وَقد سمى الله تَعَالَى المنحني سَاجِدا وَإِن لم يصل إِلَى الأَرْض فِي قَوْله وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد الْمُحْسِنِينَ [سُورَة الْبَقَرَة ٥٨] وَفِي الْأَعْرَاف وَإِذ قيل لَهُم اسكنوا هَذِه
[ ١ / ٢٨ ]
الْقرْيَة وكلوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد الْمُحْسِنِينَ [سُورَة الْأَعْرَاف ١٦١] فَهُنَا لما أَمرهم بِالسُّكْنَى وَهِي الْمقَام قَالَ وكلوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم وَلم يحْتَج أَن يُقَال رغدا فَإِن السَّاكِن الْمُقِيم مطمئن وَهُنَاكَ قَالَ ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة قَالَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا فَبين أَنهم يَأْكُلُون رغدا فيتهنون لَا يخَافُونَ الْخُرُوج وَبسط الْكَلَام فِي الْبَقَرَة وَذكر الدُّخُول لِأَنَّهُ قبل السُّكْنَى وَلِهَذَا قَالَ رغدا وَقَالَ وسنزيد وَقَالَ فبدل الَّذين ظلمُوا قولا غير الَّذِي قيل لَهُم فأنزلنا على الَّذين ظلمُوا رجزا من السَّمَاء بِمَا كَانُوا يفسقون [سُورَة الْبَقَرَة ٥٩]
وَقدم السُّجُود لِأَنَّهُ أهم وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا السُّجُود فَقيل هُوَ الرُّكُوع كَمَا روى ابْن أبي حَاتِم من وَجْهَيْن ثابتين عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ادخُلُوا الْبَاب سجدا قَالَ ركعا من بَاب صَغِير فَدَخَلُوا من قبل أستاههم وَقَالُوا حِنْطَة وَقيل بل هُوَ السُّجُود بِالْأَرْضِ ثمَّ قيل مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن الرّبيع بن أنس قَالَ سجدا قَالَ كَانَ سُجُود أحدهم على خَدّه وروى عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ إِذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله فَكَأَن صَاحب هَذَا القَوْل جعل السُّجُود بعد الدُّخُول وَمن قَالَ بِهَذَا أَو قَالَ بِأَنَّهُم أمروا بِالرُّكُوعِ فَهُوَ يَقُول دُخُولهمْ وهم سجد بِالْأَرْضِ فِيهِ
[ ١ / ٢٩ ]
صعوبة وَقد يُؤْذِي أحدهم وَلَكِن هُوَ مُمكن فَإِن الْإِنْسَان يُمكنهُ حَال السُّجُود أَن يزحف إِذا كَانَت الأَرْض لَا تؤذيه
وَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَهُم ادخُلُوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة فَدَخَلُوا يزحفون على أستاههم وَيَقُولُونَ حَبَّة فِي شَعْرَة
فَهَذَا هُوَ الثَّابِت عَن النَّبِي ﷺ وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَغَيرهمَا فِي ذَلِك أقوالا تخَالف هَذَا فَقَالَ خصيف عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فَدَخَلُوا على شقّ وروى السّديّ عَن أبي سعد الْأَزْدِيّ عَن أبي الكنود عَن ابْن مَسْعُود فَدَخَلُوا مقنعي رؤوسهم
قَالَ ابْن أبي حَاتِم اخْتلف التابعون فروى عَن مُجَاهِد نَحْو قَول عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وروى عَن السّديّ نَحْو مَا روى عَن ابْن مَسْعُود وَعَن مقَاتل أَنهم دخلُوا منكفئين وَأما القَوْل فقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنهم قَالُوا حَبَّة فِي شعره وَإِذا ثقبت الْحبَّة وأدخلت فِيهَا الشعرة فَإِنَّهُ يُقَال حَبَّة فِي
