علمُ الحديث - ويسمَّى علمَ السنة - هو العلمُ الباحثُ عن أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله. ظهرت العنايةُ بتدوينه في أواخر القرن الأول، لَمَّا اتسعت أقطارُ الإسلام، وكثر الداخلون فيه، وتنوعت النوازل. فصار الصحابةُ يتقصَّوْن ما يُؤثر عن النبي - ﷺ - في أمثال تلك النوازل، مثل توريث الجدة، (٢) وجزية المجوس، (٣) ومعنى
_________________
(١) حرر بطلب من جمعية شباب النهضة الإسلامية بالرباط (المغرب) بمناسبة مرور ١٣٠٠ سنة على ولادة الإمام مالك. الطلب المؤرخ في ١٩ ربيع الأول ١٣٩٠ والجواب بتاريخ ١٣ جمادى الأولى ١٣٩٠. - المصنف. وقد اعتمدنا في ضبط نصه على كتاب "تحقيقات وأنظار".
(٢) الموطأ برواياته الثمانية، "كتاب الفرائض"، الأحاديث ١١٨٢ - ١١٨٥، ج ٢، ص ١٦٠ - ١٦٤.
(٣) أخرج الإمام مالك: "عن جعفر بن محمد بن علي [بن الحسين بن علي] عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"". الموطأ برواياته الثمانية، "كتاب الزكاة"، الحديث ٦٦٩، ج ٢، ص ٢٨٨ - ٢٩١ (رواية أبي مصعب الزبيري والقعنبي، ولم يروه يحيى الليثي). وقد رواه جماعة منهم الشافعي وأبو عبيد والبيهقي وعبد الرزاق، وللعلماء في سنده مقال. الشافعي: الأم، "كتاب الجهاد والجزية/ من يلحق بأهل الكتاب"، الحديث ١٩٢٥، ج ٥، ص ٤٠٨؛ ابن سلام، أبو عبيد القاسم: كتاب الأموال، تحقيق أبي أنس سيد بن رجب (الرياض: دار الفضيلة / المنصورة: دار الهدى، ط ١، ١٤٢٨/ ٢٠٠٧)، الحديث ٨١، ج ١، ص ٧٩ - ٨٠؛ البيهقي: السنن الكبرى، "كتاب الجزية"، الحديث ١٨٦٤٥، ج ٩، ص ٣٢٩؛ الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام: المصنف، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي (بيروت: المكتب الإسلامي، ١٣٩٢/ ١٩٧٢)، "كتاب أهل الكتاب"، الحديث ١٠٠٢٥، ج ٦، ص ٦٨ - ٦٩؛ "كتاب أهل الكتابين"، الحديث ١٩٢٥٣، ج ١٠، ص ٣٢٥. ونكتفي بما قاله بشأنه ابن حجر: "وهذا [الحديث] منقطعٌ =
[ ١ / ٣٤٧ ]
الربا. (١) فكان الخلفاء الراشدون وأمراؤهم يعتمدون ما علموه من ذلك، ويتلقَّوْن مِمَّنْ له علمٌ من الصحابة ما حفظوه مما لم يكن للخلفاء علم به.
ولم يكنِ الصحابةُ يكتبون من سنة رسول الله - ﷺ - إلا شيئًا قليلًا كُتِب بأمر رسول الله - ﷺ -، مثل كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر - ﵁ - إلى أنس بن مالك لَمَّا وجهه إلى البحرين عاملًا عليها، فكتب إليه: "هذه فريضةُ الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين"، (٢) ومثل كتاب رسول الله - ﷺ - إلى عمرو بن حزم الأنصاري في الصدقة. (٣)
وقد كان عمر بن الخطاب استشار الصحابةَ في كتابة السنن، فأشار جميعُهم بالكتابة، فلبث عمر شهرًا يستخير الله، ثم عزم على عدم فعله وقال: "تذكرت فإذا أُناسٌ من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبًا، فأكَبُّوا عليها وتركوا كتاب
_________________
(١) = مع ثقة رجاله"، ثم قال: "ورواه ابن المنذر في الغرائب من طريق أبي علي الحنفي عن مالك فزاد فيه: عن جده، وهو منقطع أيضًا؛ لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر بن الخطاب. فإن كان الضمير في قوله: عن جده، يعود على محمد بن علي فيكون متصلًا؛ لأن جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف". ثم أضاف ابن حجر: "وله شاهدٌ من حديث مسلم بن علاء الحضرمي، أخرجه الطبراني آخر حديث بلفظ: "سُنُّوا بالمجوس سنةَ أهل الكتاب". العسقلاني: فتح الباري، "كتاب الجزية والموادعة"، ج ٢، ص ١٤٩٢.
