لأنَّ الساعة إنَّما تأتي من قبلها وهي غيب فيها، ومن جهتها تبتدئ وتنشأ، ولهذا قدَّم صَعْق أهل السموات على أهل الأرض عندها، فقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونُس (^١)؛ فإنَّه لما كان السِّياقُ سِياقَ تحذيرٍ وتهديدٍ للبشر، وإعلامهم أنَّه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقِهَا وجليلها، وأنه لا يغيب عنه منها شيءٌ؛ اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء.
فتبارك من أودع كلامَه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنَّه كلام الله! وأن مخلوقًا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الكلام أبدًا!!.
* وأمَّا تقديم المال على الولد؛ فلم يَطَّرد في القرآن، بل قد جاء مقدَّمًا كذلك في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ [سبأ: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ (ق/ ٢٩ أ) وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] وجاء ذكر البنين (ظ/ ٢١ ب) مقدَّمًا كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ [التوبة: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤].
فأمَّا تقديم الأموال في تلك المواضع الثلاثة؛ فلأنَّها ينتظمها معنىً واحد، وهو التحذير من الاشتغال بها، والحرص على تحصيلها حتَّى
_________________
(١) (ظ): "يس"! والآية في سورة يونس رقم (٦١): ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
[ ١ / ١٣١ ]
يفوته حظُّه من الله والدَّار الآخرة، فنهى في موضعٍ عن الالتهاء بها، وأخبر في موضعٍ أَنَّها فتنة، وأخبر في موضع آخر أَنّ الذي يقرِّب عباده إليه إيمانهم وعملهم الصالح، لا أموالهم ولا أولادهم، ففي ضِمْن هذا النَّهْي عن الاشتغال بها عما يُقرِّب إليه، ومعلومٌ أَنَّ اشتغال الناس بأموالهم، والتباهي (^١) بها أعظم من اشتغالهم بأولادهم، وهذا هو الواقع، حتَّى إنَّ الرجلَ ليستغرقه اشتغاله بماله؛ عن مصلحةِ ولده وعن معاشرتِهِ وقربِهِ.
وأما تقديمهم على الأموال في تَيْنك الآيتين؛ فلحكمةٍ باهرة وهي: أَنَّ آية (^٢) براءة متضمِّنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها أحب إليه من الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أنَّ تصوُّر المجاهد فراقه أهله، وأولاده، وآبائه، وإخوانه، وعشيرته، يمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقة ماله، فإن تصوَّر مع هذا أن يُقتل فيفارقهم فراقَ الدَّهر، نفرت نفسُه عن هذه (^٣) أكثرَ وأكثرَ، ولا يكاد عند هذا التصوُّر يخطر له مفارقة ماله، بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال! فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال.
وتأمُّل هذا الترتيبِ البديع في تقديم ما قدَّم وتأخير ما أخَّر؛ يُطلعك على عظمةِ هذا الكلام وجلالته.
فبدأ أولًا بذكر أصول العبد، وهم آباؤه المتقدِّمون طبعًا وشرفًا ورتبة، وكان فخرُ القوم بآبائهم ومحاماتهم عنهم أكثر من محاماتهم
_________________
(١) (ق): "والتهاؤهم".
(٢) ليست في (ظ).
(٣) (ق): "هذه الفرقة".
[ ١ / ١٣٢ ]
عن أنفسهم وأموالهم، وحتَّى عن أبنائهم، ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احْتَملوا القتل وسَبْيَ الذُّرِّية، ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة، ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم.
ثمَّ ذَكَر الفروع؛ وهم الأبناء لأنَّهم يَلُونهم في الرُّتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم، وأعلق بقلوبهم (^١)، وألصق بأكبادهم من الإخوان والعشيرة.
ثمَّ ذكر الإخوان، وهم الكلالة وحواشي النَّسب.
