فصل
سورة حم السجدة مشتملة على تقرير أمر القرآن بما تضمنه أصول الإيمان، التي هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورُسُلِه واليوم الآخر، بذلك فُتِحتْ وبذلك خُتِمتْ. كما أنّ سورة الشورى أيضًا بدأتْ بالوحي، وختمتْ بالوحي المتضمن للقرآن والإيمان.
قال تعالى: (حم (١) تنزيل من الرحمن الرحيم (٢) كتاب فصلت آياته قُرْءَانًا عَرَبيًّا لقوم يَعْلَمُونَ (٣» (^١) في ذكر القرآن ومستمعيه، إلى قوله: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه) (^٢) يتضمن الإخلاص والتوحيد والنبوة. وجماع الأمر الاستقامة إليه والاستغفار، كما في قوله: (فأعلم أنه لا إله إلا الله وَاَسْتَغفر لِذَنبِك) (^٣)، وكما قال: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) (^٤).
وذم المشركين الذين لا يؤتون الزكاة، فإن الشرك ضد الاستقامة إليه، التي هي الإخلاص، كما فسَّر أبو بكر الصديق قوله: (إِنَّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (^٥) قال: استقاموا إليه، فلم يلتفتوا يمينًا ولا شمالًا. فإن المستقيم ضدّ الزائغ، فالمستقيم إليه ضدّ الزائغ عنه، والزائغُ عنه المشرك به. وعدمُ إيتاء الزكاةِ - وهو ما تزكو به
_________________
(١) سورة فصلت: ١ - ٣.
(٢) الآية: ٦.
(٣) سورة محمد: ١٩.
(٤) سورة هود: ٣.
(٥) سورة فصلت: ٣٠.
[ ١ / ١٤٣ ]
النفوسُ من الذنوب فتصير زكيَّةً - ضِدُّ الاستغفار الذي يمحو الذنوب، فتزكو النفوس. ففي ذلك جمعٌ بين الإخلاص والعمل الصالح، وهو الإيمان والعمل الصالح وإسلام الوجه لله مع الإحسان.
وكل واحد من التوبة والصدقة يمحو الذنوب، كما قال النبي - ﷺ -: "الصدقةُ تُطفِئ الخطيئةَ كما يُطفِئ الماءُ النارَ" (^١). ولهذا قال سبحانه: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) (^٢)، وقال في التوبة: (إنَ الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (^٣)، وفي الصدقة: (خُذ مِن أموالهم صدقة تطهرهم تزكيهم بِهَا) (^٤).
ثمَّ ذكر تقرير الربوبية بخلق السماوات والأرض وما فيهما، وبدء العالم. ثم ذكر أخبار الأشقياء والسعداء في الدنيا والآخرة، فذكر الوعيد في الدنيا بقصّ الأمم المتقدمة، وفي الآخرة بذكرِ ما يكون في القيامة، فقال: (فَإِنْ أَعرَضوْا فَقُل أَنذَرتُكمُ صاعِقَة) (^٥) إلى قوله: (وَيومَ يُحشَرُ) (^٦)، فيشبه والله أعلم أي "وأنذرتكم يومَ يُحشَر"، وقد يقال: "واذكرْ يوم يحشر"، إلى قوله: (إِنَّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (^٧)، فإنه ذكر حشر حالهم في الدنيا والآخرة، كما ذكر سوء مُنقلَبِ أولئك في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١) والترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣) من حديث معاذ بن جبل. وهو حديث صحيح.
(٢) سورة التوبة: ١٠٤.
(٣) سورة البقرة: ٢٢٢.
(٤) سورة التوبة: ١٠٣.
(٥) سورة فصلت: ١٣.
(٦) الآية: ١٩.
(٧) الآية: ٣٠.
[ ١ / ١٤٤ ]
ثمَّ ذكر الدين المأمور به، وهو الخلق العظيم، وهو دين الإسلام، ليجمع بين إسلام الوجه لله وبين العمل الصالح بين القصد والعمل، ملة إبراهيم ودين محمد - ﷺ - تسليمًا. ثم قرَّر البعث بالدليل.
ثمَّ عاد إلى مخاطبةِ الكافرين بالذكر وتقرير أمره، فقال: (إِنَّ الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا) (^١) إلى قوله: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (٤١» (^٢) إلى قوله- وهو كان المقصود بالكلام هنا -: (قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به مَن أَضَل مِمَّن هُوَ في شِقَاق بَعِيد (٥٢» (^٣)، فإن الضمير عائد إلى الكتاب، وهو القرآن.
ثم قال: (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيد (٥٣» (^٤)، فالضمير في قوله (أنه الحق) هو الضمير في قوله (إن كان من عند الله ثم كفرتم بِه)، وذلك هو القرآن، أي حتى يتبين لهم أن الكتاب هو الحق لا ما خالفه.
ثم قال: (أولم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيد (٥٣» (^٥) أي أولم يكفِ بشهادته عليه أنه منزل من عند الله، من الآيات المرتبة في الآفاق وفي الأنفس، كما قال: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا (١٦٦» (^٦). وشهادة الله تعالى
_________________
(١) الآية: ٤٠.
(٢) الآية: ٤١.
(٣) الآية: ٥٢.
(٤) الآية: ٥٣.
(٥) الآية السابقة.
(٦) سورة النساء: ١٦٦.
[ ١ / ١٤٥ ]