(٢) رُوي أن عمر بن الخطاب قال: "إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَتْ آيةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قُبِضَ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا لَنَا. فَدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ". سنن ابن ماجه، "كتاب التجارات"، الحديث ٢٢٧٦، ص ٣٢٥؛ كنز العمال، "باب في الربا وأحكامه"، الحديث ١٠٠٨٢، ج ٤، ص ١٨٦. وسيأتي للمصنف ذكرٌ له في مقال "الحكم والمتشابه" من القسم الثالث من هذا المجموع، وسنعلق عليه هناك، فانظره والتعليق عليه في محله.
(٣) صحيح البخاري، "كتاب الزكاة"، الحديث ١٤٥٤، ص ٢٣٥. وهو كتاب طويل فيه تفصيلٌ لِمقادير زكاة الإبل والغنم.
(٤) انظر (المسند الجامع) حققه ورتبه وضبط نصه الدكتور بشار عواد معروف وزملاؤه، ج ١٤، ص ١٢٠ - ١٢٣ وفيه تمام تخريج كتاب رسول الله - ﷺ - إلى عمرو بن حزم النصاري في الصدقة. وانظر الحديث بتمامه في (صحيح ابن حبان) ج ١٤، ص ٥٠١ - ٥٠٤، (ط ٣، ١٤١٨ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت) تحقيق: شعيب الأرنؤوط.
[ ١ / ٣٤٨ ]
الله (يريد اليهود)، وإنِّي والله لا أُلبسُ كتابَ الله بشيء". (١)
ثم قد كان الخلفاء من بعد الصحابة يسألون مَنْ بقي من الصحابة فيما أشكل من الأحكام: فقد رُويَ أن عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير كانا يكتبان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب يستشيرانه، وأمر عبد الملك الحجاجَ بن يوسف - وهو أمير للحج - أن يقتدي في مناسك الحج بعبد الله بن عمر. (٢)
فلما انقرض عصرُ الصحابة أو كاد، رأى أولو الأمر من المسلمين اشتدادَ الحاجة إلى تدوين ما أُثِرَ عن رسول الله - ﷺ - لئلا يفوت ذلك بانقراض حَمَلته، فهرعوا
_________________
(١) روى ابن عبد البر والخطيب البغدادي بسنديهما - مع اختلاف يسير في اللفظ - عن الزهري، قال: "أخبرني عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أراد أن يكتب السنن، واستشار فيها أصحاب رسول الله - ﷺ - فأشار عليه عامتهم بذلك، فلبث عمر شهرًا يستخير الله في ذلك شاكًّا فيه، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله ﷾ له، فقال: "إني كنت قد ذكرت لكم في كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناسٌ من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبًا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني - والله - لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا"، فترك كتابة السنن". القرطبي، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، تحقيق مسعد عبد الحميد محمد السعدني (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٨/ ٢٠٠٧)، ص ٩٠؛ الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت: تقييد العلم، تحقيق يوسف العش (د. م.: دار إحياء السنة النبوية، ط ٢، ١٩٧٤)، ص ٤٩ - ٥١.
