كانت أيام العيد هدنة سكنت فيها الأخبار المحاربة بمعانيها في أذهان الناس وعواطفهم، وانقطعت الصحف الأخبارية أيامًا عن الظهور، فانقطع أكثر الحديث عن الحرب المخيفة بأوهامها قبل حقائقها، وهدأ الناس.
أذكرتني هذه الأيام المسالمة بتأثير الحرب في الأدب، وحملت إليّ صورًا كثيرة مما قرأت في الصحف والمجلات الأدبية، ولا أدري، فيخيَّل إليّ أن المجلات الأدبية منذ بدأت الحربُ إلى اليوم قد أفرغت كثيرًا من صفحاتها للحرب، وشرحت صدرها لكثير مما يتعلق بها، ومع ذلك لا أكاد أجد إلا القليل من هذه الأحاديث يصلح أن يكون من أغراض المجلات الأدبية، وإنما هو بأغراض الصحف اليومية الأخبارية أليق وألصق. ومن الوهم المتفشِّي أن يدّعي مدع أن أثر الحرب لابد أن يكون كذلك، وأن مثل هذه الأحاديث هي سمة الحرب على أدب الأدباء، فإن أثرها في فكر العامة لا يكاد يخرج عن مثل ذلك. أما أثرها على الأدباء فهو أشد تغلغلًا في طوايا النفس، وأشد هزًّا لعواطف
_________________
(١) (*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد ٣٤٣) ١٩٤٠، ص: ١٨١ - ١٨٣
[ ١ / ٧٢ ]
الإنسانية. فإذا أقررنا أن الحرب إنما تتدافع في صدور الأدباء والشعراء ورجال الفن لتكون كالتيار الذي يتدافع بالبحر فينشئ له الأمواج المتصارعة المتدفقة مخافة أن يركد فيأسن، لم نجد بُدًّا من اعتبارها كالمدد للمعاني الخائفة التي تنزوي في كهوف النفس الإنسانية السامية الطامحة، تجرّؤها وتذمرها وتؤلبها من هنا وهنا لتتعارف وتتساند وتندفع إلى غمارها مجدة إلى المثل الأعلى الذي هو أحلام النفوس الرفيعة الدائبة أبدًا إلى الأغراض النبيلة.
فإذا كان ذلك كذلك، فأثر الحربِ إنما هو تنبيهٌ للمعاني والأغراض التي تحيك في صدور الأدباء والشعراء، وتطريقٌ للمسالك الغامضة التي يراد منهم أن يمهدوها ويكونوا أدلاء للناس في مجاهلها ومنكراتها. إن الصحف اليومية الأخبارية عليها أن تمد الناس بأخبار الحرب وصفاتها وصفات بلادها المتحاربة، وعواقبها الدانية أو البعيدة لأحداثها، ولكن مهمة الأدباء الذين يمارسون تحرير المجلات الأدبية أن يتعقبوا مَعاني أسْمَى من هذه المعاني المبتذلة التي توضَعُ عن أفكار الناس حين تضع الحرب أوزارها، عليهم أن يسبقوا أحداث الحرب بتمهيد جديد إلى حياة أخرى تبرأ من الغرائز الدنيئة التي دفعت العالم إلى هذا الشر البغيض الذي لا غرض له إلا استبداد السلطان، واستعباد الناس بعضهم لبعض. وإذن فهم -لابد- يبحثون عن العلل والأمراض التي داخلت المدنية الحديثة، فجعلت قوة الافتراس فيها هي الأصل الذي بنيت عليه عقائدها وأعمالها، غير متحيزين إلى فئة بعينها، فإن الأسلحة المشرعَة الآن في جميع الصفوف لن تعرف بعدُ معنًى إلا معنى الحرب وحدها بوحشيتها وجوعها وقرمها. . . لن تعرف إلا الدَّمَ وشهوة الدم، وتنقرض العواطف الرقيقة التي تملأ النفس ورعًا وتقوى وحنانًا. وإذا استبان لهم مكنون هذه العلل استطاعوا أن يمهدوا السبيل للحياة الجديدة المبرأة من أسبابها الباغية، فمنعونا شرها ثم شر الآثار والعواقب التي تأبى شياطين الحرب إلا أن تزينها للباقين والناجين من أحلاسها (١).
_________________
(١) أحلاسها: شرورها اللازمة. المفرد: حِلْس، وأصله كساء يوضع على ظهر الدابة، فهو ملازم لها أبدًا، فقيل للفرسان المقاتلين الذين يلزمون ظهور خيولهم: أحلاس الحرب.
[ ١ / ٧٣ ]
هذا هو عمل الأدباء والشعراء على الاختصار والإجمال. أما أن يتوهم متوهم أن أثر الحرب إنما يكون إذ يلوك أخبارها وأحداثها ويمضغها في لفظه وعبارته مضغ الكلأ، فذلك شيء لا يقع عليه إلا عقل العامة الذين لا ينفذون في المعاني إلا على الوهن والضعف والفساد. إن أفكار الأدباء التي تسمو بألفاظها ومعانيها سمو الروح بين خوافق السماء، وإن أحلام الشعراء التي تختالُ في زينتها رقيقة ناعمة أو ثائرة مُتفجرة -هي أحبُّ إلى نفوس الناس في زمن الحرب، لأنها تنفيس عنهم من كرب الحروب، وإخراج لهم من حمأة الدم الذي ينشر رائحته مع كل نَفَس، ثم هي التمهيد الصحيح لتهذيب النفس الإنسانية وتربيتها والتسامى بها عن المعنى الحيواني الضاري الذي تنشّئه الحروب في مهد من الأشلاء والدم.