الذي هو الوصف في المعْرَب.
فائدة (^١)
قولهم: "حرف متحرك" و"تحركت الواو"، ونحو ذلك؛ تساهل منهم، فإن الحركة عبارة عن انتقال الجسم من حيِّز إلى حيِّز، والحرف جزء من الصوت، ومحالٌ أن تقوم الحركة بالحرف؛ لأنه عَرض، والحركة لا (ظ/ ١١ أ)، تقوم بالعرض، وإنما المتحرك في الحقيقة هو العضو من الشفتين، أو اللسان، أو الحَنك الذي يخرج منه الحرف.
فالضمة عبارة عن: تحريك الشفتين بالضمِّ عند النطق. فيحدث مع ذلك صُوَيت خفيّ مقارن للحرف، إن امتد كان "واوًا"، وإن قصر كان "ضمة".
وكذلك الفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف، وحدوث الصوت الخفي، الذي يسمى: فتحة أو نصبة، وإن مدت كانت ألفًا، وإن قصرت: فهي فتحة، وكذلك القول في الكسرة.
والسكون عبارة عن: خلوِّ العضو من الحركات عند النطق بالحرف، فلا يحدث بعد الحرف صوت فيجزم عند ذلك، أي: ينقطع، فلذلك سُمي: جزمًا؛ اعتبارًا بانجزام الصوت، وهو انقطاعه. وسكونًا؛ اعتبارًا بالعضو الساكن.
فقولهم: "فتح، وضم، وكسر"، هو من صفة العضو، وإذا سميت ذلك: "رفعًا ونصبًا وجزمًا وجرًا" فهي من صفة الصوت؛ لأنه يرتفع عند ضمّ الشفتين، وينتصب عند فتحهما، وينخفض عند كسرهما،
_________________
(١) المصدر نفسه: (ص/ ٨٣).
[ ١ / ٦٠ ]
وينجزم عند سكونهما.
ولهذا عبروا عنه: بـ "الرفع والنصب والجر" عن حركات الإعراب، إذ الإعراب (^١) لا يكون إلا بعامل وسبب، كما أن هذه الصفات التي تضاف إلى الصوت، مِنْ رفع ونصب وخفض إنما تكون بسبب، وهو حركة العضو، واقتضت الحكمة [اللطيفة] (^٢) أن يُعبّر بما يكون عن سبب عما يكون [لسبب] (^٣)، وهو الإعراب، وأن يعبر: "بالفتح والضم والكسر والسكون" عن أحوال البناء، فإن البناء لا يكون بسبب، وأعني بالسبب: العامل. فاقتضت الحكمة أن يعبَّر عن تلك الأحوال بما يكون وجوده بغير آلة (^٤)؛ إذ الحركات الموجودة في العضو لا تكون إلا (^٥) بآلة، كما تكون الصفات المضافة إلى الصوت (^٦).
وعندي (^٧) أن هذا ليس باستدراك على النحاة، فإن الحرفَ وإن كان عَرضًا فقد يوصف بالحركة، تبعًا لحركة محلِّه، فإن الأعراض وإن لم تتحرك بأنفسها؛ فهي تتحرك بحركة محالّها، وعلى هذا فقد اندفع الإشكال جملة.
_________________
(١) "إذ الإعراب" سقطت من (د).
(٢) في الأصول: "اللفظة"، والمثبت من "النتائج".
(٣) في الأصول: "عن سبب" والمثبت من "النتائج".
(٤) (ظ): "بما كون وجوده لغير آلة".
(٥) كذا في جميع النسخ و"النتائج". واستظهر محققه أن المعنى لا يستقيم إلا بحذف "إلا".
(٦) (ظ ود): "الموصوف"!.
(٧) الكلام لابن القُيم -﵀-.
[ ١ / ٦١ ]