استشعر الشيخ أحمد شاكر القيمة العلمية لتفسير ابن كثير - ﵀ - فطفق يقول: "تفسير الحافظ ابن كثير أحسن التفاسير التي رأينا وأجودها وأدقها، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري.
ولسنا نوازن بينهما وبين أيّ تفسير آخر مما بأيدينا، فما رأينا مثلهما ولا ما يقاربهما" (١).
لذا صحت عزيمة الشيخ أحمد شاكر على العناية بهذا التفسير العظيم؛ فشرع في اختصاره بعد طول تردد، وعمق تفكير، وكثرة استشارة.
وكان الباعث لذلك عدم انتفاع الناس بهذا التفسير العظيم، لما امتلأت به طبعاته من غلط وتحريف، وقد أشار الشيخ في مقدمة الكتاب لهذه الطبعات وما فيها من أغلاط، وأفرد الشيخ أحمد مخطوطة الأزهر بالوصف وجعلها أصلًا لتصحيح نصوص الكتاب، ثم كشف عن منهجه في هذا الاختصار، وهو منهج متميز متفرد، حافظ فيه على نَفَس ابن كثير - ﵀ - قال أحمد شاكر - ﵀ -: "حافظت على آراء الحافظ المؤلف وترجيحاته في تفسير الآيات، مجتهدًا في إبقاء كلامه بحروفه ما استطعت" (٢). ومن
_________________
(١) مقدمة أحمد شاكر لعمدة التفسير (ص ٣).
(٢) مقدمة أحمد شاكر لعمدة التفسير (ص ٦).
[ ١ / ٦٩ ]
منهجه في الاختصار نفي كل الأخبار الإسرائيلية وما أشبهها، ثم اختار من الأحاديث التي يذكرها ابن كثير أصحها وأقواها إسنادًا، وأوضحها لفظًا، وحذف من الكتاب أسانيد الأحاديث، وكل حديث ضعيف أو معلول إلا أن يكون إثباته في موضعه ضرورة عملية لرفع شبهة، وحذف المكرر من أقوال الصحابة في التفسير، وكثيرًا من آراء التابعين، اكتفاءً ببعضها، وتحلّى في ذلك كله بالأمانة العلمية، وترجم للحافظ ابن كثير وذكر مصادر ترجمته، وأثبت ثلاث صور من مخطوطات الكتاب، وقد صنع في آخر كل جزء فهرسًا للأحاديث المرفوعة وما في حكمها على مسانيد الصحابة، وفهرسًا ثانيًا لموضوعات الكتاب، ولكن المنية اخترمت الشيخ قبل إتمام هذا المختصر، حيث انتهى فيه إلى الآية الثامنة من سورة الأنفال ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.
وقد طُبع الكتاب في دار المعارف بمصر فيما بين سنة ١٩٥٧ - ١٩٥٨ م في خمسة أجزاء.
قال الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله -: " .. ومَوقِفًا من قبل للعالم المتفنن المتقن الشيخ أحمد شاكر المتوفى في سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - الذي سماه: (عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير) هو عمدة لدى أهل العلم، وما زالوا يستمعون في كل حين وآخر، نبأ من يجري الله على يديه إتمام هذين الكتابين الجليلين (١)، على
_________________
(١) أحدهما: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة الشيخ محمد الأمين =
[ ١ / ٧٠ ]
الجادة: بصيرة العالم المتفنن، وأمانة المفسر، ونفس المحدث، وفقه النفس
هذا ولم نسمع ولم نر أن واحدًا من أهل الأرض استطاع أن ينال منهما بحق، ومن فعل فقد شان نفسه، وأزرى عليها، والعصمة لرُسل الله عليهم الصلاة والسلام" (١).