فَذَكَر الأصول أولًا، ثمَّ الفروع ثانيًا، ثم النُّظراء ثالثًا، ثمَّ الأزواج رابعًا؛ لأنَّ الزوجة أجنبية عنده، ويمكن أن يتعوَّض عنها بغيرها، وهي إنما تُرَادُ للشَّهوة، وأما الأقارب؛ من (^٢) الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويُرادون للنُّصْرة والدفاع، وذلك مقدَّم على مجرَّد الشهوة.
ثمَّ ذَكَر القرابة البعيدة خامسًا، وهي العشيرة وبنو العم، فإن عشائرهم (ق/٢٩ ب) كانوا بني عمِّهم غالبًا، وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير.
ثمَّ انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسًا، ووصفها يكونها مُقْترفة، أي: مُكْتَسَبَة؛ لأنَّ القلوبَ إلى ما اكتسبته من المال أمْيَل، وله أحَب، وبقدره أعْرَف لما حصل له فيه من التَّعب والمشقة، بخلاف مالٍ جاءه عَفْوًا بلا كسبٍ (^٣)؛ من ميراثٍ أو هبة أو وصية،
_________________
(١) "وأعلق بقلوبهم" ساقطة من (ق).
(٢) (ق): "و".
(٣) (ق): "مشقة كسب".
[ ١ / ١٣٣ ]
فإنَّ حِفْظه للأوَّل، ومراعاته له، وحرصه على بقائه أعظم من الثاني، والحسُّ شاهد بهذا وحسبك به.
ثمَّ ذكر التجارة سابعًا؛ لأنّ محبةَ العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها، فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقْتَرَف، فقدَّم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها، ثمَّ وصف التجارة بكونها مما يُخشى كَسَادُها، وهذا يدلُّ على شرفها وخطرها، وأَنه قد بلغ قدرها إلى أَنها مَخُوْفة الكساد.
ثمَّ ذكر الأوطان ثامنًا آخر المراتب؛ لأنَّ تعلُّق القلب بها دون تعلُّقه بسائر ما تقدَّم، فإن الأوطان [تتشابه] (^١)، وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأوَّل من كل وجه، ويكون خيرًا منه، فمنها عِوَض.
وأمَّا الآباء والأبناء والأقارب والعشائر [والأموال] (^٢)، فلا يتعوَّض منها بغيرها، فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأوّل؛ فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم، فمحبة الوطن آخر المراتب، وهذا هو الواقع إلا لعارض (^٣) يترجَّح عنده إيثار البعيد على القريب، فذلك جزئي لا كلِّي، فلا تناقض به. وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع.
وأما آية (آل عمران)؛ فإنَّها لما كانت في سياق الإخبار بما زُيِّن للناس من الشَّهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها، قدَّم ما تَعَلُّق الشهوة به أقوى، والنفس إليه أشدّ سُعرًا (^٤) (ظ/٢٢ أ) وهو
_________________
(١) (ق وظ): "متشابه" والصواب ما أثبت.
(٢) من (ق).
(٣) (ق): "لمعارض".
(٤) (ق): "والنفس أشد إليه سفرًا".
[ ١ / ١٣٤ ]
النساء، التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا، وهن القيود التي حالت بين العباد وبين سيرهم إلى الله.
ثمَّ ذكر البنين المتولِّدين منهنَّ، فالإنسان يشتهي المرأة للذة والولد، وكلاهما مقصود له لذاته.
ثم ذكر شهوة الأموال؛ لأنها تُقْصَد لغيرها، فشهوتها شهوة الوسائل، وقدَّم أشرف أنواعها وهو الذهب، ثمَّ الفضة بعده.
ثمَّ ذكر الشهوة المتعلِّقة بالحيوان الذي لا يُعَاشَر عشرة النساء والأولاد، فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بهما، وقدَّم أشرف هذا النوع وهو (الخيل) فإنها حصون القوم ومعاقلهم، وعِزُّهم وشرفهم، فقدمها على الأنعام التي هى الإبل والبقر والغنم.
