في معناها، إنّما اختلفت ثمرتها الصادرة عنها.
والصلاة التي هي الركوع والسجود انحناءٌ محسوس، فلم يختلف المعنى فيها إلّا من جهة المعقول والمحسوس، وليس ذلك باختلاف في الحقيقة، ولذلك تعدَّت كلُّها بعلى، واتفقت في اللفظ المشتق من الصلاة، ولم يَجُز "صلَّيتُ على العدوّ"، أي: دعوت عليه؛ فقد صار معنى الصلاة أرق (^١) وأبلغ من معنى الرحمة، وإن كان راجعًا إليه، إذ ليس كل راحم ينحني على المرحوم، ولا ينعطف عليه من شدة الرحمة (^٢).
فائدة (^٣)
رأيت للسهيلي فصلًا حسنًا في اشتقاق الفعل من المصدر هذا لفظه، قال: "فائدة اشتقاقِ الفعل من المصدر؛ أنّ المصدر أسم كسائر الأسماء، يخبر عنه كما يخبر عتها، كقولك: "أعجبني خروج زيد"، فإذا ذكر المصدر وأخبر عنه كان الاسم الذي هو فاعل (^٤) له مجرورًا بالإضافة، والمضاف إليه تابع للمضاف.
فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للمصدر، لم يكن الإخبار عنه وهو مخفوض تابع في اللفظ لغيره، وحق المخْبَر عنه أن يكون مرفوعًا مبدوءًا به، فلم يبق إلا أن يدخلوا عليه حرفًا يدل على أنَّه مُخبر عنه، كما تدل الحروف على معانٍ في الأسماء، وهذا لو فعلوه
_________________
(١) (ق): "أدق".
(٢) "من شدة الرحمة" من (ق) و"النتائج".
(٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٦٧).
(٤) (ظ ود): "الفاعل". و(ق): "الَّذي فاعل" والمثبت من "النتائج".
[ ١ / ٤٧ ]
لكان الحرف حاجرًا بينه وبين الحديث في اللفظ، والحَدّث يستحيل انفصاله عن فاعله، كما يستحيل انفصال الحركة عن محلها، فوجب أن يكون اللفظ غير منفصل؛ لأنَّه تابع للمعنى، فلم يبق إلا أن يُشتقَّ من لفظ الحديث لفظ يكون كالحرف في النيابة عنه، دالًّا على معنًى في غيره، ويكون متصلًا اتصال المضاف بالمضاف إليه، وهو الفعل المشتق من لفظ الحَدَث، فإنه يدل على الحديث بالتضمُّن، ويدل على [أنَّ] (^١) الاسم مُخْبَر عنه لا مضاف إليه، إذ يستحيل إضافة لفظ الفعل إلى الاسم، كاستحالة إضافة الحرف؛ لأنّ المضاف هو الشيء بعينه، والفعل ليس هو الشيء بعينه، ولا يدل على معنًى في نفسه، وإنّما يدل على معنًى في الفاعل، وهو كونه مخبرًا عنه.
فإن قلت: كيف لا يدل (^٢) على معنى في نفسه، وهو يدل على الحدث؟.
قلنا: إنّما يدل على الحديث بالتضمُّن، والدال عليه بالمطابقة هو "الضَّرْب" و"القَتْل"، لا "ضَرَبَ" و"قَتَلَ"، ومن ثمَّ وجب أن لا يضاف، ولا يعرَّف بشيء من آلات التعريف؛ إذ التعريف يتعلق بالشيء بعينه، لا بلفظ يدل على معنى في غيره، ومن ثَمَّ وجب أن لا يثنَّى ولا يُجمع كالحرف، ومن ثَمَّ وجب أن يُبنى كالحرف، ومن ثَمَّ وجب أن يكون عاملًا في الاسم كالحرف، كما أنّ الحرف لما دل على معنًى في غيره؛ وجب أن يكون له آثر في لفظ ذلك الغير، كماله آثر في معناه، وإنّما أعرب المستقبل ذو الزوائد؛ لأنَّه تضمن معنى الاسم إذ "الهمزة" تدل على المتكلم، و"التاء" على المخاطب، و"الياء"
_________________
(١) زيادة من "النتائج".
(٢) (ق): "كيف لا يكون دالًّا".
[ ١ / ٤٨ ]
على الغائب، فلما تضمن بها معنى الاسم، ضارعه فأُعْرِب، كما أن الاسم إذا تضمَّن معنى الحرف بُني.
"وأما الماضى والأمر" فإنهما -وإن تضمنا معنى الحديث وهو اسم- فما شاركا فيه الحرف من الدلالة على معنى في غيره، وهي حقيقة الحرف، أوجب بناءهما، حتَّى إذا ضارع الفعل الاسم من وجه آخر، غير التضمن للحدث، خرج عن مضارعة الحرف، وكان أقرب شبهًا بالأسماء كما تقدم.
ولما قدمناه من دلالة الفعل على معنًى في الاسم -وهو كون الاسم مخبرًا عنه- وجب أن لا يخلو عن ذلك الاسم مضمرًّا أو مظهرًا بخلاف الحديث. فإنّك تذكره ولا تذكر الفاعل مضمرًا ولا مظهرًا نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ [البلد: ١٤، ١٥] وقوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] والفعل لابد من ذكر الفاعل بعده، كما لابد بعد الحرف من الاسم.
