وَهَذَا الْمَعْنى قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيح فِي مَوَاضِع تَبْيِين أَن مَا سبق بِهِ الْكتاب سبق بالأسباب الَّتِي تُفْضِي إِلَيْهِ فالسعادة سبقت بِأَن صَاحبهَا يسْتَعْمل فِيمَا يصير بِهِ سعيدا والشقاوة سبقت بِأَن صَاحبهَا يسْتَعْمل فِيمَا يصير بِهِ شقيا فالقدر يتَضَمَّن الْغَايَة وسببها لم يتَضَمَّن غَايَة بِلَا سَبَب كَمَا تضمن أَن هَذَا ويلد لَهُ بِأَن يتَزَوَّج ويطأ الْمَرْأَة وَهَذَا ينْبت أرضه بِأَن يزرع ويسقى الزَّرْع وأمثال ذَلِك
وَكَذَلِكَ فِي السّنَن أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أدوية نتداوى بهَا ورقى نسترقيها وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا فَقَالَ هِيَ من قدر الله
[ ١ / ٩٣ ]
بَين أَن الْأَسْبَاب الَّتِي تدفع بهَا المكاره هِيَ من قدر الله لَيْسَ الْقدر مُجَرّد دفع الْمَكْرُوه بِلَا سَبَب
وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ إِن الدُّعَاء لَا يُؤثر شَيْئا والتوكل لَا يُؤثر شَيْئا هُوَ من هَذَا الْجِنْس لَكِن إِنْكَار مَا أَمر بِهِ من الْأَعْمَال كفر ظَاهر بِخِلَاف تَأْثِير التَّوَكُّل وَلَكِن الأَصْل وَاحِد وَهُوَ النّظر إِلَى المقدرو مُجَردا عَن أَسبَابه ولوازمه وَمن هَذَا الْبَاب أَن الْمَقْتُول يَمُوت بأجله عِنْد عَامَّة الْمُسلمين إِلَّا فرقة من الْقَدَرِيَّة قَالُوا إِن الْقَاتِل قطع أَجله ثمَّ تكلم الْجُمْهُور لَو لم يقتل فَقَالَ بَعضهم كَانَ يَمُوت لِأَن الْأَجَل قد فرغ وَقَالَ بَعضهم لَا يَمُوت لانْتِفَاء السَّبَب
وكلاء الْقَوْلَيْنِ قد قَالَه من ينتسب إِلَى السّنة وَكِلَاهُمَا خطأ فَإِن الْقدر سبق بِأَنَّهُ يَمُوت فَبِهَذَا السَّبَب لَا بِغَيْرِهِ فَإِذا قدر انْتِفَاء هَذَا السَّبَب كَانَ فرض خلاف مَا فِي الْمَقْدُور وَلَو كَانَ الْمَقْدُور أَنه لَا يَمُوت بِهَذَا السَّبَب أمكن أَن يكون الْمُقدر أَنه يَمُوت بِغَيْرِهِ وَأمكن أَن يكون الْمُقدر أَنه لَا يَمُوت فالجزم بِأَحَدِهِمَا جهل فَمَا تعدّدت أَسبَابه لم يجْزم بِعَدَمِهِ عِنْد عدم بَعْضهَا وَلَو لم يجْزم بِثُبُوتِهِ إِن لم يعرف لَهُ سَبَب آخر بِخِلَاف مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَبَب وَاحِد مثل دُخُول النَّار فَإِنَّهُ لَا يدخلهَا إِلَّا من عصى فَإِذا قدر أَنه لم يعْص لم يدخلهَا