والشفاعات على ما حققه أئمتنا خمسة أقسام:
الأول: الشفاعةُ إلى الله في إراحة الأمم من هول الموقف بأن يُعَجِّل حسابَهم. وتُسمى بالشفاعة العظمى؛ لأنَّها أعمُّ أقسام الشفاعات، وهي من خصائص محمد
_________________
(١) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ١٩٦، ص ٩٨.
(٢) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ١٩١، ص ٩٢.
(٣) قال الترمذي في تعليقه على رواية أنس (٢٤٣٥): "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن جابر". وقال تعليقًا على رواية جابر بن عبد الله (٢٤٣٦) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: "هذا حديث غريب من هذا الوجه يُستغرب من حديث جعفر بن محمد". سنن الترمذي، "أبواب صفة القيامة"، ص ٥٧٩، سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب السنة" الحديث ٤٧٣٩، ص ٧٤٦؛ سنن ابن ماجه، "كتاب الزهد"، الحديث ٣٤١٠، ص ٦٢٩.
(٤) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ٣٢٠، ص ٩٣ - ٩٤. وسيأتِي ذكر الحديث الذي ورد فيه هذا التفسير بعد قليل.
[ ١ / ٩٠ ]
- ﷺ - بصريح حديث البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان.
الثاني: الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب. وهذه أيضًا من خصائص النبي - ﷺ -، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم.
الثالث: الشفاعة في قوم استوجبوا النار، فيعتقهم الله منها.
الرابع: الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار بعد أن يعذبوا، على ما اقتضاه حديثُ أنس وأبي هريرة وحذيفة في الصحيحين.
الخامس: الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة. (١)
وإطلاقُ اسم الشفاعة على القسم الأخير مجازٌ وتسامح، وإنما هي وساطةٌ ووسيلة لزيادة النفع. وفي كلام عياض ما يدل على أن هذا القسم ليس من خصائص محمد - ﷺ -؛ إذ ورد في صحيح الآثار ما ظاهرُه أن الأنبياء والملائكة يشفعون هذه الشفاعة، وبذلك جزم عياض في إكمال مسلم. (٢)
وأما بقية الأقسام، فاختصاصُ رسول الله بالقسم الأول - الذي هو الشفاعة العظمى - وبالقسم الثاني وبالقسم الثالث ثبت بصحيح البخاري التي لا معارضَ لها من مثلها. وأما القسم الرابع، فقد ورد في بعض صحيح الآثار أن الملائكة والأنبياء يشفعون. وبه جزم عياض في الإكمال أيضًا. (٣) ولم يجب عياض عما تضمنه حديثُ الموطأ والصحيحين من اختصاص رسول الله بالشفاعة على الإطلاق.
وأرى أن يكونَ الجوابُ على مجاراة ما جزم به عياض ﵀، أن يكون محملُ حديث الموطأ والصحيحين: "أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي. . ."، فذكر
_________________
(١) راجع في هذه المعاني: اليحصبي: إكمال المعلم، ج ١، ص ٥٦٦. وقارن بما ذكره في كتاب الشفا، ص ١٣٦.
(٢) اليحصبي: إكمال المعلم، ج ١، ص ٥٦٧. هذا وأصل هذا التفصيل لأقسام الشفاعة هو ما قرره الإمام أبو الحسن الأشعري، فانظره في: ابن فورك: مجرد مقالات الأشعري، ص ١٦٧ - ١٧٠.
(٣) اليحصبي: إكمال المعلم، ج ١، ص ٥٦٦.
[ ١ / ٩١ ]
منها: "وأعطيت الشفاعة": إما الشفاعةَ العظمى، فيكون التعريفُ للعهد أو للكمال. وإما على جنس الشفاعة بقيد تحقق إجابة شفاعته، لما ورد في حديث الصحيحين عن جابر وأنس وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لكل نبي دعوةٌ مستجابة، فأردتُ أن أختبئَ دعوتِي لأمتي يوم القيامة". (١)
وأما حديثُ "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، فهو يقتضي تخصيصَ الشفاعة بكونها لأهل الكبائر من المسلمين. فيتعين حملُ هذا الحديث على أن المراد بالشفاعة فيه القسمان الثالث والرابع، وهما اللذان يتحقق فيهما معنى الشفاعة بمعناه اللغوي الأتم؛ لأنها شفاعةٌ تتحقق بها النجاةُ من أثر الجناية نجاةً مستمرة. بخلاف الخامس؛ إذ إطلاقُ الشفاعة عليه مجاز، كما علمته.
