وما أن استقر الأمرُ بضعةَ أيام حتى ارتدت العرب، وتسرب الانحلالُ إلى الجامعة الإسلامية، وبقيت سلطةُ الخليفة قاصرةً على المدينة وقليل من القبائل. فوجم أبو بكر، وتحير المسلمون، فاستشارهم أبو بكر في ذلك، فما أقدموا على ارتياء مقاتلة معظم العرب، ولكن أبا بكر قد سدد الله رأيَه وثبَّت فؤاده، فقال: "والله لو منعونِي عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليه، كيف لا أقاتل من فرَّق بين الصلاة والزكاة؟ فإن الزكاة حق المال". (١)
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ ابن قتيبة عند ذكر بيعة أبي بكر. الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الإمامة والسياسة (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤٢٧/ ٢٠٠٦)، ج ١، ص ١٩. وأخرج البخاري بلفظ مختلف عن أبي هريرة أنه قال: "لمَا توُفِّيَ رسول الله - ﷺ - وكان أبو بكر - ﵁ -، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر - ﵁ -: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله"، فقال [أبو بكر]: والله لأقاتلن مَنْ فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها". صحيح البخاري، "كتاب الزكاة"، الحديثان ١٣٩٩ - ١٤٠٠، ص ٢٢٥؛ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة"، الحديث ٧٢٨٤/ ٧٢٨٥، ص ١٢٥٣. وانظر كذلك: صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ٢٠، ص ٣٣ - ٣٤؛ سنن الترمذي، "كتاب الإيمان"، الحديث ٢٦٠٧، ص ٦١٤؛ البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن =
[ ١ / ١٥٢ ]
فشرح الله صدرَ الصحابة إلى تأييد أبي بكر والمقاتلة معه، وامتُشق الحسام لنصر الإسلام، فلم يلبث إلا قليلًا حتى هَزَمت جيوشُه جميعَ قبائل الردة، وردَّ للإسلام قوتَه. فكان ذلك أولَ تجديد للإسلام، وكانت القبائل التي قاتلت معه هم الذين خاطبهم على لسان رسوله بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]. وثاب العربُ إلى الرشد، وعاد لهم إسلامُهم وطاعةُ إمامهم، وكان ذلك دخولًا جديدًا في الإسلام لمعظم قبائل العرب دخولًا لم يخرجوا بعده. ثم رجع السيف إلى قرابه، واستقر أمرُ الإسلام في نصابه، وصلح حالُ المسلمين، وعلم الجميع معنى الإسلام ودوامه، فكان أبو بكر مجددَ معنى الرسالة ومُبَيِّنًا له.
ولم يزل الإسلام يعلو وينتصر، ويفيض على الأقطار كالسيل المنهمر، ففُتِحت الأمصار الكثيرة، وذلك إلى أواخر خلافة هشام بن عبد الملك من سنة ١٠٥ هـ إلى سنة ١٢٥ هـ. ودُرِّست العلوم، وعَلِم الناسُ أمرَ دينهم، وأمن المسلمون كيدَ أعدائهم، وانتصبوا لنظام أمرهم، وتأييد أمور دينهم، وتلقي علوم الكتاب والسنة، وتدوين الآثار المروية عن الرسول - ﷺ -.
وانقضى عصرُ الصحابة، وحمل العلمَ من كل قطر عدولُه وأفاضلُه، وصار الناسُ متعطشين إلى ما يُؤْثَرُ عن رسول الله وخلفائه، ومصيخين لكل مَنْ يقول: قال رسول الله، فَتَهَمَّم بالرواية أقوامٌ كثيرون، وصار التصدي والتلقي غايةَ أولي الألباب. ولكن تفاوت الأفهام وتباينها في الضبط والتقوى قد حدا بقوم إلى الاستكثار من الرواية عن رسول الله، والاستهتار بِحُبِّ الإغراب في ذلك، وبالإصغاء لكل مَنْ يتظاهر بأن له علمًا بسنة أو تفسيرًا لآية، فكثر الدخيلُ وعظم القالُ والقيل.