(٢) أخرج مالك عن سالم بن عبد الله أنه قال: "كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أن لا تخالف عبد الله بن عمر في شيء من أمر الحج. قال: فلما كان يومُ عرفة، جاءه عبد الله بن عمر حين زالت الشمس، وأنا معه، فصاح به عند سُرادقه: أين هذا؟ فخرج عليه الحجاج، وعليه ملحفة معصفرة، فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، فقال: أهذه الساعةَ؟ قال: نعم. قال: فأنظِرنِي حتى أُفيضَ عليَّ ماء، ثم أخرُج. فنزل عبدُ الله حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبِي، فقلتُ له: إن كنتَ تريد أن تُصيبَ السنةَ اليوم، فاقصُر الخطبةَ وعجل الصلاة، قال: فجعل الحجاجُ ينظر إلَى عبد الله بن عمر كيما يسمع ذلك منه، فلما رأى ذلك عبدُ الله قال: صدق سالم". الموطأ بروايته الثمانية، "كتاب الحج"، الحديث ٩٨٥، ج ٢، ص ٥٦٧؛ الجوهري، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد: مسند موطأ الإمام مالك، تحقيق لطفي بن محمد الصغير وطه بن علي بوسريح (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ١٩٩٧)، الحديث ١٧٨، ص ١٧٦؛ صحيح البخاري، "كتاب الحج"، الحديثان ١٦٦٠ و١٦٦٣، ص ٢٦٩ - ٢٧٠.
[ ١ / ٣٤٩ ]
إلى الذين تلقَّوُا العلمَ عن الصحابة وهم المعروفون بالتابعين، فكان ابتداء تدوين علم الحديث في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان من أهل العلم وممن سكن المدينة مدةً وشاهد علماءها وروى عنهم. فكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١) من فقهاء المدينة أن "اكتب إلَيَّ ما كان من سنة أو حديث، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء". (٢) وكان ذلك أواخر القرن الأول، فكتب إليه أبو بكر الحزمي كتبًا، توُفِّيَ عمر بن عبد العزيز قبل أن يبعث بها إليه، (٣) قال مالك: "لولا أن عمر بن عبد العزيز أخذ هذا العلمَ بالمدينة لشككه كثيرٌ من الناس"، (٤) يريد أنه حين كان أميرَ المدينة وكان أبوه قبله أميرَها، فقد علم
_________________
(١) أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان، الأنصاري، الخزرجي المدني، أمير المدينة ثم قاضيها، أحد الأئمة الأثبات، وعداده من صغار التابعين. قيل كان أعلم أهل زمانه بالقضاء. روى عن أبيه، وعن عباد بن تميم، وسلمان الأغر، وعبد الله بن قيس بن مخرمة، وعمرو بن سليم الزرقي، وعن خالته عمرة، وغيرهم. وحدث عنه ابناه عبد الله ومحمد، وحدث عنه الأوزاعي وأفلح بن حميد والمسعودي وآخرون، ووثقوه. قال مالك بن أنس: لم يكن على المدينة أمير أنصاري سواه. وقال: ما رأيت مثل ابن حزم أعظم مروءة وأتم حالًا، ولا رأيت من أوتِيَ مثلَ ما أوتِيَ ولاية المدينة والقضاء والموسم (أي موسم الحج). توفِّي سنة ١٢٠ هـ، وقيل سنة ١١٧ هـ.
(٢) أورد المصنف موضعَ الاستشهاد من كتاب عمر بن عبد العزيز بتصرف، ونصه: "انظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - فاكتبه، فإني خِفتُ دروسَ العلم وذهاب العلماء، ولا تَقْبَلْ إلا حديثَ النبي - ﷺ -، ولْيُفشوا العلم، وليجلسوا حتى يُعَلَّم مَنْ لا يعلم، فإن العلم لا يهلِك حتى يكون سرا". صحيح البخاري، "كتاب العلم"، ص ٢٢.
(٣) قال الفسوي (ت. سنة ٣٤٧ هـ): "حدثني عبد العزيز بن عمران وزيد بن حريش قالا: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان يكتب إلى الأمصار يعلمهم السننَ والفقه، ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى ويعملون بِما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزم أن يَجمع له السنن ويكتب إليه. فتوفِّي عمر، وقد كتب ابن حزم كتبًا قبل أن يبعث بها إليه". الفسوي، أبو يوسف يعقوب بن سفيان: كتاب المعرفة والتاريخ، تحقيق أكرم ضياء العمري (المدينة المنورة: مكتبة الدار، ط ١، ١٤١٠ هـ)، ج ١، ص ٤٤٣.
