الشفاعةُ توسُّطُ سيِّدٍ أو حبيب أو ذي نفوذ لِمن يملك عقوبة أو حقًّا بأن يعدل عن الأخذ به، وقد كانت عند العرب في الغالب من شعار الود. وفي الحديث: "قالوا هذا حرِيٌّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يشَفَّع". (٣)
_________________
(١) لَم يتيسر لنا الاطلاعُ على عدد مجلة "هدى الإسلام" الذي نُشِرَ فيه هذا المقال، وقد اعتمدنا في ضبط نصه على كتاب "تحقيقات وأنظار".
(٢) سنن الترمذي، "أبواب صفة القيامة"، الحديث ٢٤٣٥ - ٢٤٣٦، ص ٥٧٩؛ السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث: سُنَنُ أبي دَاوُد، نشرة بعناية محمد عبد العزيز الخالدي (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٠/ ١٩٩٩)، "كتاب السنة"، الحديث ٤٧٣٩، ص ٧٤٦.
(٣) جزء من حديث سهل بن سعد الساعدي. صحيح البخاري، "كتاب النكاح"، الحديث ٥٠٩١، ص ٩١٠ - ٩١١؛ وانظر كذلك "كتاب الرقاق"، الحديث ٦٤٤٧، ص ١١١٩؛ سنن ابن ماجه، =
[ ١ / ٨٥ ]
وفي شفاعة الحبيب، قال الشاعر:
وَنُبِّئْتُ لَيْلَى أَرْسَلَتْ بِشَفَاعَةٍ إلَيَّ فَهَلَّا نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُهَا (١)
شفع الشعراء عند الملوك لِمَا للشعر من النفوذ: شفع علقمة الفحل عند الملك عمرو بن هند في أخيه شاس وأسرى من قومه، ولم يتوسل له إلا بكونه نزيلًا في بلاده غريبًا عن قومه، فقال:
فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا مِنْ شَفَاعَةٍ فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ (٢)
وقد تُطلق الشفاعةُ مجازًا وتسامُحًا على الوساطة في الخير ورفع الدرجة. ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، وقول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: "اشفعوا فلتؤجروا، وليقضِ الله على لسان رسوله ما شاء"، (٣) وقول دعبل الخزاعي: (٤)
_________________
(١) = نشرة بعناية صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ (الرياض: دار السلام، ١٤٢٠/ ١٩٩٩)، "كتاب الزهد"، الحديث ٤١٢٠، ص ٦٠١.
(٢) البيت هو الأول من مقطوعة من بيتين في حماسة أبي تمام. المرزوقي: شرح ديوان الحماسة، ج ٣، ص ١٢٢٠ (الحماسية ٤٥٥). وقد اختلف في نسبته، فقيل هو للصمة بن عبد الله القشيري، وقيل هو لعبد الله بن الدمينة، وقيل هو لغيرهما.
(٣) في رواية الأصمعي للقصيدة (وهي من تسعة وثلاثين بيتًا، آخرها البيت المستشهد به) أن علقمة قالها في مدح الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني، وكان أسر أخاه شاسًا، فرحل إليه يطلب فكه. ديوان علقمة بن عبدة الفحل (بشرح الأعلم الشمنتري) تحقيق لطفي الصقال ودرية الخطيب (حلب: دار الكتاب العربي، ط ١، ١٣٨٩/ ١٩٦٩)، ص ٤٨. ويقال إن علقمة أنشد هذه القصيدة جبلةَ بن الأيهم بمحضر النابغة الذبياني وحسان بن ثابت، ويقال أيضًا إن الذي أنشدها عمرو بن الحارث الأعرج.
(٤) صحيح البخاري، "كتاب الأدب"، الحديثان ٦٠٢٧ - ٦٠٢٨، ص ١٠٥٣؛ صحيح مسلم، "كتاب البر والصلة والآداب"، الحديث ٢٦٢٧، ص ١٠١٤؛ سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب الأدب"، الحديث ٥١٣١، ص ٨٠١. واللفظ للبخاري.
