﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. تتنزل هذه الآيةُ المباركة منزلةَ التعريف لهذا الدين، فمن الواجب أن نلم بخلاصة معناها،
[ ١ / ٣٠٧ ]
ونعلم كيف كان هذا الدين دين الفطرة. سمى الله هذا الدين بالفطرة، والفطرة هي ما فطر - أي خلق - عليه المرء طبيعة غير ناشئة عن معاشرة قوم أو مخالطة عادة، بذلك عرفها الشيخ ابن سينا [إذ قال]: " [ومعنى الفطرة] أن يتوهم الإنسانُ نفسَه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لم يسمع رأيًا، ولم يعتقد مذهبًا، ولم يعاشر أمة، [ولم يعرف سياسة]. لكنه شاهد المحسوسات، [وأخذ منها الخيالات،] ثم يعرض على ذهنه شيئًا [ويتشكك فيه]، فإن أمكنه الشكُّ فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه [الشكُّ] فهو ما توجبه الفطرة. وليس كلُّ ما توجبه فطرةُ الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرةُ القوة التي تسمى عقلًا قبل أن يعترضه الوهم". (١) أي الفطرة هي الإدراك الطبيعي الذي لم يكن ذوقًا ناشئًا عن ممارسة عقائد أو عوائد.
وصف الله هذا الدينَ بالفطرة بعد أن تعاشر الناسُ واقتبسوا طبائعَ بعضهم، فماذا أراد بذلك؟ أراد - وهو أعلم - الفطرةَ العقلية التي قد يدركها الشخص وهو مأسورٌ للعوائد وغيرها متى أراد الحقَّ والاهتداءَ ونبذ العصبية العمياء. فالإسلام دينُ الفطرة يأمر بما توجبه الفطرة العقلية الصحيحة: يأمر بمكارم الأخلاق والرحمة والعدل والبر والأدب، ويقيم الحجةَ المناسبة للعقل، فهو وسطٌ بين الفلسفة (٢)، وكل ذلك مما تألفه الفطرة وتهش له، ولا ترضى بصدور ضده من غيرها. فاعتبرَ من الفطرة المتقادمة ما أثَّر آدابًا جميلة في البشر، وألغى المنازعَ الفلسفية المحضة؛ لأنها لا تناسب أن تكون مبدءًا للذين لم ترتض أنفسهم للانتفاع بحقائق الأشياء.
_________________
(١) ابن سينا: النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق عبد الرحمن عميرة، ج ١، ص ٧٩ - ٨٠؛ كتاب النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، تحقيق ماجد فخري، ص ٩٩ - ١٠٠؛ وكذلك: الإشارات والتنبيهات، القسم الأول، ص ٣٥٠ - ٣٥٦.
(٢) يبدو أن في هذا الموضع سقطًا بمقدار كلمة على الأقل، حسب ما يقتضيه استعمال لفظة "بين" التي تفيد كون الإسلام يحتل مكانة وسطًا بين الفلسفة وسواها من العقائد. وإن لم يكن ذلك، يمكن أن نقدر ورود لفظ "الفلسفة" بالجمع. والله أعلم.
[ ١ / ٣٠٨ ]
بعد أن وصف الله الإسلام بأنه الفطرة التي فطر الناس عليها والتي أعدهم لها لولا أن حالت الموبقات، أخبر أن لا تبديل لخلق الله، فجعلها كرمز للإسلام، وهو أن لا يغير أحدٌ خلق الله، ولا يعدل عن سننه إلى تمحلات وهمية ونزعات من أوضاع الجاهلية، ليقطع تدجيلات قوم استرهبوا الناس بدعوى الخصيصات اللدنية. ثم وصف هذا الدين بأنه الدين القيم الذي لا أَمْتَ فيه ولا اعوجاج ولا انحراف عن الحق، وأن أكثر الناس لا يعلمون صلاحَهم فيصدون عنه مجذوبين بزخارف اعتادوها ورهبانية ابتدعوها وسلطة ألفوها وخافوها (١).