والتحقيقُ عندي في شأن هذه الشفاعات أن ما ورد من الآثار مِمَّا ظاهرُه إثباتُ شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة أنها شفاعةٌ مجازية؛ لأنها إما دعاء، كقول النبيين على الصراط: "اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ"، (٢) كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في الصحيحين.
وإما شهادةٌ وتعريضٌ بالتشفع، كقول المؤمنين الناجين في شأن المؤمنين الذين أُدْخِلوا النار: "ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقول الله لهم: أخرجوا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) جاءت هذه العبارة في حديث طويل عن أبي هريرة أوله: "أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ "، ثم جاء فيه: "وتبقى هده الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ "، إلى آخر الحديث. صحيح البخاري، "كتاب الأذان"، الحديث ٨٠٦، ص ١٣٠ - ١٣١؛ "كتاب الرقاق"، الحديث ٦٥٧٣، ص ١١٣٧ - ١١٣٨؛ "كتاب التوحيد"، الحديث ٧٤٣٧، ص ١٢٧٩ - ١٢٧٨؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ١٩٥، ص ٩٧ - ٩٨. وقد جاءت العبارة محل الشاهد بلفظ: "رب! سلم سلم".
[ ١ / ٩٢ ]
من عرفتُم". (١) فهذا إذنٌ من الله لهم بعد شهادتهم، كما اقتضاه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم. وإما تلقي إذن من الله تعالى، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيحين. وعليه فما وقع في بعض روايات حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون"، (٢) هو من باب المجاز، أي: وُسطت الملائكة، واستجيب دعاءُ النبيين بالسلامة، وقُبلت شهادةُ المؤمنين لأقوامهم بالإيمان والأعمال الصالحة.
وعليه فحملُ حديثِ الموطأ والصحيحين المصرح بأنه أعطي الشفاعة ولم يُعطها أحدٌ قبله، أن يكونَ على ظاهره. ويدل لذلك أن حديثَ الصحيحين المرويَّ عن أنس وأبي هريرة وحذيفة صريحٌ في أن القسم الرابع من الشفاعات من خصائص النبي - ﷺ - لتفصِّي أفضل بقية الرسل منها.
وقد أنكر بعضَ أقسام الشفاعة طوائفُ من المبتدعة في الدين، وأولُ مَنْ أنكر الشفاعةَ الخوارجُ في عصر الصحابة. ففي صحيح مسلم عن يزيد الفقير قال:
"كنتُ قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عِصابة ذوي عدد، نريد أن نَحُج ثم نَخْرُجَ على الناس. (٣) فمررنا على المدينة، فإذا جابرُ بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث القوم عن رسول الله - ﷺ -. قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين [أي أهل المعاصي الذين يخرجون من النار فيسميهم أهل الجنة الجهنميين، كما ورد في حديث عمران بن حُصَين وأنس بن مالك]. (٤) قال (يزيد): فقلت له: يا صاحبَ رسول
_________________
(١) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ١٨٣، ص ٨٩.
(٢) انظر ذلك في الحديث نفسه، ص ٩٠.
(٣) أي لبث دعوتهم ونشر أفكارهم.