[ ١ / ٣٠ ]
شَعْرَة وَيُقَال شَعْرَة فِي حَبَّة وَهَذَا معنى مَا رَوَاهُ السّديّ عَن مرّة عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ إِنَّهُم قَالُوا هطى سمقاثا أزبه مزبا وَهِي بِالْعَرَبِيَّةِ حَبَّة حِنْطَة حَمْرَاء مثقوبة فِيهَا شَعْرَة سَوْدَاء فَذَلِك قَوْله تَعَالَى فبدل الَّذين ظلمُوا قولا غير الَّذِي قيل لَهُم وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السّديّ عَن أبي سعد الْأَزْدِيّ عَن أبي الكنود عَن ابْن مَسْعُود وَهَذَا مُوَافق لما ثَبت عَن النَّبِي ﷺ لَكِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ وَهَذَا اللَّفْظ أَخذه ابْن مَسْعُود عَن أهل الْكتاب وَهَذَا أصح من قَول ابْن عَبَّاس أَنهم قَالُوا حِنْطَة مَعَ أَن هَذَا مَرْوِيّ عَن غير وَاحِد
قَالَ ابْن أبي حَاتِم وروى عَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالْحسن وَالربيع وَيحيى بن رَافع نَحْو ذَلِك لَكِن قد يُقَال الْحبَّة هِيَ الْحِنْطَة وهم لم يَقُولُوا بِالْعَرَبِيَّةِ بل بلسانهم وهم إِذا قَالُوا بلسانهم مَا مَعْنَاهُ حَبَّة حِنْطَة جَازَ أَن يُقَال حِنْطَة وَحَدِيث ابْن مَسْعُود وَقد ذكر أَنهم قَالُوا حَبَّة حِنْطَة فَلَا يكون فِي القَوْل خلاف
وَأَبُو الْفرج ذكر خَمْسَة أَقْوَال وَهِي ترجع إِلَى هَذَا ذكر الحَدِيث الْمَرْفُوع وَالثَّانِي حِنْطَة وَالثَّالِث أَنهم قَالُوا حَبَّة حِنْطَة حَمْرَاء فِيهَا شَعْرَة سَوْدَاء قَالَه ابْن مَسْعُود وَالرَّابِع كَذَلِك إِلَّا أَنهم قَالُوا مثقوبة قَالَه السّديّ عَن أشياخه
قلت كِلَاهُمَا رَوَاهُ السّديّ عَن ابْن مَسْعُود وهما قَول وَاحِد
قَالَ وَالْخَامِس أَنهم قَالُوا استقلابا قَالَه أَبُو صَالح
[ ١ / ٣١ ]
قلت هَذَا الَّذِي ذكره ابْن مَسْعُود بلسانهم سمقاثا وَقد فسره بذلك
قَالَ الْأَقْوَال كلهَا وَاحِدَة بِخِلَاف صفة الدُّخُول فَإِن الثَّابِت عَن النَّبِي ﷺ أَنهم دخلُوا يزحفون على أستاههم وَفِي لفظ على أوراكهم وَالْمعْنَى وَاحِد وَمَا نقل خلاف هَذَا فَإِنَّمَا أَخذ عَن أهل الْكتاب وَقد كَانَ يُؤْخَذ عَنْهُم الْحق وَالْبَاطِل وَقَول ابْن مَسْعُود مقنعي رؤوسهم لَا يُنَاقض الزَّحْف على أستاههم وَابْن عَبَّاس قَالَ يزحفون على أستاههم كالمرفوع وَقَالَ قيل ادخُلُوا ركعا فَلَو جزمنا أَن هَذَا مَأْخُوذ عَن النَّبِي ﷺ لجزمنا بِأَن الله أَمرهم بِالرُّكُوعِ لَكِن ظَاهر الْقُرْآن هُوَ السُّجُود وَالسُّجُود الْمُطلق هُوَ السُّجُود الْمَعْرُوف وَكَون الْبَاب جعل صَغِيرا إِنَّمَا يكون لمن يكره على الدُّخُول مِنْهُ ليحتاج أَن ينحني وَهَؤُلَاء قصدت طاعتهم فَأمروا بالخضوع لله والإستغفار فدخولهم سجدا هُوَ خضوع لله وَقَوْلهمْ حطه أَي احطط عَنَّا خطايانا هُوَ استغفارهم كَمَا أخبر الله تَعَالَى أَن دَاوُد خر رَاكِعا وأناب وكما شرع للْمُسلمين أَن يَسْتَغْفِرُوا فِي سجودهم