ثمَّ ذكر الأنعام وقدَّمها على الحرث؛ لأنَّ الجمالَ بها والانتفاعَ أظهرُ وأكثرُ من الحرث، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] والانتفاع بها أكثر من الحرث، فإنها يُنتفع بها؛ ركوبًا وأكلًا وشربًا ولباسًا وأمتعة (ق/٣٠ أ) وأسلحة ودواء وقُنْية، إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع. وأيضًا فصاحبها أعزّ من صاحب الحرث وأشرف، وهذا هو الواقع، فإن صاحب الحرث لابدَّ له من نوع مَذَلَّة، ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سِكَّة: ما دخل هذا دارَ قومٍ إلا دخلهم الذُّلُّ، فجَعَلَ الحرثَ في آخر المراتب، وضعًا له في موضعه.
ويتعلَّقُ بهذا نوع آخر من التقديم لم يَذْكُرْه، وهو تقديم الأموال على الأنفس في الجهاد حيث وقع في القرآن، إلا في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
[ ١ / ١٣٥ ]
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١].
وأمَّا سائر المواضع فَقَدَّم فيها المال، نحو قوله تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٠] وهو كثير. فما الحكمة في تقديم المال على النفس؟ وما الحكمة في تأخيره في هذا الموضع وحده؟.
وهذا لم يتعرض له السُّهيلي - ﵀ -، فيقال:
أولًا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس، فإذا دَهَمَ العدوُّ؛ وجبَ على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزًا؛ وجبَ عليه أن يغزي (^١) بماله، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، والأدلَّة عليها أكثر من أَنْ تُذْكَر هنا.
ومن تأمَّل أحوالَ النبيِّ - ﷺ - وسيرته في أصحابه وأمرهم بإخراج أموالهم في الجهاد؛ قَطَعَ بصحَّة هذا القول.
والمقصود تقديم المال في الذكر، وأن ذلك مشعر بإنكارِ وَهْم من يتوهَّم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرًا على أن يغزي بماله لا يجب عليه شيء، فحيث ذكر الجهاد قدم ذكر المال، فكيف يقال: لا يجب به!.
ولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس؛ لكان هذا القول أصح من قول من قال: لا يجب بالمال، وهذا بَيِّن، وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذِّكْر.
وفائدة ثانية: -على تقدير عدم الوجوب- وهي: أَنَّ المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله، وترتكب الأخطار،
_________________
(١) (ظ ود): "يكتري".
[ ١ / ١٣٦ ]
وتتعرَّض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنَّه هو (^١) محبوبها ومعشوقها، فندب الله تعالى محبِّيه المجاهدين في سبيله إلى بَذْل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته، فإنَّ المقصود أن يكون الله هو أحبّ شيءٍ إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحبّ إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبَهم في حبه؛ نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها وهي: بَذْل نفوسهم له، فهذا غاية الحبّ، فإنّ الإنسان لا شيءَ أحبّ إليه من نفسه، فإذا أحبّ شيئًا بذل له محبوبَه من نفعِه ومالِه، فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضَنَّ بنفسه وآثرها على محبوبه، هذا هو الغالب، وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية. ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده (^٢)، فإذا أحسَّ بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه (ق/٣٠ ب) فرَّ وتركهم، فلم يرضَ اللهُ من مُحبِّيه بهذا، بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتها.
وأيضًا فبذل النفس آخر المراتب، فإنَّ العبدَ يبذل ماله أولًا يقي به نفسَه، فإذا لم يبق له مال بذل نفسه، فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقًا للواقع.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]؛ فكان تقديم الأنفس (ظ/ ٢٢ ب) هو الأولى؛ لأنها هي المشتراة بالحقيقة، وهي مورد العقد، وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه، وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنَّتَه، فكانت هي المقصود بعَقْد الشراء، والأموال تبعٌ لها، فإذا مَلَكها مشتريها مَلَك مالَها، فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه
_________________
(١) ليست في (ق).
(٢) (ق): "عن نفسه وماله وولده".
[ ١ / ١٣٧ ]
شيءٌ، فالمالك الحقُّ إذا مَلَك النفس مَلَك أموالَها ومتعلَّقاتها، فَحَسُنَ تقديم النفس على المال في هذه الآية حُسْنًا لا مزيدَ عليه.
