محمد حامد بن سيد أحمد عبده الفقي، ولد سنة ١٣١٠ هـ، وحفظ القرآن في صغره، ودرس في الأزهر، وفي سنة ١٣٤٥ هـ، أسس جماعة أنصار السنة المحمدية، وأخذ على عاتقه الدعوة للعقيدة السلفية، ثم سافر إلى مكة ودرس فيها زهاء ثلاث سنوات، ثم رجع إلى مصر، وأنشأ مجلة الهدي النبوي، ثم أنشأ مطبعة السنة المحمدية، وعُني بنشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وبعض كتب الحنابلة، وتوفي - ﵀ - سنة ١٣٧٨ هـ.
والإخاء بين الشيخين أحمد شاكر ومحمد الفقي امتد لأكثر من ثمان وأربعين سنة، وكانا أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في مصر، وصدرا عن رأي واحد وعقيدةٍ سليمة صافية في الاستمساك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وفي نصرة العقيدة السلفية، والذب عنها (٢).
ومع أن الشيخين الكريمين كانا جليسين لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين لا يكادان يتصارَمَان، إلا أنه في سنة ١٣٧٤ هـ، شاب هذه المودة ما يُكدَّر صفوها، وكان ذلك حين كتب الشيخ حامد
_________________
(١) انظر: تقدمة أحمد شاكر لشرح الطحاوية لابن أبي العز (ص ٧).
(٢) انظر: بيني وبين حامد الفقي (ص ١١).
[ ١ / ٢٦ ]
الفقي في مجلة الهدي النبوي تعليقًا على رسالة منشورة في المجلة، من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، فَهِمَ أحمد شاكر من هذا التعليق أنه يتضمن تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك، فكبُر عليه الأمر، فكتب مقالًا يوم الثلاثاء ٣ رمضان سنة ١٣٧٤ هـ، وأرسله بالبريد المسجّل، تبرئة لشيخ الإسلام من هذه التهمة، وأحفظ أحمد شاكر أن مقاله طُوي فلم ينشر، وأن عدد الهدي النبوي الجديد حمل مقالًا للشيخ حامد الفقي يبرأ فيه من رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب، ويتأول كلامه لينفي عن نفسه التهمة بطريقة لم تعجب أحمد شاكر.
فرأى أحمد شاكر أن يؤدي الأمانة التي اؤتمن عليها؛ فنشر كتابًا بعنوان (بيني وبين حامد الفقي)، أثبت فيه مقاله كاملًا، ومقال الشيخ الفقي كله، ثم تعقبه في بعض ما كتب.
وبعد أن صدر الكتاب فزع كثير من محبي الشيخين وحزنوا أشد الحزن، فكتب الشيخ حامد الفقي مقالًا بعنوان: (بيني وبين أخي الشيخ أحمد شاكر)، ومما جاء فيه: "أقول وأؤكد القول إن الذي جرى بيني وبين أخي العمر: هو الذي عليه عشنا ما عشناه، في ظل هذا الإخاء، المتين العرى، الوثيق الأواصر؛ لأنه نسج - بحمد الله - على نوْل العلم، وحِيكَ من خيوط مذهب السلف الصالح - ﵃ - واليد التي نسجته وحاكته: يد الكتاب والسنة. ونحن - بحمد الله، رغم أنف كل حاسد وحاقد - لا نزال نكتسي
[ ١ / ٢٧ ]
بهذا الثوب الكريم، وننعم بزينته وتقاه. ونسأل الله سبحانه أن يديم علينا ذلك الثوب سابغًا حتى نلقاه على ذلك. ولن نترك ثغرة لأيًّ ممن حاول أن يسعى بالوقيعة لتأجيج نار الفتنة.
وأخي الشيخ أحمد شاكر، يعلم علم اليقين: أن أخاه حامدًا أعرف الناس بفضله، وأشكر الناس لجميله، وأصبرهم على صداقته، وأحفظهم لعهده، وأحرصهم على وده، وأبعدهم عن مساءته، وأسرعهم إلى مسرته. ومهما نزغ الشيطان بيني وبينه، فالفيئة إلى معقِل الودِّ - إن شاء الله - سريعة، والإخاء السلفي كفيل بالإسراع إلى هذه الفيئة" (١).
وتجاوب أحمد شاكر مع كلمة حامد الفقي السابقة، وفاء إلى المودة الراسخة، فقال - ﵀ -: "أما وقد عتب عليّ الأخ الشيخ حامد الفقي فيما كتبتُ، فله العُتْبى. وما كنت لأرضى أن يكون بيننا اللدد في الخصومة. بل ما أرضى هذا بيني وبين أي إنسان، وليس من اليسير هدم الصداقة القديمة والأخوة في الله، وفي سبيل نصر الإسلام والحرب على أعدائه" (٢).