يعلم بما به يعلم أن هذا كلامه، وأن المبلغ صادق، مثل كونهم لا يقدرون على الإتيان بمثله ولا بمثل عشر سورٍ منه ولا سورة واحدة، وما امتاز به من الوصف الذي باين به كلام المخلوقين مما هو معلوم بالعقل والفطرة. كما أصاب عتبة بن ربيعة ونحوه من أكابر عقلاء قريش لمّا سمعوا منه (حم (١) تنزيل من الرحمن الرحيم (٢» (^١)، وكما قال فيه عاقلُهم وفيلسوفُهم ورئيسُهم الوليد بن مغيرة (^٢)، وغير ذلك.
فالكفاية هنا تُشبِه الكفاية في قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله) إلى قوله: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (^٣). فنزولُ الكتاب يتلَى عليهم آية كافية، وهو شهادة الله بما أخبر فيه، وبأن الرسول رسولُه، «أولم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيد (٥٣». فهذا ونحوه طرق يُعلَم بها شهادةُ الله.
وثَمَّ طرقٌ أخرى، وهي إخبار رسل الله المتقدمين، وإخبار أممهم عنهم بمثل ما أخبر به هذا الرسول، فلذلك قال: (قُل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم وَمَن عِندَه عِلْمُ اَلكِتَبِ) (^٤)، وقال:
_________________
(١) سورة فصلت: ١ - ٢. وخبر عتبة رواه ابن إسحاق باسناد منقطع، انظر "سيرة ابن هشام" (١/ ٢٩٣،٢٩٤). وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٧) وأبو نعيم في "الدلائل" (١/ ٢٣٤) والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣) موصولًا من حديث جابر. وهو حديث حسن.
(٢) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧) والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ١٩٨ - ١٩٩) من حديث ابن عباس. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد"، وقال البيهقي بعد إيراده من عدة طرق: "كلّ ذلك يؤكد بعضه بعضًا".
(٣) سورة العنكبوت: ٥٠ - ٥١.
(٤) سورة الرعد: ٤٣.
[ ١ / ١٤٦ ]
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ) (^١)، وقال: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ) (^٢)، وقال: (أَم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) إلى قوله: (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) (^٣).
فالقرآن قد أخبر الله فيه بأمور، وإخباره بها شهادته بها، وكفى بالله شهيدًا، فنفسُ إخباره وشهادته بما شهد به من أمر الربوبية والرسالة والثواب والعقاب وأحوال أوليائه وأعدائه كافٍ، وهو الطريق السمعية. وقد قال: (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) (^٤). فهذه الطريق البصرية التي قد تُسمَّى العقل، وهو أن يرد في أنفسهم وفي الآفاق ما يدلُهم على مثل ما دلَّ عليه القرآن، فيروا حالَ المؤمنين بمحمدٍ وحالَ الكافرين به كما أُخْبِروا به عن المتقدمين، ويروا أيضًا حالَهم إذا آمنوا أو كفروا، ويروا أيضًا الدلائل الدالة على وحدانية الخالق وصفاته التي شهد بها الرب.
فالكلام في شيئين: في أن القرآن منزل من عند الله، وهذا قد شهد به الله بما أتى به، وسيُريهم آياتٍ يعاينونها تُبيِّن أنه منزل من عند الله. والثاني: الكلام فيما أخبر به القرآن أيضًا كما تقدم، وأن الحق يتناول نسبته إلى الله، ويتناول أنه صدق في نفسه، واللهُ شهيد بالأمرين، وقد أرى آياتِه على الأمرين.
_________________
(١) سورة الأحقاف: ١٠.
(٢) سورة الشعراء: ١٩٧.
(٣) سورة البقرة: ١٤٠.
(٤) سورة فصلت: ٥٣.
[ ١ / ١٤٧ ]