إذا علمتَ حالَ أسانيد هذه الأخبار المروية في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، علمتَ أنها ليست من مرتبة الأحاديث الصحيحة، ولا هي من مرتبة الحسن؛ إذ لم تستوف شرطَ الحسن - وهو أن يكون رجال سنده سالمين من التهمة، معروفين بالضبط، مقبولي الحديث، لكنهم لم يصلوا في تمام الضبط إلى مرتبة أهل الصحيح. فتكون هذه الأحاديث من قسم الحديث الضعيف؛ لأن أسانيدها لم تَسْلَمْ من الاشتمال على راو ضعيف، وبعض رواة أسانيدها مطعونٌ فيهم.
وإن مَنْ تُكُلِّم فيه منهم وإن كانوا قد قبِلَهم بعضُ أهل النقد، فقد ردهم بعضهم، فتعارض فيهم الجرحُ والتعديل والردُّ والقبول. وقد استقر عند علماء
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) ابن عدي الجرجاني، أبو أحمد عبد الله: الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض وعبد الفتاح أبو سنة (بيروت: دار الكتب العلمية، بدون تاريخ)، ج ٨، ص ٥٣٨.
(٣) قال يحيى بن معين في عبد الله بن لهيعة: "ابن لهيعة ضعيفٌ في حديثه كله، لا في بعضه". معرفة الرجال، ج ١، ص ٦٧. وقارن ما قرره المصنف بما قاله ابن الجوزي في حديث خروج المهدي، العلل المتناهية، ج ٢، ص ٨٥٥ - ٨٦٣.
[ ١ / ١٢٠ ]
الحديث وأصول الفقه أن الجرح إذا صدر من أهل المعرفة مقدَّمٌ على التعديل الصادر منهم، فيقدم الجرح لدى غير الطائفتين المجرحين والمعدلين، أي لدى مَنْ يعتمد على أقوال أئمة هذا العلم. وهذه القاعدةُ مسلمةٌ معمولٌ بها. (١)
ولم يزل أئمةُ العلماء، مثل مالك وأصحابه والبخاري ومسلم، يتحَرَّوْن في أخذ الحديث أن يكون [راويه] من أهل العدالة والضبط والبصر بالرجال. وقد ترجم مسلم في مقدمة صحيحه: "باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ومن يرغب عن حديثهم"، و"أن الإسناد عن رسول الله - ﷺ - هو من الدين، فلا يقبل فيه إلا الثقات الأثبات". (٢) ورُوِيَ عن ابن سيرين أنه قال: "إن هذا العلم [يعني الحديث] دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". (٣)
وروى ابنُ وهب عن مالك ﵀ أنه قال: "أدركتُ بالمدينة أقوامًا لو استُسقيَ بِهم القطرُ لسقوا، قد سمعوا الحديثَ كثيرًا، ما حدَّثْتُ عن أحدٍ منهم شيئًا؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسَهم خوفَ الله والزهد. وهذا الشأن - يعني الحديث والفتيا - يحتاج إلى رجل معه تُقًى وورع، وصيانة وإتقان، وفهم وعلم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدًا". (٤)
وروى مسلم عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: "لم نر أهلَ الخير في شيء أكذبَ منهم في الحديث"، (٥) يريد أنهم يكذبون عن توهم وغلط وحسن ظن بمن يروون لهم شيئًا لا عن عمد، إذ لو كان عن عمد لم يكونوا أهلَ الخير.
_________________
(١) انظر في ذلك مثلًا الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، ص ٩٩ - ١٠٠.
(٢) في الطبعة التي رجعنا إليها جاءت ترجمة هذا الباب على النحو الآتي: "باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها"، صحيح مسلم، المقدمة، ص ١٣ - ١٤. وربما وردت الترجمة التي ذكرها المصنف في بعض روايات "الجامع الصحيح".
(٣) المصدر نفسه، ص ١٤. وما بين الحاصرتين توضيح من محقق هذا المجموع.
(٤) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، ص ١٥٥؛ اليحصبي: ترتيب المدارك، ج ١، ص ١٢٣.
(٥) صحيح مسلم، المقدمة، ص ١٦. قال مسلم: "يقول: يجري الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون الكذب".
[ ١ / ١٢١ ]
وقد قرر أئمةُ الحديث أن أسباب الوضع كثيرة: منها الافتراء والنسيان والغلط. ومنها التعمد عن حسن نية باعتقاد أن فيما يرويه حملَ الناس على فعل الخير، كما قال بعضُ الوضاعين لما قيل له: إن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ كذب عليَّ متعَمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار"، (١) فقال: "إنما كذبتُ له لا عليه! " (٢) ويكون [الوضع] لتأييد المذاهب والآراء، وإن ستورَ التمويه والتلبيس في أحوال الرواة وأسمائهم الخلابة أصناف، منها الخصيب ومنها الشفاف.
واتفق علماء السنة على عدم قبول الحديث الضعيف فيما عدا فضائل الأعمال. واختلفوا في قبوله في خصوص فضائل الأعمال، بناءً على أن فضائلَ الأعمال داخلةٌ تحت كلياتٍ شرعية هي الشاهدةُ لقبولِها بوجه كلِّي، فلا يفيدها الحديثُ الضعيف إلا تعيينَ وقت أو عدد.