فإن قيل: فقد أثبتم أن فعل جماعة المؤنث معرب، وهذا خلاف لسيبويه ومن وافقه من النحويين، فإنهم زعموا أنَّه مبني، وإن اختلفوا في علة بنائه؟
قلنا: بل هو وِفاق لهم؛ لأنهم علَّمونا وأصَّلوا لنا أصلًا صحيحًا، فلا ينبغي لنا أن ننقضه ونكسره عليهم، وهو وجود (ظ/٢٤ أ) المضارَعَة الموجبةِ للإعراب، وهي موجودة في "يَفْعَلْنَ" و"تَفْعَلْنَ"، فمتى وُجِدت الزوائدُ الأربع وُجِدت المضارعة، وإذا وُجدت المضارعة وُجد الإعراب.
فإن قيل: فهلَّا عوَّضوا من حركة الإعراب في حال رفعه نونًا (^١) كما فعلوا في "يفعلون"؛ لأنه -أيضًا- واقع موقع الاسم؟.
قلنا: قد تقدم ما في "يفعلون" و"يفعلان" من وجوه الشَّبه بينه وبين جمع السلامة في الأسماء، فمنها: الوقوع موقع الاسم، ومنها: المضارَعَة في اللفظ من جهة حروف المدِّ واللِّين، وهذا الشبه معدوم في "يَفْعَلْنَ" من جهة اللفظ؛ لأنه ليس مثل لفظ "فاعلين" ولا "فاعلات"، وإن كان واقعًا موقعه في حال الرفع.
فائدة (^٢)
لما كانت الأيام متماثلة لا يتميز يوم من يوم بصفة نفسية ولا معنوية؛ لم يبقَ تمييزها إلا بالأعداد، ولذلك جعلوا أسماء أيام الأسبوع مأخوذة من العدد، نحو: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، أو بالأحداث الواقعة فيها؛ كيوم بُعَاث ويوم بدر ويوم الفتح، ومنه: يوم الجمعة، وفيه قولان:
_________________
(١) سقطت من (ظ ود).
(٢) بنحوه في "نتائج الفِكْر": (ص/١١٣).
[ ١ / ١٤٨ ]
أحدهما: لاجتماع الناس فيه للصلاة.
والثاني: -وهو الصحيح- لأنَّه اليوم الذي جمع فيه الخلق وكمل، وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين لفصل القضاء.
وأما يوم السبت: فمن القطع كما تُشْعِر به هذه المادة، ومنه (^١) السُّبَات لانقطاع الحيوان فيه عن التحرُّك والمعاش. والنِّعال السبتية التي قُطِع عنها الشعر، وعِلَّة السُّبات التي تقطع العليل عن الحركة والنطق، ولم يكن يومًا من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق (ق/ ٣٣ أ) الأحد، وخاتمتها الجمعة، وهذا أصحّ القولين، وعليه يدل القرآن وإجماعُ الأمةِ على أن أيامَ تخليقِ العالم (^٢) ستة، فلو كان أولها السبت لكانت سبعة.
وأما حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في "صحيحه" (^٣): "خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ"؛ فقد ذكرَ البخاريُّ في "تاريخه" (^٤): أنَّه حديث مَعْلول، وأن الصحيح أنَّه قول كعب، وهو كما ذكر؛ لأنه يتضمَّن أن أيام التخليق سبعة، والقرآن يرده (^٥).
واعلم أنّ معرفة أيام الأسبوع لا يعرف بحسٍّ ولا عقل ولا وضع يتميز به الأسبوع عن غيره، وإنما يُعلم بالشرع، ولهذا لا يَعْرف أيامَ الأسبوع إلا أهل الشرائع، ومن تلقَّى ذلك عنهم وجاورهم، وأما
_________________
(١) (ق): "ومن اليوم ".
(٢) من قوله: "بل ابتداء " إلى هنا ساقط من (د).
(٣) رقم (٢٧٨٩).
(٤) "التاريخ الكبير": (١/ ٤١٣ - ٤١٤) وكعب هو: كعب الأحبار.
(٥) وانظر في الكلام على الحديث: "منهاج السنة": (٧/ ٢١٥)، و"الأنوار الكاشفة": (ص/ ١٨٨ - ١٩٣) للمعلمي، و"السلسلة الصحيحة" رقم (١٨٣٣).
[ ١ / ١٤٩ ]
الأمم التي لا تدين بشريعة ولا كتاب؛ فلا يتميز الأسبوع عندهم من غيره، ولا أيامه بعضها من بعض، وهذا بخلاف معرفة الشهر والعام، فإنَّه بأمرٍ محسوس.
فائدة (^١)