صبر على الطاعة حتى يفعلَها، فإن العبد لا يكاد يفعل المأمورَ به إلاّ بعد صبرٍ ومصابرةٍ، ومجاهدةٍ لعدوّه الظاهر والباطن، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤُه للمأمورات وفِعلُه للمستحبات.
النوع الثاني: صبرٌ عن المنهي حتى لا يفعلَه، فإنّ النفسَ ودواعيها وتزيين الشيطان وقُرَناء السوء تأمرُه بالمعصية، وتُجَزِّئُه عليها، فبحسب قوة الصبر يكون تركُه لها. قال بعض السلف (^٢): أعمالُ البِرِّ يَفعلُها البَرُّ والفاجر، ولا يَقدِرُ على ترك المعاصي إلاّ صدِّيق.
النوع الثالث: الصبر على ما يُصِيبُه بغير اختيارِه من المصائب، وهي نوعان:
نوع لا اختيارَ للخلقِ [فيه]، كالأمراضِ وغيرِها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها، لأن العبْدَ يشهدُ فيها قضاءَ اللهِ وقدرَه، وأنه لا مدخلَ للناس فيها، فيصبر إمّا اضطرارًا وإمّا اختيارًا، فإن فتحَ الله على قلبه بابَ الفكرةِ في فوائدِها، وما في حَشوِها من النِّعَم والألطاف، انتقلَ من الصبر عليها إلى الشكر لها والرضا بها، فانقلبت حينئذٍ في حقه نعمةً، فلا يزالُ هِجيْرَا قلبه ولسانِه فيها: "رب أَعِني على ذكرِك وشكرك وحسنِ عبادتك" (^٣). وَهذا يقوى ويضعف بحسب قوةِ محبة العبد لله وضعفِها، بل هذا يجد أحدنا في الشاهد،
_________________
(١) انظر كلام المؤلف في "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٥٧٤ - ٥٧٧، ١٤/ ٣٠٤ - ٣٥٦).
(٢) هو سهل التستري، كما روى عنه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢١١).
(٣) من الأدعية المأثورة، أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤،٢٤٧) وأبو داود (١٥٢٢) والنسائي (٣/ ٥٣) عن معاذ بن جبل.
[ ١ / ١٦٦ ]
كما قال بعض الشعراء (^١) يخاطب محبوبًا له نالَه ببعض ما يكره:
لئِنْ سَاءَني أن نِلتَني بمَسَاءةٍ لقد سَرَّني أنّي خَطَرتُ ببالِكا
النوع الرابع (^٢): ما يحصل له بفعل الناس في ماله أو عِرضِه أو نفسِه، فهذا النوع يَصعُب الصبرُ عليه جدًّا، لأنّ النفس تستشعِرُ المُؤذيَ لها، وهي تكره الغلبة، فتَطلبُ الانتقام، فلا يَصبِر على هذا النوع إلاّ الأنبياء والصدّيقون.
وكان نبينا - ﷺ - إذا أُوذِي يقول: "يَرحمُ اللهُ موسى، لقد أُوذِي بأكثر من هذا فصَبر" (^٣). وأَخبَر عن نبي من الأنبياء أنه ضربَه قومُه، فجعلَ يقول: "اللهم اغفِرْ لقومي، فإنهم لا يعلمون" (^٤). وقد رُوي عنه - ﷺ - أنه جرى له مِثلُ هذا مع قومه، فجعل يقول مِثلَ ذلك (^٥). فجمع في هذا ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون.
وهذا النوع من الصبر عاقبتُه النصرُ والهُدى والسُّرور والأمنُ، والقوة في ذاتِ الله، وزيادة محبةِ الله ومحبة الناس له، وزيادة العلم.
_________________
(١) هو ابن الدمينة، والبيت من قصيدة مشهورة له بعضها في حماسة أبي تمام (٢/ ٦٢ - ٦٣)، وتمامها في ديوانه (ص ١٣ - ١٨)، وهناك التخريج. وقد وجدت القصيدة في ٢١ بيتًا في "الفصوص" لصاعد (١/ ٦٧ - ٧٠). وفي جميع المصادر قافيتها كاف مكسورة.
(٢) كذا في الأصل، والأولى أن يكون "الثاني" من نَوعَي المصائب.
(٣) أخرجه البخاري (٣١٥٠،٣٤٠٥ ومواضع أخرى) ومسلم (١٠٦٢) عن ابن مسعود.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٧٧،٦٩٢٩) ومسلم (١٧٩٢) عن ابن مسعود.
(٥) أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد، كما في "مجمع الزوائد" (٦/ ١١٧). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ١٦٧ ]