كتب الأخ الفاضل الأستاذ سلامة موسى في مجلة اللطائف (٨ إبريل سنة ١٩٤٠) كلمة يتعقب بها كلامنا في (الفن فرعوني، وتمثال نهضة مصر) المنشور في عدد الرسالة ٣٤٥ في ١٢ فبراير سنة ١٩٤٠، وجعل عنوان نقده "تعارض التيارات الفكرية، وضررها على التطور الاجتماعي والثقافي". وسنلخص لك نقده ثم نتبعه ببعض ما يجب علينا من تحرير رأينا، وتقدير رأي الأستاذ الفاضل، يقول: إن الأفكار تتعارض في كل أمة حرة ولكنه لا يخرج بها عن أسلوب الحياة العامة من التوافق الى التناقض والتنافر، فيفضي ذلك إلى اختلال التوازن الاجتماعي، يعتاقُ الأمة عن الرقيّ والإصلاح. ويقول: إن بعض الآراء في مصر ليتناقض كما يكون التناقض بين أمتين متخالفتين، وإن (العقلية المصرية) التي تفكر بها مصر في أنظمتها الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والتعليمية، والحربية: هي ضرورة الوضع الجغرافي والاحتكاك السياسي بأوربا، وإننا لا نعيش فقط في القرن العشرين، بل في سنة ١٩٤٠ من هذا القرن. ويقول ما نصه:
"ونستطيع أن نضرب الأمثال على هذا الاختلاف الذي يقارب التنافر. فقد ألَّفَ الدكتور طه حسين بك كتابًا يدعو فيه إلى أن نجعل من الفن الفرعوني أحد العناصر في "الغذاء الروحي والعقلي للشباب" فتناول هذه الدعوة الأستاذ محمود محمد شاكر بالاستنكار حتى قال في مقاله بالرسالة: وعلى ذلك، فيجب أن نقرر أن الفن المصري الفرعوني -على دقته، وروعته، وجبروته- إن هو إلا فنٌّ وثنيٌّ جاهلي قائم على التهاويل، والأساطير، والخرافات التي تمحق العقل الإنساني، فهو إذن لا يمكن أن يكون مرَّة أخرى في أرض تدين بدين غير الوثنية الفرعونية الطاغية -سواء أكان هذا الدين يهوديًّا أم نصرانيًّا أم إسلاميًّا أم غير ذلك من أشباه الأديان". . . . ثم استمر فنقل بعض رأينا في الذي قلناه عن تمثال نهضة مصر.
_________________
(١) (*) الرسالة، السنة الثامنة (العدد ٣٥٤)، ١٩٤٠ ص: ٦٦١ - ٦٦٤
[ ١ / ١٤٢ ]
وهذا تعارضٌ عجيبٌ، كما يرى الأستاذ سلامة موسى، واختلاف في التيارات الفكرية يحمله على أن يدعو الاجتماعيين أن يحاولوا التوفيق بين هذه الآراء حتى لا يصير اختلاف الرأي الحر تناقضًا في العقائد المجزومة، وحتى نُصْبح أمة متمدنة تستطيع أن تنصت إلى الرأي المخالف في تسامح، وأن تعبر عنه في اعتدال ينأى عن الحدة والتهور.
ثم يقول الأستاذ الفاضل إنه يتوهّم مما كتبته أن الدكتور طه أو المثَّال مختار يريدان منا أن نحنط الموتى ونعبد (رعْ) مع أن حقيقة ما طلبه كل منهما أن نستوحِىَ هذا الفن المصري القديم. ثم يقول عني وعن الدكتور طه: "إن الاختلاف بين الكاتبين هنا يرجع إلى أكثر من ذلك، وهو أشبه بالتنافر بين القائلين بعقيدتين متناقضتين، ومصلحة الأمة تقتضي إزالة هذا التنافر بين الذين يكلفون هذه المهمة، وكل رجل مثقف يهتم بالانسجام الاجتماعي في الأمة".
وهذا نهاية الرأي في كلام الأستاذ سلامة موسى نقلنا أكثره بنصه أو ما يقربُ منه. ونحن نشكر الأستاذ سلامة موسى على حُسن مقصده ورغبته في تحقيق الإصلاح الاجتماعي بإزالة كل العوامل المفرِّقة بين الناس.