ثم صار الملك إلى ابنه بايزيد يلدرم فعظم ملكه، ولقب بلقب سلطان، فأخذ يستعد لفتح القسطنطينية ببناء أسطول بحري، ويستعد لفتح المجر حدود سنة
[ ١ / ١٧٦ ]
٧٩٧ هـ. ولقد صار صاحبَ النفوذ على إمبراطور البيزنطيين بالقسطنطينية "المحصور" في عاصمة ملكه وفي قطعة من الأرض حولها، فكانت العاصمةُ في سنة ٨٠٣ هـ على وشك السقوط في قبضة بايزيد لو شاء هو أن يتعجل بذلك.
وفيما هو بذلك الصدد إذ حدث حادث ظهور الطاغية تيمورلنك، وقصد بلاد السلطنة التركية فحدثت بينه وبين بايزيد حروب (من سنة ٨٠٣ هـ إلى سنة ٨٠٧ هـ) انتهت بأسر بايزيد ثم بموت تيمور، فكفى الله شره. (١) وعقبها نزاعٌ بين أبناء بايزيد إلى أن انتصر عليهم ابنه محمد جلبي الملقب بالأول سنة ٨١٣ هـ، وخلص له الملك، وأقبل على تعزيز مملكته، فهو الذي أعاد الحالة التي تركها والده العظيم. ويعد ذلك مبدأ فتح تلك العاصمة العظيمة، ومبدأ انتقال التاريخ من العصور الوسطى إلى التاريخ الحديث. وفي تلك المدة أخذ الإسلامُ ينتشر في أوروبا بمن احتلها من جيش الترك المسلمين، وبدعوة مشايخ الصوفية إلى الإسلام بين سكان مدن أوروبا.
فيحق علينا أن نَعُدَّ السلطانين بايزيد يلدرم وابنه محمدًا جلبي (٢) مجددي أمر الأمة في رأس المائة التاسعة. وقد كان في هذا الوقت بإفريقية السلطان أبو فارس عبد العزيز الحفصي، وكان من السلاطين المصلحين بإفريقية. وقد خضد شوكةَ أهل الفساد، وأزهر في زمانه العلم، وساد الأمن. فهو بحق مِمَّنْ قيَّضهم الله لتجديد أمر الأمة في بعضِ بلاد الإسلام، وقد عدَّه البُرْزُلي (٣) في كتابه "الحاوي" مجدد القرن التاسع، وتقدم الكلامُ على ذلك.
_________________
(١) المعركة المقصودة هنا هي معركة أنقرة، وقد مات بايزيد خلالها في الأسر في شعبان سنة ٨٠٥ هـ، وكان قد أُسر هو وولدُه موسى في ذي الحجة من عام ٨٠٤ هـ.
(٢) وهو الملقب بمحمد الأول، وهو خاص سلاطين السلطنة العثمانية. تُوُفِّىَ عام ٨٢٤ هـ، بعد أن أوصى بالحكم لابنه مراد.
(٣) لم يتيسر لي تحديد مَنْ من البرازلة هو صاحب الكتاب المذكور، فهناك أكثر من عالم عرف بلقب البرزلي. ولعله أبو القاسم بن أحمد بن محمد البُرزُليّ (ت ٨٤٤ هـ/ ١٤٤٠ م) انظر (الأعلام) ٥/ ١٧٣، (كشف الظنون) ١/ ٦٢٩. قال الناشر: وهو الصواب، ويوجد نسخة مخطوطة من كتاب الحاوي في مركز الملك فصل للبحوث والدراسات الإسلامية، تحت رقم الحفظ ٢٩٩٤ - ١ - ف.
[ ١ / ١٧٧ ]
قد مثلَتْ حالةُ المسلمين في القرن الثامن للناظر إليها من خلال كلامنا المتقدم حتى كأنها منه رأيُ العين، وحتى برئ أن يخالجه في استجلائها اشتباهٌ أو مين. (١) وقد رأى كيف انصدع بناءُ الجامعة الإسلامية مرارًا، ثم كيف مُنح صدعُه انجبارًا يعقب انجبارًا. ولقد وهت من جراء انصداعه المتكرر شرفةٌ كانت حاميةَ جلاله وأبهة جماله، ألا وهي شرفة الخلافة، فقد نشأ الإسلام مقارنًا لمنصب عظيم هو ولاية أمور أتباعه، والتيقظ لتنفيذ مقاصده في سائر أصقاعه، ولي ذلك الرسول - ﷺ - في حياته وقام به خلفاؤه من بعده.
فكانت الخلافةُ الإسلامية أكبرَ ضمانٍ لوحدة المسلمين، يستظلون بلوائها، وإذا انتابها خطبٌ تألموا للأوائها. ثم زالت حرمةُ الخلافة بثورة دعاة العباسيين وتمزيقهم إهاب الخلافة الأموية، فما استتبَّ الأمرُ للعباسيين بعد لأي حتى تطرق الوهنُ للخلافة حين انشقت عنها الدولةُ الأموية بالأندلس والحسنية بالمغرب الأقصى. ولقد تحمل خلفاءُ العباسيين ذلك على تبرم، ولسان الحال ينشدهم:
فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا (٢)
_________________
(١) المين هو الكذب، والراجح أن المصنف استخدم هذه اللفظة هنا بمعنى الشك والريب.