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي سُجُوده اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله دقه وجله أَوله وَآخره عَلَانِيَته وسره وَكَانَ أَيْضا يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك وَأَعُوذ بك مِنْك لَا أحصى ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا اثنيت على نَفسك وَكَانَ يَقُول فِي
[ ١ / ٣٢ ]
رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي يتَأَوَّل الْقُرْآن وَثَبت فِي الصَّحِيح لمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد فَأَكْثرُوا الدُّعَاء وَفِي الصَّحِيح أَيْضا لمُسلم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كشف النَّبِي ﷺ الستارة وَالنَّاس صُفُوف خلف أبي بكر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه لم يبْق من مُبَشِّرَات النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الْمُسلم أَو ترى لَهُ أَلا وَإِنِّي نهيت أَن أَقرَأ الْقُرْآن رَاكِعا أَو سَاجِدا فَأَما الرُّكُوع فَعَظمُوا فِيهِ الرب وَأما السُّجُود فاجتهدوا فِي الدُّعَاء فقمن أَن يُسْتَجَاب لكم
فَفِي هذَيْن الحديثن أَنه خص السُّجُود بِالْأَمر بِالدُّعَاءِ فِيهِ وَلِهَذَا كَانَ من أهل الْعلم من يكره الدعا ءفي الرُّكُوع دون السُّجُود
وحنيئذ فَأَمرهمْ بالإستغفار وَقَوْلهمْ حطة فِي السُّجُود أشبه فَلم يثبت لنا إِلَى الْآن أَن الرُّكُوع يُسمى سجودا بِخِلَاف الْعَكْس فَإِنَّهُ قَالَ فِي حق دَاوُد وخر رَاكِعا وأناب [سُورَة ص ٢٤] وَقد ثَبت بِالنَّصِّ الصَّحِيح واتفاق النَّاس أَن دَاوُد سجد كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ سجدها دَاوُد تَوْبَة وَنحن نسجدها شكرا وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ نَبِيكُم مِمَّن أَمر أَن يقْتَدى بِهِ سجدها دَاوُد فسجدها رَسُول الله ﷺ وَفِي صَحِيح
[ ١ / ٣٣ ]
مُسلم عَنهُ أَيْضا قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يسْجد فِيهَا وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي رَأَيْتنِي اللَّيْلَة وَأَنا نَائِم كَأَنِّي أُصَلِّي خلف شَجَرَة فسجدت الشَّجَرَة لسجودي فسمعتها وَهِي تَقول اللَّهُمَّ اكْتُبْ لي بهَا عنْدك أجرا وضع عني بهَا وزرا وَاجْعَلْهَا لي عنْدك ذخْرا وتقبلها مني كَمَا تقبلتها من عَبدك دَاوُد فَقَرَأَ النَّبِي ﷺ سَجْدَة ص ثمَّ سجد فَسَمعته وَهُوَ يَقُول مثل مَا أخبرهُ الرجل من قَول الشَّجَرَة
والْآثَار عَن السّلف متواترة بِأَن دَاوُد سجد فَكل ساجد رَاكِع وَلَيْسَ كل رَاكِع ساجد فَإِنَّهُ إِذا سجد من قيام انحنى انحناء الرَّاكِع وَزَاد فَإِنَّهُ يصير سَاجِدا وَلَو صلى قَاعِدا أَيْضا انحنى انحناء الرُّكُوع وَزَاد فَإِنَّهُ يصير سَاجِدا فالساجد رَاكِع وَزِيَادَة فَلهَذَا جَازَ أَن يُسمى رَاكِعا وَأَن يَجْعَل الرُّكُوع نَوْعَيْنِ رُكُوعًا خَفِيفا وركوعا تَاما فالقيام هُوَ السُّجُود بِخِلَاف لفظ السُّجُود فَإِنَّهُ إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي غَايَة الذل والخضوع وَهَذِه حَال الساجد لَا الرَّاكِع
[ ١ / ٣٤ ]
