ليس اعتنائي بمقالات الشيخ ابن عاشور أمرًا أُنُفًا، وإنما هو استئنافٌ واستكمال لجهود سلفت. فهناك - فيما أعلم - ثلاثُ محاولات سعى أصحابها إلى جمع شيء من تلك المقالات ونشرها في سفر واحد: الأولى نهض بها نجلُه الأستاذ عبد الملك ابن عاشور عليه رحمة الله ونشرها بعنوان "تحقيقات وأنظار في القرآن
[ ١ / ١٦ ]
والسنة" (١). وقد اشتمل هذا المجموعُ على إحدى وعشرين مقالة تتفاوت طولًا وقصرًا، نظمها جامعُها في قسمين: قسم خاص بالقرآن (ست مقالات) وقسم خاص بالسنة (خمسة عشر مقالة). ومن هذه المقالات ما نشر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ومنها ما نشرته مجلات أخرى، ومنها ما يبدو أنه لم يسبق نشره.
أما المحاولة الثانية فنهض بها الأستاذ الأديب علي الرضا الحسيني المحامي (ابن أخت الشيخ محمد الخضر حسين) نزيل دمشق، ونشرها بعنوان "مقالات الإمام محمد الطاهر ابن عاشور" في سلسلة "روائع مجلة الهداية الإسلامية" (٢). وكما هو واضح من اسم السلسلة، فقد اقتصر الحسيني في هذا المجموع على اثني عشر مقالًا مما نشر في مجلة "الهداية الإسلامية". والحقيقة أن ما أودعه الأستاذ الحسيني في هذا الكتاب هو المجموعة الأخيرة من مقالات ابن عاشور التي نشرتها المجلة المذكورة، والتي يبدو أن الحسيني أصدرها في حلقات تحت اسم السلسلة نفسها متوخيًا في ترتيبها الرابط الموضوعي بين مقالات كل حلقة، كما ينبئ عن ذلك ظاهرُ كلامه في تقديمه للمجموعة التي اطلعنا عليها (٣).
أما المحاولة الثالثة فنهض بها الأستاذ محمد إبراهيم الحمد من الزلفي بالمملكة العربية السعودية، وهي ليست ممحضة لابن عاشور، وإنما شملت مجموعًا منتخبًا من المقالات لعدد من الكتاب العرب البارزين في القرن الميلادي الماضي نشرها جامعُها في ثلاثة مجلدات بعنوان "مقالات لكبار كتاب العربية" (٤). وقد نسق
_________________
(١) نُشر هذا المجموع سنة ١٩٨٥ نشرًا مشتركًا بواسطة الدار التونسية للنشر بتونس والمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر، وصدر حديثًا عن دار السلام بالقاهرة سنة ١٤٢٨/ ٢٠٠٧.
(٢) صدر هذا المجموع سنة ١٤٢٢/ ٢٠٠١ عن الدار الحسينية للكتاب التي من الراجح أن مقرها دمشق حيث يقيم الأستاذ الحسيني، ولست أدري على وجه اليقين إن كان التاريخ المذكور هو تاريخ الطبعة الأولى للكتاب أم أنه لم يسبق طبعه؛ إذ لا ذكرَ لرقم الطبعة.
(٣) الحسيني، علي الرضا: مقالات الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، ص ١٣ - ١٥.
(٤) صدر هذا المنتخب في طبعته الأولى سنة ١٤٢٦/ ٢٠٠٥ عن دار ابن خزيمة بالرياض.
[ ١ / ١٧ ]
الأستاذ الحمد مختاراته وفق ترتيب موضوعي، فجاءت مقالاتُ ابن عاشور البالغ عددها ستة موزعة في مواضع مختلفة تبعًا لذلك الترتيب، وهي مأخوذةٌ كلها من مجلتي "السعادة العظمى" و"الهداية الإسلامية". إلا أن أحدها - وهو "من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" - جاء منقوصًا نقصًا كبيرًا يتجاوز النصف، وقد اعتذر الأستاذ الحمد عن ذلك بأنه لم يتيسر له الاطلاعُ على جميع حلقات المقال (١).
وتختلف هذه المحاولات الثلاث من حيث المقالات التي اشتملت عليها إلا واحدًا، هو مقال "من يجدد لهذه أمر دينها الذي نشرته مجلة "الهداية الإسلامية" في تسعة نجوم. ولكنها تشترك جميعًا في أنها خلت خلوًّا تامًّا من أيِّ توثيقٍ لما جاء في تلك المقالات من آثار أو أقوال أو أشعار، كما خلت من أيِّ تعليق على ما بثه ابن عاشور في ثناياها من آراء، أو آثاره من مسائل، أو أومأ إليه من مواقف ومفاهيم. وبينما حرص علي الرضا الحسيني ومحمد إبراهيم الحمد على بيان مصادر المقالات التي جمعاها بذكر أعداد المجلة أو المجلات التي نُشرت فيها، جاءت محاولةُ عبد الملك ابن عاشور خالية من ذلك إلا قليلًا. والحقيقة أن خلو المحاولات المذكورة من التوثيق والتعليق والتحقيق أمرٌ لا يختص بها، فهو حالُ كل ما تيسر لنا الاطلاعُ عليه من مجاميع المقالات والفتاوى لعدد من العلماء والمفكرين (٢). ويبدو أن سببَ ذلك هو ما تتطلبه عمليةُ التوثيق والتعليق والتحقيق من جهد مضن ووقت طويل ونفس أطول، ولا ينبئك مثلُ خبير! وربما كان الداعيَ إلى ذلك حرصُ الجامعين لتلك المقالات على إيصالها إلى القراء تعجيلًا لانتفاعهم بها. ومهما
_________________
(١) محمد إبراهيم الحمد: مقالات لكبار كتاب العربية (المجموعة الثالثة)، ص ٣٤٩، الحاشية رقم ٣.