(٢) وفي رواية أبي الفرج الأصفهاني: "من سيرة" بدل "من سنة". قيل إن أول من قَالَ ذلك خالدٌ بن زهير الهذلِي، وهو ابن أخت أبى ذُؤَيب الهُذَلِي، وذلكَ أن أبا ذُؤَيب كان قد نزل في بنى عامر بن صَعْصَعة على رجل يُقَالُ له عبد عمرو بن عامر، فعشقته امرأة عبد عمرو وعَشقها، فَخَبَّبَهَا على زوجها وحَمَلها وهرب بها إلى قومه. فلما قدم منزلهُ تخوَّفَ أهْلَه، فأسَرَّهَا منهم في موضع لَا يُعلم، وكان يختلف إليها إذا أمكنه ذلك. وكان الرسولُ بينه وبينها ابنَ أختٍ له يُقَال له خالد، وكان غلامًا حَدَثًا ذا جمال وصَباحة، فدام الحالُ على ذلك مدة، وشَبَّ خالد وأدرك، فعشقته المرأة ودَعَتْه إلى نفسها، فأجابها وَهَوِيها، ثم إنه حَمَلَها من مكانها ذاك وأحلها في مكان آخر، وجعل يختلف إليها فيه، ومنع أبا ذؤيب عنها، فأنشأ أبو ذؤيب قصيدة طويلة يعتب فيها على ابن أخته ويتهمه بخيانة الأمانة، منها: وَمَا حُمِّلَ الْبَخْتِيُّ عَامَ غِيَارِهِ عَلَيْهِ الْوُسُوق بُرُّهَا وَشَعِيرُهَا بِأَعْظَمَ مِمَّا كُنْتُ حَمَّلْتُ خَالِدًا وَبَعْضُ أَمَانَاتِ الرِّجَالِ غُرُورُهَا =
[ ١ / ١٧٨ ]
وإن ذلك الانشقاق، وإن كان صدعًا عميقًا في محيط الجامعة الإسلامية، لم يظهر ضررُه أيامئذ، إذ كانت حرمةُ الخلافة الإسلامية في الشرق - وهو أشهر العالم يومئذ - ما برحت قائمةً في النفوس، مرموقةً بالجلالة في العيون. وظلت المملكة الإسلامية - فيما عدا ذينك القطرين - مجتمعةَ الكلمة، قائمةَ الشوكة. ثم انفتقت الفتوقُ بظهور استقلال الأمراء والقواد في أطراف الخلافة الإسلامية، وضعف الخليفة عن الظفر بهم.
ابتدأ ذلك من عهد المعتصم بالله العباسي أواخر القرن الثالث، ثم استفحل في صدر ولاية المطيع سنة ٣٣٨ هـ. فلم يزل أمرُ الخلافة يتضاءل، والفتق يتواصل، حتى اتسع الخرقُ على الراقع، وأصبحت رباعها وهي بلاقع، يوم أقصى هولاكو خان بقيةَ العباسيين من بغداد فثَوَوْا بمصر، وكان فيها الإبلاس والحصر. فلم يبق للخلافة إلا الدعاءُ في الجمَع والأعياد، وما حياةُ مَنْ ليس حظُّه غيرَ الرفع على الأعواد؟ !
لقد زُلْزِلت الخلافةُ بدخول التتر بغدادَ سنة ٦٥٦ هـ وسلطانهم هولاكو خان، والخليفة يومئذ المستعصم بالله عبد الله بن المستنصر، فقتلوه وأعملوا السيف في بني العباس، فلم ينج منهم إلا من عصمه الأجل. وقد كان أحمد بن الظاهر العباسي عمُّ
_________________
(١) = فَلَمَّا ترَامَاهُ الشَّبَابُ وَغَيُّهُ وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ فِتْنَةٌ وَفُجُورُهَا لَوَى رَأْسَهُ عَنِّي وَمَالَ بِوُدِّهِ أَغَانِيجُ خَوْدٍ كَانَ فِينَا يَزُورُهَا تَعَلَّقَهُ مِنْهَا دَلَالٌ وَمُقْلَةٌ تَظَلُّ لأَصْحَابِ الشَّقَاءِ تُدِيرُهَا فلما بلغ ذلك ابنَ أخته خالدًا أجابه بقوله: لَا يُبْعِدَنَّ اللهُ لُبَّكَ إِذْ غَزَا وَسَافَرَ وَالأَحْلَامُ جَمٌّ عُثُورُهَا وَكُنْتَ إِمَامًا للْعَشِيرَةِ تَنْتَهِي إِلَيْكَ إِذَا ضَاقَتْ بِأَمْرٍ صُدُورُهَا لَعَلَّكَ إمَّا أمُّ عَمْروٍ تَبَدَّلّتْ سِوَاكَ خَلِيلًا شَاتمِي تَسْتَجِيْرُها فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنّةٍ أنْتَ سِرْتَهَا فَأوَّلُ رَاضٍ سُنّةً مَنْ يَسِيرُهَا فَلَا تَكُ كَالثَّوْرِ الَّذِي دُفِنَتْ لَهُ حَدِيدَةُ حَتْفٍ ثُمَّ أَمْسَى يُثِيرُهَا الأصفهاني: الأغاني، ج ٢/ ٦، ص ٧٧٠ - ٧٧١.
[ ١ / ١٧٩ ]
المستعصم قد نجا مترددًا في أحياء العرب إلى أن وصل مصر سنة ٦٥٩ هـ وسلطان مصر يومئذ الظاهر بيبرس، فبادر الظاهر إلى مبايعة أحمد بالخلافة، وحاول أن يخضد به شوكةَ التتر فسيره بجيش إلى بغداد، فلما جهزه بجيشه تلقاه جيش هولاكو في موضع يقال له غانة فقتل هنالك.