما الإثم فهو: محرَّم الجنس، ومن تعاطَى تعدِّي الحدود تخطى إلى الجنس الآخر، وهو الإثم.
ومعنىً ثالث: وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله عدوانًا عليهم، والأثيم الظالم لنفسه بالفجور، فكان تقديمه هنا على الأثيم (^٢) أولى؛ لأنه في سياق ذَمِّه (ق/٢٦ ب) والنهي عن طاعته، فمن كان معتديًا على العباد ظالمًا لهم؛ فهو أحرى بأن لا تطيعه وتوافقه.
وفيه معنىً رابع: وهو أنَّه قدَّمه على الأثيم ليقترن بما قبله، وهو وصف المنع للخير، فوصفه بأنه لا خير فيه للناس، وأنه مع ذلك معتدٍ عليهم، فهو متأخِّر عن المنَّاع؛ لأنه يمنع خيره أوَّلًا ثمَّ يعتدي عليهم ثانيًا، ولهذا يحمد الناسُ من يُوجِد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى، وهذا هو حقيقة التصوف (^٣)، وهذا لا راحة يُوجِدها ولا أذى يكفُّه.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٠٩٤)، ومسلم رقم (٢٦٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٢) (ق): "الاسم"!.
(٣) انظر "مدارج السالكين": (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥).
[ ١ / ١٢٠ ]
وأما تقديم ﴿هَمَّازٍ﴾ على ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾؛ ففيه معنىً آخر غير ما ذكره، وهو أن همزه عَيْب للمهموزِ، وإِزراء به (^١)، وإظهارٌ لفسادِ حاله في نفسه، وهذه قالة (^٢) تختص المهموز لا تتعدَّاه إلى غيره، والمشي بالنميمة يتعدَّاه إلى من ينم عنده، فهو ضرر متعدٍّ، والهمز ضررهُ لازم للمهموز إذا شعر به؛ فانتقل (^٣) من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدِّي المنتشر.
وأما تقديم الرجال على الرُّكبان؛ ففيه فائدة جليلة، وهي: أَنَّ الله تعالى شَرَط في الحج الاستطاعة، ولابدَّ من السفر إليه لغالب الناس، فذكر نوعَي الحُجَّاج لقطع توهُّم من يظن أنَّه لا يجب إلا على راكب، وقدَّم الرجال اهتمامًا بهذا المعنى وتأكيدًا، ومن الناس من يقول: قدَّمهم جبرًا لهم؛ لأن نفوسَ الركبان تزدَرِيهم وتوبِّخهم (^٤)، وتقول: إن الله (ظ/ ٢٠ أ) لم يكتبه عليكم ولم يُرِدْه منكم، وربما توهَّموا أنَّه غير نافع لهم، فبدأ بهم جبرًا لهم ورحمة.
وأما تقديم غسل الوجه، ثمَّ اليد، ثمَّ مسح الرأس، ثمَّ الرجلين في الوضوء؛ فمن يقول: إن هذا الترتيب واجب وهو: الشافعي وأحمد ومن وافقهما، فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبًا لقرائن عديدة:
أحدها: أنَّه أدخل ممسوحًا بين مغسولين، وقطع النظير عن نظيره، ولو أُرِيد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات مُتَّسِقة في النظم، والممسوح بعدها، فلما عدل إلى ذلك؛ دلّ على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله تعالى.
_________________
(١) في (ق) زيادة مقحمة لا وجه لها، هي: "فهو ضرر متعدّ".
(٢) (ق): "وهذه حالة".
(٣) (ظ): "ما ينقل".
(٤) كذا رسمها في (ظ)، وفي (ق): "وتومهم".
[ ١ / ١٢١ ]
الثاني: أن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو الوضوء، فدخلت الواو عاطفة لأجزائه بعضها على بعض، والفعل الواحد لابدَّ (^١) من ارتباط أجزائه بعضها ببعض، فدخلت الواو بين الأجزاء للربط، فأفادت الترتيبَ، إذ هو الربط المذكور في الآية، ولا يلزم من كونها لا تفيد الترتيب بين أفعال لا ارتباط بينها، نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أن لا تفيده بين أجزاءِ فعلٍ مرتبطة بعضها ببعض. فتأمل هذا الموضع ولطفه، وهذا أحد الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب، وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه، وهو قول ابن أبي موسى (^٢) من أصحاب أحمد، ولعله أرجح الأقوال.
الثالث: أن لبداءة الرَّب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء (^٣) خاصة؛ فيجبُ مراعاتها، وأَن لا تُلغى وتُهدر (ق/ ٢٧ أ) فيُهْدَر ما اعتبره الله ويُؤخَّر ما قدَّمه الله، وقد أشار النبيُّ - ﷺ - إلى أن ما قدَّمه الله؛ فإنَّه ينبغي تقديمه ولا يؤخَّر، بل يُقدم ما قدم الله ويؤخر ما أخر (^٤)، فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا، وقال: "نَبْدَأُ بمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (^٥)، وفي رواية للنسائي: "ابْدَؤوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (^٦) على الأمر، فتأمل
_________________
(١) ساقطة من (ظ)، وفي المطبوعة: "يحصل".
(٢) هو: محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي القاضي الحنبلي، ت (٤٢٨)، له تصانيف. انظر: "طبقات الحنابلة": (٣/ ٣٣٥).
(٣) "دون سائر الأعضاء": ساقط من (ق).
(٤) العبارة في (ظ): "بل يقدم ما قدمه الله ويؤخر، فلما"!.
(٥) أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) من حديث جابر - ﵁ - في حجة الوداع.
(٦) "السنن": (٥/ ٢٣٦)، وأخرجه -أيضًا- الإمام أحمد في "المسند": (٣/ ٣٩٤)، والدارقطني: (٢/ ٢٥٤)، والبيهقيُّ في "الكبرى": (١/ ٨٥)، من حديث جابر -أيضًا- وصححه ابن حزم والنووي.
[ ١ / ١٢٢ ]