الاعتدال هو متوسط الصفات الفطرية مهما كانت كثرتها، والنزوع إلى طرفي الغلو والتقصير تكلف يحثه الذهابُ في مسارح الخيال اختراعًا أو تقليدًا؛ لأن مخترع الغلوِّ إنما أراد الإغراب في شيء يعتبره الناس حسنًا ليزيدهم من حسنه، وحب الزيادة من طباع النفوس المترفعة. أما التقصير فمن آثار النفوس الضئيلة التي لا تقدر أن توفي حق شيء لشغف بحب شهوتها أو جهل بحقيقة الخير. على هاتين القاعدتين أقيمت صروحُ الفساد في العقائد والأعمال المدنية، وجاء التشكيك بالضرورة في الأخلاق، ثم الانحطاط والمغالطة، لعجز النفس عن مداومة التكلف، كما قال أو الطيب:
وَأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّرًا تَكَلُّفُ شَيْءٍ فِي طِبَاعِكِ ضِدُّهُ (٢)
وقد كان في العرب العصبة وحِمى الجار والكرم والشجاعة والبلاغة، ولكنها كلها كانت تستخدم في غير النافع من مواضعها. فجاء الإسلام يعدلها ويرجع بها
_________________
(١) راجع للمصنف تفاصيلَ أوفى في موضوع الفطرة في مقال "فطرة الله" لا هذا القسم، وكذلك في: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص ٣٢ - ٤٥؛ مقاصد الشريعة الإسلامية، ص ٢٥٩ - ٢٦٧؛ تفسير التحرير والتنوير، ج ١٠/ ٢١، ص ٨٩ - ٩٤.
(٢) البيت هو الرابع من قصيدة قالها يمدح كافور الإخشيدي سنة ٣٤٠ هـ. البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج ٢، ص ١١٩.
[ ١ / ٣٠٩ ]
إلى أصولها، فأرجع العصبة للاتحاد، والحق للمظلوم، والكرم للمحتاج، والشجاعة في حماية الحق، والبلاغة في التعليم والدعاء للخير. ماذا أَعُدُّ من غلو العرب ومن تعديل الإسلام؟ ولو استُقصي ذلك لكان كتابًا في أخلاقهم وإصلاحها، فما ظنك بما عند غيرهم من معاصريهم؟ ومن يُلم بالتاريخ إلمامة يعلم المراد مما أجملناه.
فجاء الإسلام يجهر بذم هاته المساوئ والغلو فيها، قال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وجاءت في أصول الإسلام كلمةٌ جامعة، وهي عون كبير على تحقيق ما بيناه من قبل وما سنقوله من بعد، ألا وإنها آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ]﴾ [النحل: ٩٠]، استقصت هاته الآية ما يتصل بالتكليف فرضًا ونفلًا، وما يشهد للأخلاق والآداب عمومًا وخصوصًا، وهي التي قامت وقعدت لها حكماء العرب [عندما] نزلت بمكة في صدر الإسلام حين قال مفروق بن عمرو للنبي - ﷺ -: "إلى ما تدعونا أخا قريش؟ فتلا عليه الآية، فقال: دعوتَ والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك". (١)
_________________
(١) ذكر البيهقي بعد أن حكى قدوم وفد شيبان بن ثعلبة وما دار بينهم وبين الرسول - ﷺ - أن مفروقًا قال: "وإلام تدعونا يا أخا قريش. . . فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]، فقال مفروق بن عمرو: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قومٌ كذبوك وظاهروا عليك". البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، تحقيق عبد المعطي قلعجي (بيروت: دار الكتب العلمية/ القاهرة: دار الريان للتراث، ط ١، ١٤٠٨/ ١٩٨٨)، ج ٢، ص ٤٢٥. ومفروق هو مفروق بن عمرو (الأصم) بن قيس بن مسعود الشيباني، فارس شاعر جاهلي، من سادات بني شيبان. كان هو وأبوه شاعرين، ومفروق أشعر. وهو القائل من أبيات: فَلَأَطْلُبَنَّ الْمَجْدَ غَيْرَ مُقَصِّرٍ إِنْ مُتُّ مُتُّ وَإِنْ حَيِيتُ حَيِيتُ =
[ ١ / ٣١٠ ]
أمر الله فيها بالعدل، والعدل في لسان العرب جاء من المعادلة وهي المساواة والمماثلة، وهو هنا التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، من معادلة الميزان (وهي توسط لسانه) إذا استوت كفتاه. فأمر بأنواع العدل كلها في الاعتقاد والأعمال والمعاملات. فالعدل في الاعتقاد هو التوسط بين الوثنية والمادية (١)، وفي الأعمال عدل الحكام، والتيسير في الدين التوسط بين التساهل والتشدد، وفي المعاملات معاملة المرء نفسه بمنعها مما يضر بها من شهواتها وتخويلها ما ينفعها من مرغوباتها، وبينه وبين الخلق ببذل النصيحة بلطف وترك الخيانة والإنصاف من نفسه لهم، وأن يمسك عن أذاهم ولا يدع من يجترئ عليه منهم.
