مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذه مجموعة من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاواه ومسائله التي لم تنشر من قبل، استخرجتها من مجاميع مخطوطة في مكتبات عديدة، بعد العكوف عليها طويلًا ومراجعة الرسائل الموجودة فيها والتمييز بين ما طبع منها وما لم يطبع. وقد كان يُظَن إلى عهد قريب أن أكثر آثار شيخ الإسلام الموجودة في المكتبات طبعت ونشرت ضمن مجاميع ومؤلفات مستقلة، وإذا بي أقف على عددٍ من كتبه الكبيرة ورسائله الصغيرة لم يُنشَر حتى الآن، وخاصةً تلك التي وصلت إلينا بخطه المعروف الذي يصعب قراءته حتى على المتخصصين في قراءة الخطوط القديمة. فأحببتُ أن أسهم في نشر ما وقفتُ عليه منها.
وهذه المجموعة الأولى من سلسلةٍ تضم رسائل وفتاوى وقواعد مختلفة سميتُها "جامع المسائل".
وقد سبق أن نُشِر عدد كبير من مؤلفات شيخ الإسلام ورسائله في كتب مستقلة وضمن مجاميع، وفي الآونة الأخيرة زاد الاهتمام بنشر مؤلفاته، وتسابق الناشرون والمحققون إلى طبعها أكثر من مرة، واستلّ كثير منهم بعض الكتب والرسائل من "مجموع الفتاوى" (طبعة الرياض)، ونشروها بدون الرجوع إلى المخطوطات القديمة التي وصلت إلينا بخط المؤلف أو أحد تلاميذه. وذلك لعدم وجود فهرس
[ ١ / ٥ ]
وافٍ بجميع مؤلفات شيخ الإسلام، ونسخها الخطية وأماكن وجودها، وطبعاتها المختلفة التي ظهرت حتى الآن، وما صدر حولها من دراسات، على نحو مؤلفات الغزالي وابن سينا وابن رشد وغيرهم.
وقد صنع بعض الباحثين قوائم لمؤلفات شيخ الإسلام في مقدمات كتبه المنشورة أو في دراسات مفردة، ولكنها ليست وافيةً بالمقصود، وفيها من الأوهام والخلط والتكرار ما يحتاج بيانه إلى دراسة مستقلة.
وقلَّما انتبه أصحابها إلى أنَ ما ذُكر في المصادر القديمة بعنوان توجد نسخه الخطية في مكتبات العالم بعنوان/عناوين ونُشِر بعنوان/عناوين في رسالة مفردة أو ضمن مجاميعِ. وأذكر هنا مثالا واحدا، فالرسالة "البعلبكية" (التي ذكرها ابن رُشيِّق وابن عبد الهادي) توجد منها عدة نسخ خطية أقدمُها بعنوان "رسالة في العقائد" (قُرِئَتْ على المؤلف سنة ٧١٨، وعليها إجازته بخطه).
وهناك نسخ أخرى بعناوين مختلفة. وقد طبعت ضمن "مجموعة الرسائل" (ط. القاهرة ١٣٢٨) بعنوان "الرسالة البعلبكية"، وفي "مجموعة الرسائل المنيرية" (٢/ ٥٠ - ٨٣) بعنوان "قاعدة نافعة في صفة الكلام"، وفي "مجموعة الرسائل والمسائل" (٣/ ٨٩ - ١١٢) بلا عنوان، وفي "مجموع الفتاوى" طبعة الرياض (١٢/ ١١٧ - ١٦١) كذلك غُفْلًا من العنوان. فالذي يتصدّى لذكر المؤلفات يذكر هذه الرسالة بعناوين مختلفة، ويظنها كتبًا مستقلةً، ثم لا يعرف أنها المنشورة ضمن "مجموع الفتاوى".
هذا ما دَفَعني منذ مدة إلى البحث والتنقيب عن مؤلفات شيخ الإسلام في مجاميع غير معروفة، وفي مكتباتٍ لم تنشر فهارسها حتى الآن أو نُشِرتْ حديثًا. ولدفي النية أن أتجه إلى حَصْر جميع المخطوطات
[ ١ / ٦ ]
والمطبوعات وما نُشِر حولها من دراسات، في كتاب يضمّ بين دفَّتَيه - إن شاء الله - عناوينَ جميع مؤلفات شيخ الإسلام، وما وَصَل إلينا منها مخطوطًا ومطبوعًا، وما تُرجم منها إلى لغات أخرى، وما عُمِل حولها من شروح أو اختصارات أَو دراسات. أدعو الله أن يعينني على إكمال هذا المشروع، وأن يوفقني لنشر ما لم ينشر من تراث الشيخ وإكمال ما نشر ناقصًا ومشوَّهًا، ويجعل هذا العمل نافعًا للعلماء والباحثين وعامة المسلمين.