(٥) هو أبو علي محمد بن علي بن رزين بن ربيعة الخزاعي، ولد بالكوفة سنة ١٤٨/ ٧٦٥. لقبته الداية بدِعبل، لدعابة كانت فيه؛ أرادت "ذعبلًا"، فقلبت الذال دالًا. شبّ دِعبل في بيت اختص =
[ ١ / ٨٦ ]
شَفِيعَكَ فَاشْكُرْ فِي الْحَوَائِجِ إِنَّهُ يَصُونُكَ عَنْ مَكْرُوهِهَا وَهُوَ يَخْلُقُ (١)
ومن الشواهد لذلك نكتةٌ تاريخية قلَّ مَنْ يتفطن لها، وهو ما وقع في ظهير الخليفة القادر بالله الذي أصدره للسلطان يمين الدولة محمود الغزنوي بولاية خراسان، فقد جاء فيه: "وليناك كورةَ خراسان، ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفراييني". (٢)
والمرادُ بالشفاعة الثابتة لرسول الله شفاعتُه يومَ القيامة للناس عند الله تعالى لدفع ما يلاقونه من العذاب. وإذ قد أراد الله تعالَى إكمالَ الفضائل لرسوله محمد - ﷺ -، كان من جملة ما أعطاه أن أعطاه فضيلةَ الشفاعة وسماها بالمقام المحمود فقال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، تكميلًا لفضائله في الآخرة، على حسب ما له من السؤدد والقبول عند الله تعالى. فقد أعطى أهلَ السيادة الدنيوية
_________________
(١) = بالشعر؛ فجده رزين شاعر، وأبوه علي كان من شعراء عصره، وعمه عبد الله بن رزين أحد الشعراء، وابن عمه محمد بن عبد الله (الملقب بأبي الشيص). شاعر له ديوان، وأخواه علي أبو الحسن ورزين من الشعراء المشهورين. وعن هؤلاء جميعًا أخذ دعبل، ومنهم تعلم؛ فتلقف أبجدية الشعر وأصوله، وفهم معانيه وغاص في بحوره، وحفظ الكثير من الأبيات والقصائد. خرج من الكوفة إلى الحجاز مع أخيه رزين، وإلى الري وخراسان مع أخيه علي. رافق مسلم بن الوليد الشاعر المتصرف في فنون القول ذا الأسلوب الحسن، ليأخذ الأدب عنه ويستقي من فنون الشعر عنده، حيث كان ابن الوليد - كما قيل عنه - أول من قال الشعر المعروف بالبديع، وتبعه فيه أبو تمام وغيره. رحل دعبل إلى بغداد واستقر بها، وكان شاعرًا هَجَّاءً، متشيعًا، غير هياب، حتى إنه هجا الرشيدَ والمأمون والمعتصم والواثق! وكان صديقًا للبحتري، وصنف كتابًا في طبقات الشعراء. توُفِّيَ سنة ٢٤٦/ ٨٦٠.
(٢) لهذا البيت قصةٌ في العلاقات الأدبية بين الشعراء رواها هارون بن عبد الله المهلبي، وذكرها الأصفهاني في أخبار أبي تمام، فانظرها في: الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم القرشي الأموي: الأغاني، تحقيق قصي الحسين (بيروت: منشورات دار ومكتبة الهلال، ط ١، ١٤٢٢/ ٢٠٠٢)، ج ٦/ ١٦، ص ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٣) تعذر علينا توثيق هذا الظهير، ولعل قارئًا خبيرًا بوثائق التاريخ يهدينا إليه. استدراك: ورد هذا النص في "شرح المقاصد في علم الكلام" للتفتازاني، ج ٢/ ص ٢٣٩، وأورده ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير ٣/ ١٥ طبعة الدار التونسية.
[ ١ / ٨٧ ]
الزائلة خصلةَ الشفاعة الزائلة، وأعْطى صاحبَ السيادة الحقة الدائمة الشفاعةَ الصادقة في دار الخلود، وخصه بها كما خصه بفضائلَ لم يشاركه فيها أحد.
فقد روى مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: "أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُحِلت لِيَ الغنائم، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خاصة وبُعِثْتُ إلى الناس عامة". (١)
وفي صحيحَيْ البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة، قال رسول الله - ﷺ -: "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق. فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيهتمون لذلك، فيُلهمون فيقولون: لو استشفعنا إلَى ربنا حتى يريحنا من مكاننا، ثم ذكر أنهم يأتون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى (فكلٌّ يعتذر)، وأن عيسى يقول: ائتوا محمدًا عبدًا قد غُفرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني فأستأذن على ربّي فيأذن لي فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، قُلْ تُسمع، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفع رأسي فأحمد ربّي بتحميد يعلمنيه ربّي، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجدًا". (٢)
_________________
(١) لَم أجده في الموطأ برواياته الثمانية، فيبدو أن الإحالة على مالك والموطأ زلة قلم، أو لعله في نسخة ابن بشكوال من الموطأ التي سيأتِي ذكرُها في مقال المصنف عن الموطأ ونشأة علم الحديث. صحيح البخاري، "كتاب التيمم"، الحديث ٣٣٥، ص ٥٨؛ "كتاب المساجد"، الحديث ٤٣٨، ص ٧٦؛ صحيح مسلم، "كتاب المساجد ومواضع الصلاة"، الحديث ٥٢١، ص ١٩٤.
