عرَّف بعضُ علمائنا النصح بأنه "عناية القلب للمنصوح له [من كان] ". (١) وعرفه آخر بأنه قيامُ الناصح بوجوه خير المنصوح إرادةً وفعلًا، (٢) أي: بالنية والعمل. والنصيحة تأتي بمعنى الكلام الدال على النصح، فليست نية الخير للغير نصيحة. وإنما ينبغي التنبيه على التفرقة بين النصح وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالنصحُ أعمُّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخصُّ منه من وجه، فهما يتلاقيان في أحوال وصور كثيرة، وينفرد كلاهما في صور كثيرة أيضًا. فحقيقةُ النصح - كما علمتَ - إبلاغُ ما فيه خيرٌ للمنصوح، وإن لم يكن متلبِّسًا بفعلِ منكرٍ ولا بتركِ معروف، وكون الخير المنصوح به نافعًا للمنصوح وإن لم يكن من ضد المنكر.
_________________
(١) = تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م، ص ٢٢١. ابن رجب: جامع العلوم والحكم، ج ١، ص ٢١٦. ولم أجده في "حلية الأولياء" لأبي نعيم ولا في "المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم" له أيضًا. والطوسي هو أبو الحسن محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد الخراساني، الكندي، مولاهم. ولد سنة ١٨٠ هـ تقريبًا، وتوفي سنة ٢٤٢ هـ. قال فيه أبو يعقوب المروزي وقد سئل عن رأيه فيه مقارنةً بأحمد بن حنبل وقد صحبهما جميعًا: "إذا ذكرتَ محمد بن أسلم في أربعة أشياء فلا تقرن معه أحدًا: البصر بالدين، واتباع أثر النبي - ﷺ - في الدنيا، وفصاحة لسانه بالقرآن، والنحو". الأصفهاني: حلية الأولياء، ج ٩، ص ٢٥١.
(٢) ذكره المروزيُّ عن بعض أهل العلم، ولم يسمه. وما بين الحاصرتين لم يورده المصنف. كتاب تعظيم قدر الصلاة، ج ٢، ص ٦٩١.
(٣) كذا قال ابن الصلاح وتمام كلامه بلفظه: "النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادةً وفعلًا". الشهرزوري: صيانة صحيح مسلم، ص ٢٢٣. كما ذكره ابن رجب الحنبلي. جامع العلوم والحكم، ج ١، ص ٢٢٢. وقريبٌ منه ما فسر به الإمام الخطابي حيث قال: "النصيحة كلمة يُعبَّر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يُعبَّر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها". البستي، أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي: معالم السنن، نشرة بعناية محمد راغب الطباخ (حلب: مطبعة محمد راغب الطباخ العلمية، ط ١، ١٣٥٢/ ١٩٣٤)، ج ٤، ص ١٢٥ - ١٢٦.
[ ١ / ٣٢٩ ]
فالنصح يعم الدلالةَ على جلب ما فيه خيرٌ ونفعٌ راجع [للمنصوح]، (١) وإن لم يكن المنصوحُ متلبِّسًا بفعل منكر أو بترك معروف، فقد يكون الناس في ذهول عن اكتساب نفع أو فضل ديني ولم يكن إهماله ارتكابًا لمنكر ولا تركًا لمعروف، كما فعل السلفُ في بذل نفوسهم وأموالهم لتوسيع سلطان الإسلام بالفتوحات في الأرض مما زاد على الدفاع عن الحوزة.
واعلم أن ما في الحديث من قوله: "الدين النصيحة" هو تركيبٌ يفيد معنى الحصر لما فيه من تعريف ركنَيْ الإسناد: المسنَد إليه والمسنَد. فمعنى حصر الدين في النصيحة المبالغةُ في الاهتمام بمكانة النصيحة من الدين، بحيث جُعلت النصيحةُ هي عين الدين حتى كان إهمالُها إهمالَ الدين. على أن معنى النصيحة يتحقق في معظم أمور الدين، فإن حاصل العمل بأمور الدين في المعاملات بين المسلمين وفي خويصة المسلم لا يخلو من أن يكون نصحًا لله ولرسوله وللمسلمين ولنفس المسلم العامل بالدين، فإنه بعمله بأحكامه ينصح بذلك لنفسه.
فأما النصيحة لله ولكتابه ولرسوله التي تضمنها الحديث، فهي خارجة عن موضوعنا، وبيانُها تكفل به علماء الحديث. (٢) وإنما ينحصر موضوعُنا في النصيحة التي هي واجبُ المسلمين بعضهم لبعض، وهي المتعلقة بقوله في الحديث: "ولأئمة المسلمين وعامتهم". وأئمة المسلمين جمع إمام، والإمام من يُقتدى به ويُعمل على شاكلة عمله، فيشمل ولاة أمورهم من الأمراء، ويشمل من يقتدون به من علماء الشريعة. وهذان الصنفان هما المفسر به "أولي الأمر" من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
_________________
(١) هذه اللفظة ليست في النص المنشور في "جوهر الإسلام"، والسياق يقتضيها.
