أولى الناس بإسداء النصيحة للمنصوح مَن كان من أهل بطانته وطبقته؛ لأنه يكون أبصرَ بأحوال المنصوح ونصحه أجدر لقبوله لديه. وبهذا يتضح ضيقٌ في مقتضى حكم النصيحة من فرض الكفاية؛ إذ يختص تعلق هذا الفرض بالطائفة الذين يرجون قبول النصح. فأولى الناصحين لولاة الأمور نصح ولاة الأمور بعضهم لبعض؛ لأنهم أعرف بمقتضيات السياسة ومجاري أحوال الدول. وكذلك وزراؤهم وأهل المجالس النيابية فيهم، وكذلك رجال الحكومة بعضهم لبعض؛ لأنهم أعلم بأسباب الصلاح فيما لنظرهم وبمسالك تطرق الفساد إلى شؤونهم.
_________________
(١) أخرج أحمد والطبراني عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "دعوا الناس يصيب بعضُهم من بعض. فإذا استنصحك أخوك فانصح له". الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد: المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، بدون تاريخ)، الحديث ٦٨٦، ج ١٩، ص ٣٠٢؛ مسند أحمد بن حنبل، الحديث ١٨٢٨٢، ج ٣٠، ص ٢١٥.
[ ١ / ٣٣٢ ]
فاعلم أن هذا الفرضَ الكفائي قد يؤول إلى تعيين، ويتعيَّنُ على مَنْ قصده أحدٌ بالاستنصاح. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "حقُّ المسلم على المسلم ست"، فذكر منها: "وإذا استنصحك فانصحْ له". (١) وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا"، فذكر منها: "وأن تُناصِحوا مَنْ ولاه أمْرَكم". (٢)