قد ظن طَائِفَة مِمَّن تكلم فِي أَعمال الْقُلُوب أَن التَّوَكُّل لَا يحصل بِهِ جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة بل مَا كَانَ مُقَدرا بِدُونِ التَّوَكُّل فَهُوَ مُقَدّر مَعَ التَّوَكُّل وَلَكِن التَّوَكُّل عبَادَة يُثَاب عَلَيْهَا من جنس الرِّضَا بِالْقضَاءِ وَذكر ذَلِك أَبُو عبد الله بن بطة فِيمَا صنفه فِي هَذَا الْبَاب وَقَول هَؤُلَاءِ يشبه قَول من قَالَ إِن الدُّعَاء لَا يحصل بِهِ جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة بل هُوَ عبَادَة يُثَاب عَلَيْهَا كرمي الْجمار وَآخَرُونَ يَقُولُونَ بل الدُّعَاء عَلامَة وأمارة وَيَقُولُونَ ذَلِك فِي جَمِيع الْعِبَادَات وَهَذَا قَول من يَنْفِي الْأَسْبَاب فِي الْخلق وَالْأَمر وَيَقُول إِن الله يفعل عِنْدهَا لَا بهَا وَهُوَ قَول من طَائِفَة من متكلمي أهل الْإِثْبَات للقدر كالأشعري وَغَيره وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْفُقَهَاء والصوفية
[ ١ / ٨٧ ]
وأصل هَذِه الْبِدْعَة من قَول جهم فَإِنَّهُ كَانَ غاليا فِي نفي الصِّفَات وَفِي الْجَبْر فَجعل من تَمام تَوْحِيد الذَّات نفي الصِّفَات وَمن تَمام تَوْحِيد الْأَفْعَال نفى الْأَسْبَاب حَتَّى أنكر تَأْثِير قدرَة العَبْد بل نفى كَونه قَادِرًا وَأنكر الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَكَانَ يخرج إِلَى الجذمي فَيَقُول أرْحم الرَّاحِمِينَ يفعل كل هَذَا يَعْنِي أَنه يفعل بمحض الْمَشِيئَة بِلَا رَحْمَة وَقَوله فِي الْقدر قد يقرب إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه من الطوائف
وَالَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَالْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء وَالْجُمْهُور وَكثير من أهل الْكَلَام إِثْبَات الْأَسْبَاب كَمَا دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة مَعَ دلَالَة الْحس وَالْعقل وَالْكَلَام على هَؤُلَاءِ مَبْسُوط فِي مَوَاضِع أخر