(٢) انظر في ذلك مثلًا: المروزي: كتاب تعظيم قدر الصلاة، ج ٢، ص ٦٩١ - ٧١٥؛ النووي: صحيح مسلم بشرح النووي (القاهرة: المطبعة المصرية بالأزهر، ط ١، ١٣٤٧/ ١٩٢٩)، ج ٢، ص ٣٧ - ٤١؛ ابن رجب: جامع العلوم والحكم، ج ١، ص ٢١٩ - ٢٢٥.
[ ١ / ٣٣٠ ]
فنصح الناصح لأئمة المسلمين أن يبلغ إلى أولي الأمر ما يُخشى منه على الأمة من كيد الكائدين، وينبههم إلى ما عسى أن يحدث من إحن بين ولاة الأمور مما يحجب عن رعي مصلحة الأمة الإسلامية. وما قضى باضمحلال الإسلام من الأندلس إلا تخاذل ملوك الطوائف وكيد بعضهم لبعض، كما قال ابن الخطيب بعد أن ساق ذكرَ ملوك الطوائف: "والقُطرُ في أثناء هذا يُنتهب، والروم تستصفي النفوسَ والذهب؛ إذ صادفت كلمةً متفرِّقة، وأمةً بما دهاها شَرِقة". (١)
وأما النصح لعلماء الدين فأن يسعى الناصحُ بتذكيرهم والتقريب بينهم إذا اشتطوا في الخلاف، وبالتوفيق بين أتباعهم بأن ينبذوا الحميةَ والعصبية، ويجعلوا الحقَّ نصب أعينهم، ويتتبعوا أخطاء أفهام المتفقهين في الدين، (٢) وأن يدعوهم إلى السعي إلى توحيد المسلمين ويدعوهم إلى جمع المؤتمرات المفيدة للتفاهم في شؤون الدين.
واعلم أن الأمر يُعكس، فكذلك يفرض على ولاة الأمور وعلى العلماء أن ينصحوا للعامة لما يرون فيهم من تقصير أو إضاعة لما تجب إقامته من أمور دينهم وكيانهم بمقدار ما لديهم من رغبة ورهبة، ولا ينفروا الأمةَ عن متابعتهم وإقناعهم بحسن الاعتقاد فيهم، وفي نصيحتهم. قال تعالى مخاطِبًا لرسوله - ﷺ -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وذلك داخل في النصح لعامة المسلمين.
_________________
(١) لم أعثر على هذه العبارة، ولكن عثرت على ما يشبهها تصويرًا للحال التي آلت إليها أوضاع الأندلس، حيث قال ابن الخطيب في آخر ترجمة نصر بن بن محمد بن محمد يوسف الملقب بأبي الجيوش: "وكانت أيامُه - كما شاء الله - أيامَ نحس مستمر، شملت المسلمين فيها الأزمة، وأحاط بهم الذعر، وكلِب العدو". الإحاطة في أخبار غرناطة، ج ٣، ص ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) وهكذا فلعامة المسلمين الاحتساب على العلماء وتنبيههم إلى ما قد يقعون فيه من أخطاء الفهم والتأويل والفتوى، كما لهم أن يحثوهم على مراعاة وحدة الأمة وأن لا يجعلوا مذاهبَ التفقه والاجتهاد في الشريعة أسبابًا للعصبية والفرقة والتدابر بين المسلمين.
[ ١ / ٣٣١ ]
وبما ذكرنا وقدمنا يظهر أن المسلمين مفرطون في حياطة جانب مهم من جوانب واجباتهم فيما بينهم.
وأما قوله: "وعامتهم"، فشاملٌ لنصح المرء نفسه بحملها على العمل بما جاء به الإسلام؛ لأنه بذلك يقيها مما يهلكها في الدنيا والآخرة، فهو نصح لها.
والنصيحة قسمان: واجبة ونافلة. فالواجبة لأئمة المسلمين دلالتهم على صلاحهم ورشدهم وعدلهم وصدقهم الأمة في القول والعمل، وتحذيرهم مما فيه تفريق الجماعة المصالحة من الأمة. وإنما كانت واجبةً لأنها إذا أُهملت تلحق المسلمين مضار من غفلة الأئمة بإهمال بعض المصالح. وهذا النصحُ يقوم له كلُّ مَنْ يأنس من نفسه العلمَ بما يؤدي إلى ذلك. والنافلةُ ترغيبهم في الازدياد من الخير. والنصيحةُ الواجبة لعموم المسلمين انتشالُهم من الضلالة ودعوتُهم إلى الائتلاف والوفاق. وإذا استنصحه المسلم وجب عليه نصحُه، ففي الحديث: "إذا استنصح المسلم أخاه المسلم فلينصحه". (١) والنافلة الدلالةُ على ما فيه خير للمسلم في دينه ودنياه.