أما الإحسان فهو من أحسن إذا فعل حسنًا، فاحترام الكبار والشفقة على الأطفال والضعفاء والصدقة والعفو كلها من الإحسان، وكذا الشفقة على الحيوان، وفي الحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". (٢) عطف الله على الإحسان إيتاء ذي القربى وهو إعطاء من له بك قرابة، لينبه على أن أكبر الإحسان وأولاه بالتنصيص إعطاء الأقربين كي لا يظن أحد أن ليس من الإحسان ما يعطي لأقاربه، فيذهب ينفق مالَه على الأبعدين فقط، وربما كان في أقاربه مَنْ هو أحوجُ منهم، وفي إعطاء أقاربه صلةٌ لأرحامهم ومجلبةٌ لحبهم. وذلك من مبادئ الاتحاد، وهو إحسانٌ
_________________
(١) = اشتهر في أيام النعمان بن المنذر الذي قتله كسرى، قبيل الإسلام. ولما أغارت قبائل العرب على سواد العراق، بعد مقتل النعمان، كان مفروق ممن أغار، وله في ذلك شعر. واسم مفروق: النعمان، وهو بمفروق أشهر. أدرك الإسلام، ووفد على النبي - ﷺ - مع جماعة من بني شيبان، فكان أطلقهم لسانًا وأجملهم طلعة. قال أبو نعيم: ولا أعرف له إسلامًا. ويقال، كما في النقائض: قتله قعنب بن عصمة يوم "الإياد"، ودفق في ثنية بين الكوفة وفيد سميت بعده "ثنية مفروق". توفي نحو سنة ٨ للهجرة.
(٢) لعله يقصد بالمادية النزعات الإلحادية التي تنكر وجود الإله الخالق.
(٣) جزء من حديث تمام لفظه: "إن الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، ولْيُرِحْ ذبيحته". صحيح مسلم، "كتاب الصيد"، الحديث ١٩٥٥، ص ٧٧٧ - ٧٧٨؛ سنن الترمذي، "كتاب الديات"، الحديث ١٤٠٩، ص ٣٦١. واللفظ للترمذي.
[ ١ / ٣١١ ]
عظيم لهم ولنفسه؛ لأن من راحة المرء في حياته استقامةَ وراحة مَنْ تربطه بهم أسبابُ الحياة.
نهى بعد ذلك عن الفحشاء، وهي ما يتجاوز حدَّ الكرامة ويبالغ في السوء؛ لأن الفاحش يوصف به المجاوز للحد في الأمور الذميمة. وأكثر الفحشاء تنشأ عن القوة الشاهية وعن المنكر، وهو ما ينكره المرءُ إن وقع عليه، [وهو] من آثار القوة الغضبية. و[نهى] عن البغي، وهو تجاوزُ الحد في الشيء، من آثار القوة الواهمة، نحو الغلو في العزة والكرم.
لا شك أن المتأمل في هذه الآية ومقتضياتها يوقن أنها جاءت تأمر بالفطرة التي يعترف بها كل أحد ويحبها لنفسه. ويجمع ذلك أحكام التكاليف والمعاملة (١)، ولم يحد عن طريق الفطرة الفاضلة.
وَلِّ وجهك إن نسيت إلى آية: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، كيف تجد الفطرة السليمة تبسم عند سماعها إن لم يله سمعها نزغات المكابرين ووسواس الشياطين وإلف عادة الآباء الأولين.