_________________
(١) = عبد الخالق العتكي: البحر الزخار، المعروف بمسند البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، ط ١، ١٤١٨/ ١٩٩٧)، الحديث ٢١٧، ج ١، ص ٣٣٤ (مسند عمر بن الخطاب). وأورد البزار (ص ٣٣٦) حديثًا نسبه للنبي - ﷺ - بلفظ: "لو منعونِي عناقًا أو عقالًا".
[ ١ / ١٥٣ ]
وتفطن علماءُ الأمة لهذا الخطب الجليل، وبدأت الشكايةُ من تساهل الضعفاء وغلاة الرواة تئن بها صدورُ أهل العلم والضبط، ففي صحيح مسلم أن عبد الله بن عباس قال: "إنا كنا مدة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله - ﷺ -، ابتدرته أبصارُنا، وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناسُ الصعبَ والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف". (١)
لقد تصدى للرواية عن رسول الله، ولتفسير القرآن، أصنافٌ من الناس في العلم: فمنهم أهلُ الضبط والتحري، من أهل الفقه والإفتاء والرواة. ومنهم أصحابُ التساهل من أصحاب السِّيَر، المتبعين لكل ما جاء فيه من أثر. ومنهم الوعاظُ الذين تعلقوا بما يناسب دعوتهم من الآثار، وأبهجهم ما أعانهم من أثر يروى يعضد مقصدَهم.
ومنهم القُصَّاصُ في المساجد والنوادي، والمتجولون في الحواضر والبوادي، يُلْقون إلى اللفيف ما تقبله عقولهُم وتبلغ إليه أفهامُهم، فيتوخَّوْن أن يلتقطوا من المرويات كلَّ ما يسهل على العامة قبولُه، ويطابق ما في مخيلاتهم وإن كان ضعيفَ المعنى واللفظ. (٢) ومنهم أهلُ الأهواء والنحل الذين تعمدوا الكذبَ على رسول الله، أو تساهلوا بحسب جرأتهم على التدليس والترويج، فقد وضع الكَرّاميةُ (٣) عشرةَ آلاف حديث.
فكان أهلُ هذه الأصناف الأخيرة غيرَ مكترثين بالبحث عن صحة نسبة الآثار المروية إلى رسول الله - ﷺ - كاكتراثهم بمناسبة الآثار لأغراضهم، وحبُّ الشيء
_________________
(١) صحيح مسلم، "المقدمة"، ص ١٤.
(٢) لعله لو قال: "كان ضعيف المعنى والمبنى"، كانت العبارةُ أرشق.
(٣) هم أتباع محمد بن كَرّام المتوَفَّى سنة ٢٥٥ هـ اشتهروا بالتشبيه في صفات الله، والقول بالإرجاء. - المصنف. قال ابن عدي في شأن أحمد بن عبد الله الهروي، المعروف بالجوباري والْجُويْباري: "وكان يضع الحديثَ لابن كَرَّام على ما يريده، وكان ابنُ كرام يضعها في كتبه عنه ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني". المقريزي: مختصر الكامل، ص ١٠٤.
[ ١ / ١٥٤ ]
يُعمي ويُصِم. وهنالك اختلط الحابلُ بالنابل، والخاثر بالزباد، ولم يزل تفاقمُه في ازدياد، حتى بلغ السيل الزُّبَى، وكادت أن تذهب السُّنَّةُ أيادي سبا.
ولم تزل طائفةٌ من الأمة ظاهرين على الحق، باحثين عن مراتب الخلق، متهمِّمين بانتقاد ما صح عن رسول الله من الآثار، لم يخلُ عن طائفةٍ منهم قطرٌ من الأقطار. إلا أن جمهرة هؤلاء كانت من علماء المدينة، يتلقَّى الخلفُ عن السلف رواية الصحيح؛ إذ كانوا عاكفين على معاهد الرسول وآثاره، سالمين مما تطرق من الابتداع في بعض أقطاره، والإيمان يأرِز إليهم، وسنة الرسول شائعة بين ظهرانيهم.
وانحصر ذلك في فقهاء المدينة ورواتها، وهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، ولحق بهم محمد بن شهاب الزهري؛ فكانوا قدوةَ الرواة.