وَالَّذين فسروا السُّجُود بالخضوع والإنقياد لَهُم فِي سجودها قَولَانِ أَحدهمَا أَنه كَونهَا مصنوعة مخلوقة منقادة لمشيئة الله واختياره كَمَا قَالُوا فِي تسبيحها مثل ذَلِك وَأَنه شهادتها ودلالتها على الْخَالِق قَالَ أَبُو الْفرج فِي قَوْله وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض [سُورَة الرَّعْد ١٥] الساجدون على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا من يعقل فسجوده عبَادَة وَالثَّانِي من لَا يعقل فسجوده بَيَان أثر الصَّنْعَة فِيهِ والخضوع الَّذِي يدل على أَنه مَخْلُوق هَذَا قَول جمَاعَة من الْعلمَاء وَاحْتَجُّوا بِالْبَيْتِ الْمُتَقَدّم
* ترى الأكم فِيهِ سجدا للحوافر *
قَالَ وَأما الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب فألحقها جمَاعَة بِمن يعقل قَالَ
[ ١ / ٤١ ]
أَبُو الْعَالِيَة سجودها حَقِيقَة مَا مِنْهَا غارب إِلَّا خر سَاجِدا بَين يَدي الله ﷿ ثمَّ لَا ينْصَرف حَتَّى يُؤذن لَهُ قَالَ وَيشْهد لقَوْل أبي العاليه حَدِيث أبي ذَر وَذكره قَالَ وَأما النَّبَات وَالشَّجر فَلَا يَخْلُو سُجُوده من أَرْبَعَة أَشْيَاء أَحدهَا أَن يكون سجودا لَا نعلمهُ وَهَذَا إِذا قُلْنَا بردعه فيهمَا وَالثَّانِي أَنه تفيؤ ظلاله وَالثَّالِث بَيَان الصَّنْعَة فِيهِ وَالرَّابِع الإنقياد لما سخر لَهُ
قلت الثَّالِث وَالرَّابِع من نمط وَاحِد وَهُوَ كالمتقدم وَأما السُّجُود الَّذِي لَا نعلمهُ فَهُوَ كَمَا ذكره الْبَغَوِيّ وَقَالَ الْبَغَوِيّ أَيْضا فِي قَوْله وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله [سُورَة الْبَقَرَة ٧٤] فَإِن قيل الْحجر لَا يفهم فَكيف يخْشَى قيل الله يفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه قَالَ وَمذهب أهل السّنة أَن لله علما فِي الجمادات وَسَائِر الْحَيَوَانَات سوى الْعُقَلَاء لَا يقف عَلَيْهِ غَيره وَلها صَلَاة وتسبيح وخشية كَمَا قَالَ ﷿ وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَقَالَ تَعَالَى وَالطير صافات كل قد علم صلَاته وتسبيحه وَقَالَ ألم ترأن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم الْآيَة فَيجب على الْمَرْء الْإِيمَان بِهِ ويكل علمه إِلَى الله تَعَالَى وَذكر الحَدِيث الصَّحِيح عَن جَابر بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن أبْعث وَإِنِّي لأعرفه الْآن وَذكر حَدِيث حنين الْجذع وطرقه صِحَاح مَشْهُورَة وروى عَن السّديّ
[ ١ / ٤٢ ]
عَن أبي عباد بن أبي يزِيد عَن عَليّ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة فخرجنا فِي نَوَاحِيهَا خَارِجا من مَكَّة بَين الْجبَال وَالشَّجر فَلم يمر بشجرة وَلَا جبل إِلَّا قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَقَالَ قَالَ مُجَاهِد لَا ينزل حجر من أَعلَى إِلَى أَسْفَل إِلَّا من خشيَة الله وَيشْهد لما قُلْنَا قَوْله تَعَالَى لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله [سُورَة الْحَشْر ٢١]
قلت وَأما تَفْسِير سجودها وتسبيحها بنفوذ مَشِيئَة الرب وَقدرته فيهمَا ودلالتها على الصَّانِع فَقَط فالإقتصار على هَذَا بَاطِل فَإِن هَذَا وصف لَازم دَائِم لَهَا لَا يكون فِي وَقت دون وَقت وَهُوَ مثل كَونهَا مخلوقة محتاجة فقيرة إِلَى الله تَعَالَى وعَلى هَذَا فالمخلوقات كلهَا لَا تزَال سَاجِدَة مسبحة وَلَيْسَ المُرَاد هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق [سُورَة ص ١٨] وَقَالَ وَالطير محشورة كل لَهُ أواب [سُورَة ص ١٩] وَقَالَ كل قد علم صلَاته وتسبيحه [سُورَة النُّور ٤١] فقد أخبر ﷾ عَنهُ أَنه يعلم ذَلِك ودلالتها على الرب يُعلمهُ عُمُوم النَّاس