فإذا ثبت المعنى في اشتقاق الفعل من المصدر، وهو كونه دالًّا على معنى في الاسم؛ فلا يحتاج من الأفعال الثلاثة إلا إلى صيغة واحدة، وتلك الصيغة هي لفظ الماضي؛ لأنَّه أخف وأشبه بلفظ الحديث، إلا أن تقوم الدلالة على اختلاف أحوال المحدث (^١)، فتختلف صيغة الفعل.
ألا ترى كيف لم (^٢) تختلف صيغته بعد "ما" الظرفية من قولهم: "لا أفعله ما لاح برق، وما طار طائر"؛ لأنهم يريدون الحديث مخبرًا
_________________
(١) في "النتائج": (ص / ٦٩): "الحدث".
(٢) سقطت من (ظ ود).
[ ١ / ٤٩ ]
عنه (^١) على الإطلاق، من غير تعرُّضٍ لزمن ولا حال من أحوال الحديث، فاقتصروا على صيغة واحدة، وهي أخف أبنية الفعل.
وكذلك فعلوا بعد التسوية نحو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] وقوله: ﴿أَدْعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ [الأعراف: ١٩٣]؛ لأنَّه أراد التسوية بين الدعاء والصمت على الإطلاق، من غير تقييد بوقت ولا حال، فلذلك لم يحتج إلّا إلى صيغة واحدة وهي صيغة الماضي، كما سبق.
فالحَدّث إذا على ثلاثة أَضْرُب:
* ضرب يحتاج إلى الإخبار (^٢) عن فاعله، وإلى اختلاف أحوال الحديث، فَيُشْتَقُّ منه الفعل، دلالةً على كون الفاعل مخبرًا عنه، وتختلف أبنية دلالته (^٣) على اختلاف أحوال الحدث.
* وضرب يحتاج إلى (^٤) الإخبار عن فاعله على الإطلاق، من غير تقييد بوقت ولا حال، فَيُشْتَقُّ منه الفعل، ولا تختلف أبنيته نحو ما ذكرناه من الفعل الواقع بعد التسوية، وبعد "ما" الظرفية.
* وضرب لا يحتاج إلى الإخبار عن فاعله، بل يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق، مضافًا إلى ما بعده، نحو: "سبحان الله".
و"سبحان" (^٥) اسمٌ ينبئ عن العظمة والتنزيه، فوقع القصد إلى ذكره مجردًا من التقييدات بالزمان، أو بالأحوال، ولذلك وجب
_________________
(١) في "النتائج: "به".
(٢) (ق): "الخبر".
(٣) (د): "استدلالته"!.
(٤) (ق): "وضرب ما يحتاج إلا ".
(٥) (ق): "فإن سبحان الله"، و"النتائج": "فإن سبحان".
[ ١ / ٥٠ ]
نصبه كما يجب نصب كلّ مقصودٍ إليه بالذكر، نحو: إياك، وويلَه (^١)، وويحَه، وهما مصدران لم يُشتق منهما فعل، حيث لم يحتج إلى الإخبار عن فاعلهما، ولا احتيج إلى تخصيصهما بزمن، فحكمهما حكم "سبحان"، ونصبهما كنصبه؛ لأنَّه مقصود إليه.
ومما انتصب لأنَّه مقصودٌ إليه بالذكر: "زيدًا ضربته"، في قول شيخنا أبي [الحسين] (^٢) وغيره من النحويين، وكذلك "زيدًا ضربہت"، بلا ضمير، لا نجعله مفعولًا مقدَّمًا؛ لأنَّ المعمول لا يتقدم على عامله، وهو مذهب قوي. ولكن لا يبعد عندي قول النحويين: إنه مفعول مقدّم، وإن كان المعمول لا يتقدَّم على العامل، والفعل كالحرف؛ لأنَّه عامل في الاسم، ودالٌّ (^٣) على معنى فيه، فلا ينبغي للاسم أن يتقدَّم على الفعل، كما لا يتقدم على الحرف، ولكن الفعل في قولك: "زيدًا ضربت" قد أخذ معمولَه، وهو الفاعل، فمعتمده عليه ومن أجله صِيْغ، وأما المفعول؛ فلم يبالوا به، إذ ليس اعتماد الفعل عليه كاعتماده على الفاعل، ألا ترى أنَّه يُحْذف والفاعل لا يُحذف؟ فليس تقديمه على الفعل العامل فيه بأبعد من حذفه، وأما "زيدًا ضربته"؛ فينتصب بالقصد إليه كما قال الشيخ.
وهذا الفصل مران أعجب كلامه، ولم أعرف أحدًا من النحويين سبقه إليه.
_________________
(١) سقطت من (د).
(٢) في الأصول: الحسن"! والتصويب من "النتائج" ومصادر الترجمة. وهو: أبو الحسين سليمان بن محمد بن عبد الله المعروف بابن الطراوة. ت (٥٢٨)، وكان من النحاة المعدودين. انظر: "إنباه الرواة": (٤/ ١٠٧)، و"إشارة التعيين": (ص/ ١٣٥).
(٣) (ظ ود): "وذاك"!.
[ ١ / ٥١ ]