(٤) المصدر نفسه. قال الفسوي: "حدثني محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: والله ما استوحش سعيد بن المسيب ولا غيره من أهل المدينة بقول قائل من الناس، ولو أن عمر بن عبد العزيز أخذ هذا العلم بالمدينة لشككه كثير من الناس".
[ ١ / ٣٥٠ ]
مراتبَ العلماء فعرف مَنْ يستحق أن يُؤخذ عنه العلم. ولم تظهر كتبُ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
وقد قيل إن عبد الملك بن جريج (١) ألف كتابًا في تفسير آيات وذَكَرَ آثارًا، فقيل إنه أولُ كتاب أُلِّف في الإسلام، ومات سنة ١٤٩ هـ. قال ابن حجر: "أولُ مَنْ جمع الحديث الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، (٢) كانوا يصنفون كلَّ بابٍ على حدة"، (٣) ولم يظهر شيء مما كتباه.
وتبعت أثر ذلك المذاهبُ والنحل، وحدثت الأحزابُ في مسألة الخلافة وغيرها، ودخل في المسلمين كثيرٌ من المتظاهرين بالدين يكيدون إليه في السر ويُسِرُّون حَسْوًا في ارتغاء، (٤) فلم يجدوا سبيلًا لترويج مذاهبهم إلا سلكوها. وأكبرُ ذلك وأهَمُّه عندهم الاحتجاجُ لِمذهبهم بِما يُروَى عن رسول الله - ﷺ -، فكثر الكذبُ على النبي - ﷺ -، عمدًا، أو جهلًا، أو تحريفًا، أو تقليدًا. فلم يتوانَ أهلُ العلم بالحديث
_________________
(١) هو أبو الوليد، وكذلك أبو خالد، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، المكي، مولى أمية بن خالد القرشي. قال يحيى بن معين: هو مولًى لآل خالد بن أسيد، أصله رومي. ولد - كما قال ابن سعد - عام ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٥٠ هـ، وفي رواية سنة ١٤٧ هـ، وكان قد جاز السبعين. قال عنه الذهبي: الإمام العلامة الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد وأبو الوليد القرشي الأموي المكي، صاحب التصانيف، وأول مَنْ دون العلم بمكة. وقال عنه أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: مَنْ أولُ من صنف الكتب؟ قال: ابن جريج وابن أبي عروبة.
(٢) الربيع هو أبو بكر الربيع بن صبيح السعدي البصري، نسبة إلى سعد العشيرة من الأزديين. أول مَنْ صنّف بالبصرة، كان عابدًا ورعًا، روى الحديث مع ضعف حسب ما قيل عنه. وقد خرج غازيًا إلى السند فمات في البحر، ودفن في إحدى الجزر، عليه رحمة الله. وابن أبي عَرُوبة هو أبو النضر سعيد بن أبي عروبة (واسم أبى عروبة مِهْران)، اليشكري، مولاهم، أحد الأعلام الثقات، معدود في البصريين. احتج به البخاري ومسلم، ووثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي. حصل له اختلاط، وقيل كانت مدة اختلاطه خمس سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة، وقيل عشر سنين. توفِّيَ سنة ١٥٦ هـ.
(٣) العسقلاني: فتح الباري، ج ١ (المقدمة)، ص ١٦.
(٤) يقال أُسرَّ بسر حَسْوًا في ارتغاء لِمَنْ يُظهر أمرًا ويريد خلافَه.
[ ١ / ٣٥١ ]
في الذبِّ عن السنة بالتزام إخراج ما صح عن النبي - ﷺ -، وذلك بنقد الرواة وضبط أحوالهم، وعرض مروياتهم على أصول الشريعة ومشهور السنة.