وَهَذِه الْآيَات كَمَا تناولت ذمّ الَّذين جعلُوا لَهُ شَرِيكا وَولدا فَتَنَاولهَا لذم هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة أعظم فَإِن الْقَائِلين بقدم الْعَالم وَأَنه مَعْلُول جَعَلُوهُ كُله وَالدّلَالَة قَدِيما أزليا مَعَه وَهَذَا أعظم من قَول أُولَئِكَ وَالَّذين لم يَجْعَلُوهُ معلولا لَهُ قَالُوا إِنَّه قديم مَعَه وَاجِب الْوُجُود مماثل لَهُ بل وَجعلُوا الْفلك هُوَ الَّذِي تحدث عَنهُ الْحَوَادِث لَكِن حركته للشبه بِهِ وَهَذَا أعظم من كل شرك فِي الْعَالم وَمن شرك الْمَجُوس والحرنانيين فَإِن أُولَئِكَ وَإِن جعلُوا مَعَه قَدِيما إِمَّا الظلمَة وَهِي إِبْلِيس عِنْد الْمَجُوس وَإِمَّا النَّفس والهيولي عِنْد الحرنانيين فهم يَقُولُونَ إِنَّه أحدث الْعَالم وَأَنه رَكبه من النَّفس والهيولي الْقَدَمَيْنِ ورحبه من أَجزَاء النُّور والظلمة
وَلِهَذَا ذكر مُحَمَّد بن كَعْب وَغَيره عَن الْمَجُوس والصابئة أَنهم قَالُوا عَن الله لَوْلَا أولياؤه لذل فَأنْزل الله تَعَالَى وَلم يكن لَهُ ولي من الذل [سُورَة الْإِسْرَاء ١١١] فَإِنَّهُم يجعلونه مُحْتَاجا إِلَى من يعاونه إِذْ كَانَ
[ ١ / ١٠٦ ]
مَغْلُوبًا من وَجه مَعَ القدماء مَعَه كَمَا هُوَ غَالب من وَجه
وَكفر أُولَئِكَ أعظم فَإِنَّهُم لم يجْعَلُوا لَهُ تَأْثِيرا فِي الْفلك وَلَا تَصرفا بِوَجْه من الْوُجُوه فَهَؤُلَاءِ تنقصوه وسلبوه الربوبية والإلهية أعظم من أُولَئِكَ وجعلوه مَعَ الْفلك مَغْلُوبًا من كل وَجه لَا بِقدر أَن يفعل فِيهِ شَيْئا وكقول عَبدة الْأَوْثَان هُوَ أجل من أَن نعبده بل نعْبد الوسائط وَهُوَ أجل من أَن يبْعَث بشرا رَسُولا فجحدوا توحيده ورسالته على وَجه التَّعْظِيم لَهُ وَكَذَلِكَ الْمَجُوس الثنوية أثبتوا الظلمَة تَنْزِيها لَهُ عَن فعل الشَّرّ والحرنانيون أثبتوا مَعَه النَّفس والهبلوي قديمين تَنْزِيها لَهُ عَن إِحْدَاث الْعَالم بِلَا سَبَب فالأمم كلهم يعظمونه لَكِن تَعْظِيمًا يسْتَلْزم شُبْهَة وسبة