كتب الأستاذ (محمود المنجوري) كلمة في السياسة الأسبوعية (١٥٥) يريد أن يكشف بها عن (طبيعة العقل المصري، ومدى تأثرها بالانقلابات) الاجتماعية أو السياسية أو الدينية. وساق حديثه فيها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية. ونحن نتجاوز عن بعض الخطأ الذي وقع الأستاذ فيه عصبيَّة للعقل المصري كما يسمّيه، كدعواه أن إنشاء الأزهر كان نتيجة للأسباب الفكرية والاجتماعية والروحية -التي نشأت في مصر فيما يرى- فأريدَ إقامة الدعوة الفكرية المتميزة عن صواحباتها في سائر العالم الإسلامي بإنشاء هذا المعهد العلمي العظيم. ولا شك في أن هذا تأويل غير جيد لحقائق التاريخ، فإن الفاطميين هم أنشأوا هذا المسجد الجامع لأول فتحهم لمصر، ولم يكن للعقل المصري إذ ذاك كبير شأن ولا صغيره في دفع الفاتحين إلى إقامة هذه العمارة في مصر، وإنشاء الأزهر كان لغرض في نفس الفاطميين أصابوه أو أخطأوه. . . فليس ذلك من شأننا هنا.
وأيضًا فأنا إلى اليوم لا أكاد أعرف شيئًا يمكن أن يسمى "العقل المصري" أو "العقل الإنجليزي" أو "العقل الفرنسي" وهلم جرّا، حتى يوضع في كفة
[ ١ / ٧٤ ]
وحده أعدت له في موازين العقول، وليس قيام المدنيات بأجزائها على "العقل" حتى يمكن أن يقال إن العقل المصري هو الذي استطاع أن يبقى خالدًا والمدنيات من حوله تفنى وتبيد. حقًّا إن مصر -وغير مصر من الأمم التي كانت منزلًا لمدنيات كثيرة متباينة- قد احتفظت مع هذه المدنيات بأشياء امتازت بها، ولكن هذه الأشياء المميزة لم يكن مرَدُّ أكثرها إلى العقل بل كان مردها إلى الطبائع التي أنشأتها إرادة الإقليم المسيطرة على الطبائع الإنسانية، وإلى العادات المتوارثة التي لم تقاومها هذه المدنيات مقاومة الحرب والإبادة، فلذلك بقيت هذه المميزات قائمة سائرة متعارفة، فيخيل لبعض من لم يَغُرْ إلى أعماق هذه المخلفات أنها ظواهر عقلية مع أن الحق غير ذلك. .
ونحن نجد الجنس من الناس ينزل أرضًا غير أرض، فما يمضي الجيل أو الجيلان حتى تفنى المميزات الجنسية في نسلهم من أبنائهم وأحفادهم، ويبدأ الوطن الجديد بطبيعته المستبدة في تحويل هذا النسل إلى طبائعه التي تلائم تربته وسماءه وجوه وحاجات سكانه، فكذلك المدنيات إذا نزلت أرضًا خضعت لما يخضع له الإنسان الحي المتحدر من أصلاب قوم غير سكانه الأوائل، وجعلت تتميز بضرورات الإقليم الطبيعية.
ولماذا يريد كثير من الكتّاب أن يجعلوا عقول أممهم بدْعًا في العقل الإنساني؟ لا أدري، وما يكاد يدري أحد من هؤلاء ما هو العقل، وكيف يتميّز في الإنسان، أو كيف يتبيَّن في الأفكار أو المدنيات مكان العقل من مكان غيره من الغرائز والطبائع والدوافع وما إلى ذلك من الأشياء التي تشترك في نتاج الفرد ثم في إنشاء المدنيات الاجتماعية؟ ولو استطاعوا لأبانوا لنا -على كثرة ما يقولون- عن موضع واحد يقولون فيه هذا "صنع العقل" الفلانِيّ. إن العقل المصري كغيره من العقول يقبل كل شيء، ولكن طبائع الإقليم تريد أشياء وتنفي أشياء لأنها لا تستطيع البقاء في سلطانها. إن جوهر الأشياء كلها لا يتغير في العقل بعد العقل، ولكن الأعراض هي التي يصيبها التبدُّل والتغيير لأنه من طبيعتها أوّلُ، ولأن العقل لا يعمل فيها عملًا إلا للتدبير والتصريف وحسب.
[ ١ / ٧٥ ]
وقد عرضَ الأستاذ (المنجوري) في مقاله هذا إلى عهد الاحتلال وما صنعت سياسته في أخلاق مصر وتعليمها، وكيف حطم بجوره وعدوانه كل الصلات القوية التي يعتمد عليها ترابط الكيان الاجتماعي، فتمزقت الجهرد المصرية في الإصلاح، واستبدَّت الشهوات الجارفة بأخلاق الطبقات كلها، ففشل الاجتماع المصري في إرادته، وقام على أساس فاسد من الأخلاق حتى صار أكثر ما نرمي إليه غرضًا فرديًا لا قيمة له في البناء الاجتماعي، ومن هنا استبد المستبد وصارت السيطرة الفردية في كل أعمالنا هي المبدأ، فلم يقم بيننا التعاون على أساس صحيح، وكذلك تنازعت الشهوات أعمالنا فصار الآخر بأنانيته يريد هدم عمل الأول لينفرد بأحدوثته وَصِيته، كالذي رأيناه في الحكومات الكثيرة التي تعاقبت على الدولة المصرية فشرعت ووعدت وبدأت وسارت، ثم جاءت أختها من بعدها لتقف كل ذلك وتبدأ من جديد بلجانها وتقريراتها واقتراحاتها، تريد أن تخالف وأن تنشئ وأن توجد، ثم هكذا دواليك حتى غدت وعود الحكومات عند المصريين خاصة والشرقيين عامة إلى مثل التي يقول فيها كُثَيِّر عزَّة:
تَمَتَّعْ بها ما ساعفتك، ولا تكن عليك شجى في الصدر حين تبينُ
وإن هي أعطتك الليان، فإنها لآخرَ من خُلّانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمَخْضُوبِ البَنَان يَمينُ
فهذه أمراض وأوبئة لا تزال تنتشر، ولابد من مكافحتها مكافحة صارمة بغير هوادة. فهل في الذين يصير إليهم السلطان الوازع العامل من يستطيع أن يتجرد لمكافحة هذه الأوبئة، ولو كان في كفاحها كفاح لنفسه وشهواته وأغراضه؟ هل تجد مصر أخيرًا طبيبها المغامر؟ ليتها تجد. . .