* فلنرجع إلى كلام السهيلي (^١) -﵀-: وأما ما ذكره من تقديم "الغفور" على "الرحيم"؛ فحسنٌ جدًّا، وأما تقديم "الرحيم" على "الغفور" في موضع واحد، وهو أول (سبأ)؛ ففيه معنىً غير ما ذكره يظهر لمن (^٢) تأمَّل سياقَ أوصافه العُلى وأسمائه الحسنى في أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]، فإنَّه ابتدأ -سبحانه- السورةَ يحمده الذي هو أَعمُّ المعارف وأوسع العلوم، وهو متضمِّن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله مُسْتلزم لها، كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره، فهو المحمود على كلِّ حالة، وعلى كلِّ ما خلقه وشرعه، ثمَّ عقَّب هذا الحمد بملكه الواسع المديد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١]، ثمَّ عقَّبه بأنّ هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدًا، فإنَّه حَمْد يستحقّه لذاته وكمال أوصافه، وما يستحقه لذاته؛ دائم بدوامه لا يزول أبدًا، وقرن بين الملك والحمد على عادته -تعالى- في كلامه، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكلِّ واحدٍ منهما، فله كمال من ملكه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، فإن الملك بلا حَمْد يستلزمُ نقصًا، والحمدُ بلا ملكٍ يستلزم عجزًا، والحمد مع الملك غاية الكمال.
ونظير هذا العِزَّة والرحمة، والعَفْو والقدرة، والغِنى والكرم، فوسَّط الملك بين الجملتين، فجعله محفوفًا بحمدٍ قبله وحمدٍ بعده،
_________________
(١) يعني: إلى نقده والتعليق عليه.
(٢) (ق): "مِن".
[ ١ / ١٣٨ ]
ثمَّ عقَّب هذا الحمد والملك باسمَي (^١) (الحكيم الخبير) الدَّالَّين على كمال الإرادة، وأنها لا تتعلّق بمرادٍ (^٢) إلا لحكمة بالغة، وعلى كمال العلم، وأنه (^٣) كما يتعلَّق بظواهر المعلومات؛ فهو متعلّق ببواطنها التي لا تُدرَك إلا بخبرَةٍ، فنسبةُ الحكمةِ إلى الإرادة كنسبة الخبرةِ إلى العلم، فالمراد ظاهر، والحكمة باطنة، والعلم ظاهر، والخبرة باطنة، فكمال الإرادة: أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم: أن يكون كاشفًا عن الخبرة، فالخبرة: باطن العلم وكماله، والحِكْمة: باطن الإرادة وكمالها. فتضمَّنت الآية إثبات حمده وملكه، وحِكمته وعلمه، على أكمل الوجوه.
ثمَّ ذكر (ق/٣١ أ) تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العُلْوي والسُّفْلي، فقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢].
ثمَّ ختم الآية بصفتين تقتضيان غايةَ الإحسان إلى خَلْقه، وهما: الرحمة والمغفرة، فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتمِّ الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم (^٤) ويهب لهم ذنوبَهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته، فقال: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢] فتضمَّنت هذه الآية سَعَة علمه ورحمته وحِلْمه ومغفرته.
وهو سبحانه يَقْرن (^٥) بين سَعَة العلم والرحمة، كما يَقْرن بين
_________________
(١) (ظ): "باسم".
(٢) ليست في (ق).
(٣) (د): "ذاته".
(٤) (ق): "زللهم".
(٥) (ق): "يفرق" في الموضعين، وهو تحريف.
[ ١ / ١٣٩ ]
العلم والحلم (^١)، فمن الأوّل: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] فما قُرِن شيءٌ إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، ومن رحمة إلى علم.
وحَمَلة العرش أربعة (^٢)؛ اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم؛ لأن العفو إنما يحسن عند القدرة، وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسُن مع العلم.