لَكِن لَيْسَ من شَرط السُّجُود مُطلقًا أَن يصل إِلَى الأَرْض فقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته قبل أَي وَجه تَوَجَّهت بِهِ ويوتر عَلَيْهَا غير أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَة
وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن الْمُسَافِر الرَّاكِب يتَطَوَّع على رَاحِلَته وَيجْعَل سُجُوده أَخفض من رُكُوعه وَإِن كَانَ لَا يسْجد على مُسْتَقر وَكَذَلِكَ الْخَائِف قَالَ تَعَالَى وَإِن خِفْتُمْ فرجالا أَو ركبانا [سُورَة الْبَقَرَة ٢٣٩] يُصَلِّي إِلَى الْقبْلَة وَإِلَى غير الْقبْلَة ويومىء بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود وَلَا يصل إِلَى الأَرْض
فَعلم أَن الْهَيْئَة الْمَأْمُور بهَا فِي السُّجُود على الأَرْض وعَلى سَبْعَة أَعْضَاء هِيَ أكمل سُجُود ابْن آدم وَله سُجُود لَا يسْجد فِيهِ على الأَرْض وَلَا على سَبْعَة بل يخْفض فِيهِ رَأسه أَكثر من خفض الرُّكُوع وَلِهَذَا كَانَ عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء لَو ركع فِي سُجُود التِّلَاوَة بَدَلا عَن السُّجُود لم يجزه وَلَكِن إِذا كَانَت السَّجْدَة فِي آخر السُّورَة فَلهُ أَن يفعل كَمَا ذكره ابْن مَسْعُود أَنه يَكْتَفِي بسجود الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينه وَبَينه إِلَّا الرُّكُوع وَهَذَا ظَاهر مَذْهَب أَحْمد وَمذهب أبي حنيفَة وَغَيرهمَا لَكِن قيل إِنَّه جعل الرُّكُوع مَكَان السُّجُود وَالصَّحِيح أَنه إِنَّمَا جعل سُجُود الصَّلَاة هُوَ المجزىء كَمَا لَو قَرَأَ فَإِن الرُّكُوع عمل فِيهِ فَلم يَجْعَل فصلا لَا سِيمَا وَهُوَ مُقَدّمَة للسُّجُود وَمن النَّاس من قَالَ فِي قصَّة دَاوُد إِنَّه خر سَاجِدا بعد مَا كَانَ رَاكِعا وَذكر أَن الْحُسَيْن بن الْفضل قَالَ لأبي عبد الله بن طَاهِر عَن قَوْله وخر رَاكِعا [سُورَة ص ٢٤] هَل يُقَال للراكع خر قَالَ لَا وَمَعْنَاهُ فَخر بعد مَا كَانَ رَاكِعا أَي سجد
[ ١ / ٣٥ ]
وَهَذَا قَول ضَعِيف وَالْقُرْآن إِنَّمَا فِيهِ وخر رَاكِعا لم يقل خر بعد مَا كَانَ رَاكِعا وَلَا كَانَ دَاوُد حِين تحاكموا إِلَيْهِ رَاكِعا بل كَانَ قَاعِدا معتدلا أَو قَائِما فَخر سَاجِدا وسؤال ابْن طَاهِر إِنَّمَا يتَوَجَّه إِذا أُرِيد بِالرُّكُوعِ انحناء الْقَائِم كركوع الصَّلَاة وَهَذَا لَا يُقَال فِيهِ خر
وَالْمرَاد هُنَا السُّجُود بِالسنةِ واتفاق الْعلمَاء فَالْمُرَاد خر سَاجِدا وَسَماهُ رُكُوعًا لِأَن كل ساجد رَاكِع لَا سِيمَا إِذا كَانَ قَائِما وَسُجُود التِّلَاوَة من قيام أفضل وَلَعَلَّ دَاوُد سجد من قيام وَقيل خر رَاكِعا ليبين أَن سُجُوده كَانَ من قيام وَهُوَ أكمل وَلَفظ خر يدل على أَنه وصل إِلَى الأَرْض فَجمع لَهُ معنى السُّجُود وَالرُّكُوع وَالسُّجُود عبَادَة تفعل مُجَرّدَة عَن الصَّلَاة وكسجود الشَّجَرَة وَسُجُود دَاوُد وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر وَسُجُود الْآيَات وَغير ذَلِك وَهل يشْتَرط لَهُ شُرُوط الصَّلَاة على قَوْلَيْنِ كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي ذَر أَنه قَالَ كنت فِي الْمَسْجِد حِين وَجَبت الشَّمْس فَقَالَ يَا أَبَا ذَر تَدْرِي أَيْن تذْهب الشَّمْس قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِنَّهَا تذْهب حَتَّى تسْجد بَين يَدي الله ﷿ فَتَسْتَأْذِن فِي الرُّجُوع فليؤذن لَهَا وَكَأَنَّهَا قد قيل لَهَا ارجعي من حَيْثُ جِئْت فترجع إِلَى مطْلعهَا فَذَلِك مستقرها ثمَّ قَرَأَ وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا [سُورَة يس ٣٨]
