اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه، فيقال: "فعلت اليوم"، فذكر الاسم العام ثمَّ عُرِف بأداة العهد، ولا شيءَ أعرفَ من يومك الحاضر، فانصرفَ إليه، ونظيره "الآن" من آن، و"الساعة" من ساعة، وأما "أمس" و"غد"؛ فلما كان كل واحد منهما متصلًا بيومك اشتُقَّ له اسم من أقرب ساعةٍ إليه، فاشْتُق لليوم الماضي أمس الملاقي للمساء، وهو أقرب إلى يومك من صاحبه، أعني: صباحَ غدٍ، فقالوا: أمس، وكذلك قالوا: "غد" اشْتُق له اسم (^٢) من الغدوِّ، وهو أقرب إلى يومك من مسائه، أعني: مساءَ غدٍ.
وتأمل كيف بنوا "أمس" وأعربوا "غدًا"؛ لأن "أمس" صِيْغ من فعل ماض وهو أمسى، وذلك مبنيّ، فوضعوا أمس على وزن الأمر من (^٣) أمسى يُمسي، وأما "الغد" فإنَّه لم يؤخذ من مبنيّ إذ لا يمكن أن يقال: هو مأخوذ من "غدا"، كما (^٤) يمكن أن يقال "أمس" من "أَمسى"، بل أقصى ما يمكن فيه أن يكون من "الغدوِّ" و"العُدْوة"،
_________________
(١) أصله في "النتائج": (ص/١١٣ - ١١٦) مع تصرُّف كبير وإضافة.
(٢) (ظ): "وكذلك غد اشتق الاسم ".
(٣) من قوله: "وكذلك قالوا " إلى هنا ساقط من (د).
(٤) (ق): "كما لا".
[ ١ / ١٥٠ ]
وليسا بمبنيين، وهذه العلة أحسن من علة النحاة أن "أمس" بُنِيَ لتضمنه معنى اللام، وأصله الأمس.
قالوا: لأنهم يقولون: "أمسِ الدابر" فيصفونه بذي اللام، فدلّ على أنَّه معرفة، ولا يمكن أن يكون معرفة إلا بتقدير اللام، وهذا أولًا منقوض بقولهم: "غدًا الآتي"، فيلزم على طرد علتهم أن يبنوا "غدًا".
وأيضًا: فإن "أمس" جرى مجرى الأَعلام، وهو -والله أعلم- بمنزلة: "إصْمِت" "وأطْرِقا" (^١) مما جاء منها بلفظ الأمر اسم علم لمكان، يقول الرجل لصاحبه فيه: "اصمت" إذا [جاوره]، فـ"اصمت" في المكان كـ"أمس" في الزمان، ولعله (^٢) أُخِذَ من قولهم (ظ/٢٤ ب): "أمس بخير" و"أمس معنا" ونحوه، ولا يقال: كيف يدعى فيه العلمية مع شِياعه (^٣) لأنا نقول: علميته ليست كعلمية "زيد" و"عمرو" بل كعلمية "أسامة" و"ذؤالة"، و"برة" و"فجار" (ق/٣٣ ب) وبابه مما جعل الجنس فيه بمنزلة الشخص في العلم الشخصي.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين (^٤) اسم الجنس إذًا؟.
قيل: هذا مما أعضلَ على كثيرٍ من النُّحاة حتى جعلوا الفرق بينهما لفظيًّا فقط، وقالوا: يظهر تأثيره في منع (^٥) الصرف، ووصفه بالمعرفة، وانتصاب الحال عنه، ونحو ذلك، ولم يهتدوا لسرِّ الفرق
_________________
(١) اسما علم لمواضع، انظر "معجم البلدان": (١/ ٢١٢، ٢١٨).
(٢) (ق): "وأصله".
(٣) كذا بالأصول.
(٤) (ظ): "وهو" و(د) ساقطة.
(٥) (ق): "معنى".
[ ١ / ١٥١ ]