وقدَّم "الرحيم" في هذا الموضع لتقدُّم صفة العلم، فحَسُن ذكر "الرحيم" بعده ليقترن به فيطابق قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
ثمَّ ختم الآيةَ بذكر صفة المغفرة لتضمُّنها دفع الشر وتضمّن ما قبلها جلب الخير، ولما كان دفع الشر مقدَّمًا على جلب الخير، قدم اسم "الغفور" على "الرحيم" حيثُ وقع. ولما كان في هذا الموضع معارض يقتضي تقديم اسمه "الرحيم" لأجل ما قبله؛ قُدِّم على "الغفور".
* وأما قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ فقد أبعد النُّجْعَة فيما تعسَّفه من فائدة التقديم، وأتى بما ينبو اللفظُ عنه.
_________________
(١) (ق): "الحكم" في كل المواضع بعدها حتى الآية، وما في (ظ ود) أصح.
(٢) كذا في الأصول، وفي عدد من كتب المؤلف؛ لكن الذي أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٥٤)، والذهبي في "العلو" (١/ ٥٧١) عن بعض السلف: أن حملةَ العرش ثمانية؛ أربعة يقولون كذا وأربعة يقولون كذا
[ ١ / ١٤٠ ]
وقال غيره: السجود كان في دينهم قبل الركوع (ظ/٣٣ أ) وهذا قائل ما لا علم له به!!.
والذي يظهر في الآية -والله أعلم بمراده من كلامه-: أنها اشتملت على مُطلق العبادة وتفصيلها، فذكر الأَعَمّ، ثمَّ ما هو أخص منه، ثم ما هو أخص من الأخص، فذكر القنوت (^١) أولًا، وهو الطاعة الدائمة، فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء وأنواع الطاعة، ثمَّ ذَكَر ما هو أخص منه، وهو السجود الذي يُشْرَع وحده؛ كسجود الشكر والتلاوة، ويُشْرَع في الصلاة؛ فهو أخص من مطلق القنوت، ثم ذكر الركوع الذي لا يُشْرَع إلا في الصلاة، فلا يُسَن الإتيان به منفردًا (^٢)، فهو أخص مما قبله.
ففائدة الترتيب: النزول من الأعم، إلى الأخص، إلى (^٣) أخص منه، وهما طريقتان معروفتان في الكلام: النزول من الأعم إلى الأخص، وعكسها وهو الترقِّي من الأخص، إلى ما هو أعم منه، إلى ما هو أعم (^٤).
ونظيرها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، فذكرَ أربعةَ أشياء؛ أخصها الركوع، ثمَّ السجود أعم منه، ثمَّ العبادة أعم من السجود، ثم فعل الخير العام المتضمن لذلك كله.
_________________
(١) من قوله: "أنها اشتملت " إلى هنا سقطت من (ق).
(٢) (ق): "متفرقًا".
(٣) "الأخص، إلى" ساقط من (ق).
(٤) "إلى ما هو أعم" ساقط من (ق).
[ ١ / ١٤١ ]
والذي يزيد هذا وضوحًا: الكلامُ على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ (ق/٣١ ب) وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فإنَّه ذكر أخصَّ هذه الثلاثة، وهو الطواف الذي لا يُشْرَع إلا بالبيت خاصَّة، ثمَّ انتقل منه إلى الاعتكاف، وهو القيام المذكور في الحج (^١)، وهو أعم من الطواف؛ لأنه يكون في كلِّ مسجدٍ، ويختصّ بالمساجد لا يتعدَّاها، ثمَّ ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض، سوى ما منع منه مانع أو اسْتُثْني شرعًا.
وإِن شئتَ قلتَ: ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت، ثمَّ الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد، ثمَّ الصلاة التي تكون في البلد كلِّه، بل في كلِّ بُقعة، فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة، وله -﵀- مزيد السَّبْق وفَضْل التقدُّم.
وابنُ اللَّبُوْنِ إِذَا مَا لُزَّ في قَرَنٍ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيْسِ (^٢)
* * *
_________________
(١) آية: ٢٦.
(٢) البيت لجرير، "ديوانه": (ص/ ٢٥٠).
[ ١ / ١٤٢ ]