[ ١ / ٣٦ ]
فقد أخبر فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح بسجود الشَّمْس إِذا غربت واستئذانها وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَغَيره قَالَ أَبُو الْعَالِيَة مَا فِي السَّمَاء نجم وَلَا شمس وَلَا قمر إِلَّا يَقع سَاجِدا حِين يغيب ثمَّ لَا ينْصَرف حَتَّى يُؤذن لَهُ فَيَأْخُذ ذَات الْيَمين حت يرجع إِلَى مطلعه وَمَعْلُوم أَن الشَّمْس لَا تزَال فِي الْفلك كَمَا اخبر الله تَعَالَى بقوله وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون [سُورَة الْأَنْبِيَاء ٣٣] فَهِيَ لَا تزَال تسبح فِي الْفلك وَهِي تسْجد لله وتستأذنه كل لَيْلَة كَمَا أخبر النَّبِي ﷺ فَهِيَ تسْجد سجودا يُنَاسِبهَا وتخضع لَهُ وتخشع كَمَا يخضع ويخشع كل ساجد من الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس
وَكَذَلِكَ قَوْله فَمَا بَكت عَلَيْهِم السَّمَاء وَالْأَرْض [سُورَة الدُّخان ٢٩] بكاء كل شَيْء بِحَسبِهِ قد يكون خشيَة لله وَقد يكون حزنا على فِرَاق الْمُؤمن
روى ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن وهب أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم قَالَ قَالَ عَمْرو يَعْنِي ابْن دِينَار إِنِّي لَيْلَة أَطُوف بِالْبَيْتِ إِذْ سَمِعت حنين رجل بَين الأستار والكعبة وبكاءه وتضرعه فوقفت لأعرفه فَذهب ليل وَجَاء ليل وَهُوَ كَذَلِك حَتَّى كَاد يسفر فانكشف الستور عَنهُ فَإِذا هُوَ طَاوُوس ﵁ فَقَالَ من هَذَا عَمْرو قلت نعم أمتع الله بك قَالَ مَتى وقفت هَهُنَا قَالَ قلت مُنْذُ طَوِيل قَالَ مَا أوقفك قلت سَمِعت بكاءك فَقَالَ أعْجبك بُكَائِي قلت نعم قَالَ وطلع الْقَمَر فِي حرف أبي قبيس قَالَ وَرب هَذِه البنية إِن هَذَا الْقَمَر ليبكي من
[ ١ / ٣٧ ]
خشيَة الله وَلَا ذَنْب لَهُ وَلَا يسْأَل عَمَّا عمل وَلَا يجازى بِهِ فعجبت أَن بَكَيْت من خشيَة الله وَأَنا صَاحب الذُّنُوب وَهَذَا الْقَمَر يبكي من خشيَة الله وَقَرَأَ ابْن زيد ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب [سُورَة الْحَج ١٨] قَالَ فَلم يسْتَثْن من هَؤُلَاءِ أحدا حَتَّى جَاءَ ابْن آدم اسْتَثْنَاهُ فَقَالَ وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب [سُورَة الْحَج ١٨] قَالَ وَالَّذِي كَانَ هُوَ أَحَق بالشكر هُوَ أكفرهم ثمَّ قَرَأَ وَمن الْجبَال جدد بيض وحمر مُخْتَلف ألوانها وغرابيب سود وَمن النَّاس وَالدَّوَاب والأنعام مُخْتَلف ألوانه كَذَلِك إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء [سُورَة فاطر ٢٧ - ٢٩] قَالَ وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي دينهم كَمَا اخْتلف الْأَولونَ