لقد قضيتُ حقَّ البيان في توقيت الزمن الذي نطق فيه رسول الله - ﷺ - بقوله: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها"، وأوضحتُ أنه مما قاله رسول الله في آخر سني حياته المباركة. فقضى ذلك أن يكون ابتداء الحاجة إلى التجديد من وقت وفاة رسول الله؛ لأن مدة حياة رسول الله هي مدة أكمل أحوال نماء الدين: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
إن وفاة رسول الله أكبرُ نائبة أصابت المسلمين؛ فإن رسول الله هو مظهر الإسلام، وكان جميع أحواله نفعًا للإسلام. ولعل في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إيماءً إلى هذا المعنى، إذ قَصَرَهُ على صفة الرسالة، فكأنه لا صفةَ له إلا الرسالة. فوفاتُه بمنزلة رفع الإسلام من جذوره، وكأن الله أراد أن يُظْهِرَ بركةَ رسوله لَمحة، فيرى الناسُ كيف اضطرب أمرُهم بموته، حتى لا يكون انتقاله هينًا عليهم؛ لأن عواقب المصيبة تزيدها قوة، فكأن الإسلام قد ذهب مشيِّعًا روحَ الرسول، ثم عاد بعد التشييع.
_________________
(١) يشير المصنف هنا إلى ما كتب به عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - فاكتبه، فإني خفت دروسَ العلم وذهابَ العلماء، ولا تقبل إلا حديثَ النبي - ﷺ -. وَلْيُفشُوا العلم، ولْيجْلِسُوا، حتى يُعلَّم مَنْ لا يَعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا". صحيح البخاري، "كتاب العلم"، ص ٢٢.
[ ١ / ١٥١ ]
فما شاع نبأُ وفاته - ﷺ - حتى ارتجت المدينةُ واضطرب أمرُ الأمة، وهجست خواطرُ الشيطان في نفوس الأعراب وحديثي الإسلام. وكاد الخلاف أن يدب بين المسلمين في أمر الخلافة، وأخطر ما فيه توقع دبيب الخلاف بين فريقين لم يختلفا البتة، وهما المهاجرون والأنصار، فكان موقف أبي بكر أولَ يوم عقب وفاة رسول الله موقف مَنْ رتق الفتق، ورأب الثأْي، وبه استقر أمرُ الجماعة في وطن الإسلام، ومدينة أهل الحل والعقد من قادة الأمة، فبايعوا أبا بكر خليفةً لرسول الله في تدبير شؤون المسلمين، فكان ذلك مبدأ تجديد أمر الدين بعد انفتاق نسيجه، ومبدأ إشادة صرحه بعد أن أشرف على الانهيار.