ألقى الدكتور عبد الواحد الوكيل بك، أستاذ علم الصحة بكلية الطب، في المؤتمر الحادي عشر للمجمع المصري للثقافة العلمية محاضرة هي تصوير للآلام التي تعانيها الصحة في مصر، وتمثيل للحقائق المؤلمة المخيفة التي تعمل عملها في هدم البناء الصحي للأبدان المصرية. وقد نشر صديقي الأستاذ "فؤاد صروف" قسما من هذه المحاضرة في مقتطف مايو سنة ١٩٤٠، فأخذتها
[ ١ / ١٧١ ]
وقرأتها وأنا أرجف بالرعب والفزع لما مثل لعيني من تلك الحقائق البشعة الشنيعة، وهي على بشاعتها وشناعتها متفشية منتشرة تغزو مصر من جميع نواحيها غزوًا مهلكًا مبيرًا، ثم لا تجد من يرده عنها من الجنود المجندة المقاتلة التي هي كل صناعة الطب وأسباب صناعته.
لقد عمد الدكتور الوكيل إلى الإحصاء الصحي في مصر، فبان منه أن البلاد إذا لم تتدارك أمر الصحة بأوثق العزم وأحكم التدبير وأسرع العمل، فسوف تنتهي إلى فناء محقق يأكل القوة المصرية كما تأكل النار يَبْس (١) الهشيم. ونحن في فاتحة عصر رهيب قد بدأ بالحرب المجتاحة، تأتي معها الأوبئة والأمراض وتجر في أذيالها أوبئة أخرى وقحطًا ومجاعة -إلا أن يشاء الله. والعالم كله يخشى ويتأهب ويستعد، فهل عمدتْ مصر إلى جعل الوقاية الصحية تدبيرًا ممتدًّا مع أسوأ الفروض التي يمكن أن توحي بفرضها أوهامنا ومخاوفنا وتشاؤمنا من الأيام المحاربة والأيام التي تلْقى عن عواتقها أوزار الحرب بعد أن تأكل القوة بعضها بعضًا في ميادين الوَغَى والقتال؟
يقول الدكتور الوكيل: "ونحن إذا رجعنا إلى نسبة الوفيات العامة سنة ١٩٣٧ في مصر وثلاثين دولة أخرى في مختلف القارّات متدرجين من الأسوء إلى الأفضل، اتضح لنا أن مصر في رأس هذه القائمة؛ ومن هذه البلدان: الهند واليونان وبلغاريا وفلسطين". . . لا، بل أكثر من ذلك، وهو أن الإحصاء يدل دلالة قاطعة على أن الأطفال هم ٨، ٥٥ % من مجموع الموتى، وأن هذه النسبة في صعود متواصل حتى في هذا العهد الذي نحن فيه. بل انظر إلى الأصل فالدكتور الوكيل يقول: إنا إذا أخذنا الأمراض المتفشيه كالبلهارسيا والأنكلستوما والرمد والسل والأمراض العقلية والملاريا والتيفوس والتيفود والدفتريا والأنفلونزا الحادة والحمرة وغيرها، ثم جمعنا بعضها إلى بعض مرضًا مرضًا كانت ما يربو
_________________
(١) اليَبْس واليابِس بمعنى.
[ ١ / ١٧٢ ]
على ٥٠ مليون مرض، فإذا وزعت هذه الملايين على المصريين أصاب كل شخص ثلاثة أمراض في وقت واحد.
وهذه النتيجة المؤلمة قد أفضت إلى هذه الغاية باهتمام القائمين على أمر الصحة والتعليم بالحضر دون الريف، وبالذي كان من طغيان الجهل واستبداد الفقر بطبقات الشعب التي يتكون منها السواد الأعظم. وقد وضع الدكتور الوكيل مشروعه لمكافحة هذه الحالة، فهل يمكن أن تكون الوزارات المختصة قد عرفت حق مصر فهبت إلى القيام بواجبها في الدفاع عن البلاد لإنقاذها من براثن هذه الأعداء المتعادية المتخالفة على قتال الروح والحياة في الشعب المصرى؟ ذلك ظننا، واللَّهُ خيرٌ حافظًا وهو أَرْحَمُ الراحِمِين.
[ ١ / ١٧٣ ]