وَأَيْضًا فقد أخبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن من كَلَام الهدهد والنمل وَأَن سُلَيْمَان
[ ١ / ٤٣ ]
علم منطق الطير بِمَا يدل على الإختصاص وَهَذَا فِي الْحَيَوَان
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جعل الْجَمِيع يسْجد ثمَّ قَالَ وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب [سُورَة الْحَج ١٨] وَهَذَا الْمَعْنى يشْتَرك فِيهِ جَمِيع الْمَخْلُوقَات دَائِما وَهُوَ وصف لَازم لكل مَخْلُوق لَا يزَال مفتقرا إِلَى الْخَالِق وَلَا يزَال دَالا عَلَيْهِ وَلَا يزَال منقادا لما يَشَاء الرب
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قسم السُّجُود إِلَى طوع وَكره وانفعالها لمشيئة الرب وَقدرته لَا يَنْقَسِم إِلَى طوع وَكره وَلَا يُوصف ذَلِك بطوع مِنْهَا وَلَا كره فَإِن دَلِيل فعل الرب فِيهَا لَيْسَ هُوَ فعل مِنْهَا أَلْبَتَّة
وَالْقُرْآن يدل على أَن السُّجُود وَالتَّسْبِيح أَفعَال لهَذِهِ الْمَخْلُوقَات وَكَون الرب خَالِقًا لَهَا إِنَّمَا هُوَ كَونهَا مخلوقة للرب لَيْسَ فِيهِ نِسْبَة أَمر إِلَيْهَا يبين ذَلِك أَنه خص الظل بِالسُّجُود بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال والظل مَتى كَانَ وَحَيْثُ كَانَ مَخْلُوق مربوب وَالله تَعَالَى جعل الظُّلُمَات والنور وَالْقَوْل الَّذِي ذكره الْبَغَوِيّ أقرب من القَوْل الَّذِي ذكره أَبُو الْفرج وَهُوَ سُبْحَانَهُ تَارَة يَجْعَلهَا آيَات لَهُ وَتارَة يَجْعَلهَا سَاجِدَة مسبحة وَهَذَا نوع غير هَذَا
وعَلى هَذَا القَوْل الْجَمِيع وَاحِد لَيْسَ فِي كَونهَا سَاجِدَة مسبحة إِلَّا كَونهَا آيَة دَالَّة وشاهدة للخالق تَعَالَى بصفاته لكَونهَا مفعولة لَهُ وَهَذَا معنى ثَابت فِي الْمَخْلُوقَات كلهَا لَازم لَهَا وَهِي آيَات للرب بِهَذَا الإعتبار وَهِي شَوَاهِد وَدَلَائِل وآيات بِهَذَا الإعتبار لَكِن ذَاك معنى آخر كَمَا يفرق بَين كَون الْإِنْسَان مخلوقا وَبَين كَونه عابدا لله فَهَذَا غير هَذَا هَذَا يتَعَلَّق بربوبية الرب لَهُ وَهَذَا يتَعَلَّق بتألهه وعبادته للرب
وَالْبَيْت الَّذِي اسْتشْهدُوا بِهِ وَهُوَ قَوْله
* ترى الأكم فِيهَا سجدا للحوافر *
[ ١ / ٤٤ ]
فَإِنَّمَا ذكر سُجُود الأكم للحوافر وَذَلِكَ خضوعها وانخفاضها لَهَا فَهَذَا خضوع جماد لجماد وَلَا يلْزم أَن يكون سَائِر أَنْوَاع الخضوع مثل هَذَا وَإِنَّمَا يشْتَرك فِي نوع الخضوع وَلَيْسَ خضوع الْمَخْلُوقَات للخالق مثل هَذَا وَإِن قيل هُوَ انفعالها لمشيئته وَقدرته بل ذَاك نوع أبلغ من هَذَا فَلَا يجب أَن يكون سجودها بِغَيْر خضوع مِنْهَا وَطَاعَة وَلَكِن هَذَا الْبَيْت يَقْتَضِي أَنه لَا يجب أَن يكون سُجُود كل شَيْء وَضعه رَأسه بِالْأَرْضِ وَهَذَا حق بل هُوَ خضوع للرب يُنَاسب حَاله وَقد قيل لسهل بن عبد الله أيسجد الْقلب قَالَ نعم سَجْدَة لَا يرفع رَأسه مِنْهَا أبدا وَأهل الْجنَّة فِي الْجنَّة قد ألهموا التَّسْبِيح كَمَا ألهموا النَّفس فِي الدُّنْيَا وكما يلهم أهل الدُّنْيَا النَّفس وهم خاضعون للرب مطيعون لَهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ سُجُود بِوَضْع رَأس فِي الأَرْض فَهَذَا أَمر بِهِ فِي الدُّنْيَا لحَاجَة النَّفس إِلَيْهِ فِي خضوعها لله تَعَالَى فَلَا تكون خاضعة إِلَّا بِهِ بِخِلَاف حَالهَا فِي الْجنَّة فَإِنَّهَا قد زكتْ وصلحت
آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا
[ ١ / ٤٥ ]