وأنا لا أحب أن أختم هذا الحديث بغير مثل أيضًا. فهذا الأستاذ "العقاد"، وكلنا يعلم أنه قلما كان يتناول الأغراض الإسلامية بالتحرير والبحث، ولكنه منذ العدد الهجري للرسالة كتب مقالة عن عبقرية محمد - ﷺ - العسكرية، ثم عن عبقريته السياسية، فاستوفى القول في ذلك وأشبعه، ورد كثيرًا من الشبه التي كان يلبس بها الأعاجم على الأغرار من شبابنا. وليس يستطيع مستشرق أن ينفذ في فهم التاريخ العربي، والاجتماع الإسلامي، والفلسفة الإسلامية، كما يستطيع كاتب قارئ مطلع كالأستاذ العقاد. ثم هو فوق ذلك أديب عربي يستطيع أن يجعل فطرته العربية الأدبية عونًا له على التغلغل في أسرار تاريخية مطموسة، لا يطيقها المستشرق لفقدانه مثل هذه الفطرة، ثم لأن البيئة العلمية والاجتماعية التي نشأ فيها وتثقف على أساسها لا تطاوعه أو تلين معه، حتى يكون في نظره
[ ١ / ١٢٧ ]
إلى التاريخ العربي أو الفلسفة الإسلامية، خَرَّاجًا وَلَّاجًا على طبيعة العرب وطريقتهم في تداول معاني حياتهم، وحياة أفكارهم وفلسفتهم. ونحن نرجو ألا يخلى الأستاذ العقاد مباحثه من هذا النوع الجديد من الفكر في تاريخ تنقذف عليه كل يوم جهالات كثيرة مفسدة ليس لها أصل ولا بها قوة.
[ ١ / ١٢٨ ]