(٢) من ذلك جمهرة مقالات الشيخ محمود محمد شاكر، وفتاوى الشيخ محمد أبو زهرة، وآثار الشيخ مصطفى عبد الرازق، وفتاوى الشيخ مصطفى الزرقا، وفتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي، ومقالات الشيخ السيد أحمد صقر، ومقالات الشيخ محمد الغزالي (التي نشرت في مجلة "الوعي الإسلامي").
[ ١ / ١٨ ]
كان السبب أو الداعي، فإنه لا مراء في أن ذلك يعد نقصًا وقصورًا في ميزان التحقيق العلمي.
ويمكن أن نضيف إلى الجهود السابقة في جمع ما تناثر من تراث ابن عاشور ما صنعه كلٌّ من الأستاذين محمد بن يونس السويسي ومحمد بن إبراهيم بوزغيبة، وإن كان عملُهما قد اقتصر على الفتاوى دون البحوث والمقالات العلمية. وبصرف النظر عن أيهما سابق في ذلك، فإنا نعرض هنا لما أنجزه كلٌّ منهما حسب تاريخ نشره. محض بوزغيبة جهده لجمع فتاوى ابن عاشور دون غيره ونشرها بعنوان "فتاوى الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور" (١) محتويًا على مائة وثلاثة عشر فتوى، بينما يندرج صنيعُ السويسي في سياق أوسع هو مجموع ما صدر عن علماء تونس من فتاوى خلال قرن من الزمان، وذلك في كتابه "الفتاوى التونسية في القرن الرابع عشر الهجري" الذي اشتمل على ثمان وثمانين فتوى (٢). وكانت مصادرهما الرئيسة في ذلك الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات العلمية التي كانت تصدر بتونس وفتحت صفحاتها لفتاوى ابن عاشور.
وقد سلك بوزغيبة والسويسي في محاولتيهما نهجًا موضوعيًّا في ترتيب الفتاوى على أبواب تتفاوت في حجمها حسب وفرة المادة المنضوية في كل باب. ومما يميز هاتين المحاولتين توثيق الشواهد والأقوال، والتعليق على جملة من المواضع شرحًا للفظ، أو بيانًا لمعنى، أو تصحيحًا لخطأ، حسبما قدره القائمان بهما من الحاجة إلى ذلك. على أننا نلاحظ أن بعضَ نصوص ابن عاشور التي عدها الأستاذان من قبيل الفتوى هو محلُّ نظر، إذا عايرناها بمعيار علمي دقيق في صناعة الفتوى، سواء
_________________
(١) صدر الكتاب سنة ١٤٢٥/ ٢٠٠٤ عن مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي في ٤٩٥ صفحة (بما في ذلك قائمة المراجع والفهارس).
(٢) صدر الكتاب سنة ١٤٣٠/ ٢٠٠٩ عن دار سحنون في تونس ودار ابن حزم في بيروت بعنوان "الفتاوى التونسية في القرن الرابع عشر الهجري جمعًا وتحقيقًا ودراسة لما نشر بتونس" في مجلدين من ١٢٧٦ صفحة (بما في ذلك قائمة المراجع والفهارس).
[ ١ / ١٩ ]
كان ذلك من حيث الموضوع أو من حيث الأركان والشروط أو من حيث المخرج، إلا أن يُحمل معنى الفتوى على غير قليل من التجوز والتسامح (١).
تلك هي الجهود التي وقفنا عليها والتي اهتم أصحابها بجمع شيء من مقالات ابن عاشور. ومهما كان من محدودية تلك الجهود من حيث الإحاطة والشمول، ومهما كان تفاوتها وقصور بعضها من حيث الدقة والاستقصاء في التحقيق والتوثيق، فإنها أسدت لا محالة خدمةً جليلة بجعل جزء مهم من تراث ابن عاشور - المنثور في مجلات وصحف متعددة باعد الزمان بيننا وبينها عبر بلدان مختلفة - في متناول القراء والباحثين. وهي بذلك مهدت جانبًا من الطريق وفتحت أمامنا أفقًا مهمًّا، فيسرت علينا ما أقدمنا عليه وتجشمناه في صناعة هذا المجموع أو الجمهرة لمقالات ابن عاشور ورسائله وما ألحقناه بها، وذلك على الأقل بأن نبهتنا إلى تدارك بعض ما شابها من مظاهر القصور التي ألمحنا إليها. ولذلك فليس جهدُنا فيما عزمنا عليه إلا بناءً على ما صنعه أولئك السابقون وتكميلًا لما بدؤوه.