(٢) أورد المصنف الحديث مختصرًا، فانظره في: صحيح البخاري، "كتاب التفسير"، الحديث ٤٤٧٦، ص ٧٦٠؛ "كتاب الرقاق"، الحديث ٦٥٦٥، ص ١١٣٥ - ١١٣٦؛ "كتاب التوحيد"، الحديث ٧٤١٠، ص ١٢٧٤ - ١٢٧٥ والحديث ٧٥١٠، ص ١٢٩٣ - ١٢٩٤؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ١٩٣، ص ٩٤ - ٩٥؛ سنن الترمذي، "أبواب صفة القيامة"، الحديث ٢٤٣٤، ص ٥٧٨ - ٥٧٩.
[ ١ / ٨٨ ]
ووصف مثل ما وصف في المرة الأولى: "ثم أشفع فيحد لِي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة: قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة: فأقول ما بقي في النار إلا ما حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود". (١) وزاد مسلم عن حذيفة: "ويقوم محمد فيؤذن له، وتُرسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبَتَيْ الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولُكم كالبرق. . . ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال، تجري بهم أعمالُهم، ونبيُّكم قائم على الصراط يقول: رب سَلِّمْ سَلِّمْ، حتى تعجِزَ أعمالُ العباد حتى يجيء الرجلُ فلا يستطيع السيرَ إلا زحفًا. . . وفي حافَّتَيْ الصراط كلاليبُ معلقة مأمورة بأخذ من أُمِرت به، فمخدوشٌ ناجٍ ومكدوسٌ في النار". (٢)
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك - يزيد بعضُهم على بعض - عن رسول لله - ﷺ -، أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، فأُريد أن أختبئ دعوتِي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ مَنْ مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا". (٣) وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قيل: "يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ " قال رسول الله: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه [أو من نفسه] ". (٤) وفي
_________________
(١) البخاري ومسلم، الأحاديث نفسها المخرجة في الحاشية السابقة، واللفظ لمسلم.
(٢) صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ١٩٥، ص ٩٧ - ٩٨.
(٣) جمع المصنف بين ألفاظ عدة روايات للحديث، وأقربها إلى ما ذكره ما رواه مسلم: "حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو كريب - واللفظ لأبي كريب - قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته. وإني أريد أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ - إن شاء الله - مَنْ مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا". صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث ١٩٩، ص ٩٩، وانظر رواياتٍ أخر للحديث في الباب نفسه (باب اختباء النبي - ﷺ - دعوة شفاعته لأمته)؛ صحيح البخاري، "كتاب الدعوات"، الحديثان ٦٣٠٤ - ٦٣٠٥، ص ١٠٩٦ (بدون: "فتعجل كل نبي دعوته"، وبدون: "فهي نائلةٌ - إن شاء الله - مَنْ مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا").
(٤) صحيح البخاري، "كتاب العلم"، الحديث ٩٩، ص ٢٢؛ وكذلك "كتاب الرقاق"، الحديث ٦٥٧٠، ص ١١٣٦ (وفيه: "قلت"، بدل "قيل").
[ ١ / ٨٩ ]
صحيح مسلم عن أنس: "قال رسول الله - ﷺ -: "أنا أول الناس يشفع في الجنة"". (١) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - ﷺ -: "إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة"، (٢) يريد بشفاعة محمد؛ لأن التعريف للعهد. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل بأسانيدهم عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، قال الترمذي: هو "حديث حسن صحيح غريب". (٣) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن مقام محمد المحمود هو الذي يخرج الله به من يخرج من النار. (٤)
فشفاعةُ رسول الله يوم القيامة أمرٌ ثابت على الجملة بأدلة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وثبوتها للنبي - ﷺ - بأدلة من القرآن، قال تعالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، وبما ثبت في الصحيح ورويناه آنفًا.