(٤) ولفظ الحديث في رواية أنس: "يخرج قوم من النار بعد ما مَسَّهم منها سَفْعٌ فيدخلون الجنة، فيسميهم أهلُ الجنة الجهنميين". صحيح البخاري، "كتاب الرقاق"، الحديث ٦٥٥٩، ص ١١٣٥؛ "كتاب التوحيد"، الحديث ٧٤٥٠، ص ١٢٨٤، ولفظه: "لَيُصيبَنَّ أقوَامًا سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يُدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: الجهنميون". وفي رواية عمران =
[ ١ / ٩٣ ]
الله، ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. فما هذا الذي تقولون؟ قال [أي زيد]: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعتَ بمقام محمد - ﵇ - (يعني الذي يبعثه الله فيه)؟ [يعني قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد - ﷺالمحمود الذي يُخرج به مَنْ يُخرِج. قال: ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه. . ." (١)
وإن إنكار الشفاعة مبنِيٌّ على أصلهم؛ فإنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة مستوجبٌ الخلودَ في النار، إلا أن يتوب. فإن كان قد تاب، فالشفاعةُ محال؛ لأنها لا تفيد المشفوعَ فيه شيئًا لوجوب خلوده في النار. وأدلتُهم في ذلك ظواهرُ من القرآن تقتضي خلودَ مرتكِبِ الكبيرة والإيمان إلى أنه كافر. (٢)
وتلك الأدلةُ عندهم أقامت لهم أصلًا قاطعًا من أصول الاعتقاد في نظرهم، واستدلوا على بطلان الشفاعة بالخصوص بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فلذلك تأولوا الآيات التي تقتضي وجود الشفاعة لمنافاتها للأصل القاطع.
_________________
(١) = ابن الحصين: "يخرج قومٌ من النار بشفاعة محمد، فيدخلون الجنة ويسمون الجهنَّمِيِّين". سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب السنة"، الحديث ٤٧٤٠، ص ٧٤٦. وانظر كذلك سنن ابن ماجه، "كتاب الزهد"، الحديث ٤٣١٥، ص ٦٣٠، ولفظه عنده عن عمران بن الْحُصَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَيَخْرُجَنَّ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بشَفَاعَتِي، يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ".
(٢) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ٣٢٠، ص ٩٣ - ٩٤. ما بين حاصرتين زيادة من المصنف.
(٣) انظر في ذلك: الأشعري، الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، نشرة بعناية أحمد جاد (القاهرة: دار الحديث، ١٤٣٠/ ٢٠٠٩)، ص ٦٦ - ٧٨.
[ ١ / ٩٤ ]
وقد كان حديث جابر هذا من أعظم الحجج على بطلان مقالة الخوارج. ولذلك لَمَّا حدَّث به عصابةَ يزيد الفقير التي عزمت على الخروج على الناس تبعًا للخوارج، علمت تلك العصابةُ صدقَ ذلك الصحابي الشيخ. قال يزيد الفقير: "فرجعنا. فلا والله! ما خرج منا غير رجل واحد".
ووافقهم المعتزلةُ على ذلك مع اختلاف الدليل؛ وذلك أن المعتزلة يقولون بخلود مرتكبِ الكبيرة في النار إذا لم يتب، ولا يجوِّزون المغفرةَ له؛ لأن الإحسانَ للمسيء والإساءةَ للمحسن قبيحٌ يستحيل صدورُه من الله تعالى، وتأولوا ما ورد في الشفاعة بأنها شفاعةٌ لرفع الدرجات في الجنة.
ومذهبُنا - معاشرَ أهل السنة - أن الشفاعةَ ثابتة؛ وسبيلُنا في ذلك أنها جائزة، وأنها ليست بقبيح، وأن الصفح عن بعض عقاب المذنب ليس بقبيح. وأدلتُنا السمعيةُ واضحةٌ من الكتاب والسنة، ومحملُ آيات نفي الشفاعة على الكفار بقرينة قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر: ١٨]؛ لأن اصطلاح القرآن في الظلم أنه الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩]، ونظائرُ ذلك كثيرة. واعلم أن الشفاعةَ التي ينكرها هؤلاء هي الأقسامُ الثاني والرابع، ولم ينكروا الشفاعةَ للإراحة من هَوْلِ الموقف ولا الشفاعةَ من رفع الدرجات، كما حققه عياض ﵀ في الإكمال. (١)
_________________
(١) اليحصبي: إكمال المعلم، ج ١، ص ٤٢٦ - ٤٢٧ و٤٣٨. وقارن بما قاله ابن العربي: المسالك، ج ٦، ص ٣٠٢ - ٣٠٣.
[ ١ / ٩٥ ]