يغدو غَدْوًا، بوزن رَمَى، وأصل "م" دَمِيَ، بوزن فَرِحَ مصدر دَمِيَ يَدْمَى كبَقِيَ يَبْقَى. وأصل "يد" كذلك "يَدِي" من يَدَيْتُ إليه يَدْيًا ثمَّ حذفوا، فقالوا: يدًا، وكذلك "سم" أصله: "سمو" من: سما يَسْمو سموًّا، كعلم يعلم علمًا، فلما زُحْزِحت عن أصل موضوعاتها وبقي فيها من المعنى الأوّل ما يُعلم أنها مشتقة منه؛ حُذِفت منها لاماتها بإزاء ما نقص من معانيها، ليكون النقص في اللفظ موازيًا للنقص في المعنى، فلا يستوفي حروف الكلمة بأسرها إلا عند حصول المعنى بأَسْرِه.
فائدة (^١)
دخول الزوائد على الحروف الأصلية مُنْبِئة [عن] معانٍ زائدة (^٢) على معنى الكلمة التي وضعت الحروف الأصلية عبارة عنه، فإن كان المعنى الزائد آخرًا كانت الزيادة آخرًا، كنحو "التاء" في "فعلت"؛ لأنها تُنبئ عما رُتْبته بعد الفعل، وإن كان المعنى الزائد أولًا، كانت الزيادة الدالة عليه سابقة على حروف الكلمة، كالزوائد الأربع، فإنها تُنبئ أن الفعل لم يحصل بَعْدُ لفاعله، وأن بينه وبين تحصيله جزءًا من الزمان، وكان الحرف الزائد السابق لِلَّفظ مشيرًا (^٣) في اللسان إلى [ذلك] الجزء من الزمان، مُرتَّبًا في البيان على حسب ترتب المعنى في الجَنَان، وكذلك حكم جميع ما يَرِد عليك في كلامهم.
فإن قيل: فهلَّا كانت الياء مكان "التاء" و"الهمزة".
_________________
(١) "نتائج الفكر": (ص/ ١١٧).
(٢) (ق): "مبنية معنى زائد".
(٣) (ق): "متيسرًا" و(د): "ميسر"!.
[ ١ / ١٥٣ ]
قيل: أصل هذه الزوائد "الياء"؛ بدليل كونها في الموضع الذي لا يحتاج فيه إلى الفرق بين مذكَّر ومؤنَّث، وهو فعل جماعة النساء، فإنك إذا قلت: النسوة يقمن، (ق/ ٣٤ أ) فالفرق حاصل بالنون.
وأيضا: فأصل الزيادة لحروف المدِّ واللين، والواو لا تزاد أولًا لئلا يشتبه بـ "واو" العطف، والألف يتعذَّر أولًا لسكونها، فلم يبق إلا "الياء" هي الأصل، فلما أريد الفرق كانت الهمزة للمتكلم أولى؛ لإشعارها بالضمير المستتر في الفعل؛ إذ هي أول حروف ذلك الضمير إذا برز، فلتكن مشيرة إليه إذا خَفِيَ. وكانت النون لفعل المتكلم أولى لوجودها في أول لفظ الضمير الكامن في الفعل إذا ظهر، فلتكن دالة عليه إذا خفي واستتر، وكانت "التاء" من "تفعل" للمخاطب لكونها في الضمير المستتر فيه، وإن لم تكن في أول اللفظ -أعني "أنت"- ولكنها في آخره، ولم يخصّوا بالدلالة (^١) عليه ما هو في أول لفظه -أعني الهمزة- لمشاركته للمتكلم فيها وفي "النون"، فلم يبق من لفظ الضمير إلا "التاء" فجعلوها في أول الفعل عَلَمًا عليه وإيماءً إليه (^٢).
فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن تكون الزيادة في فعل الغائب هاء، لوجودها في لفظ ضمير الغائب إذا برز؟.
قيل: لا ضمير في الغائب (^٣) في أصل الكلام وأكثر موضوعه؛ لأن الاسم الظاهر يُغني عنه، ولا يستتر ضمير الغائب حتى يتقدَّمه
_________________
(١) (ق): "في الدلالة".
(٢) ليست في (ق).
(٣) من قوله: "هاء، لوجودها " إلى هنا ساقط من (ق).
[ ١ / ١٥٤ ]