(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
الاجتهاد في الإسلام
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا..
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويمًا وهدانا صراطًا مستقيمًا وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير..
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم "فما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين"، "يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون".
وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميًا وآذانًا صما وقلوبًا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيًا من أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلي يوم الدين..
"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرًا ونساءًا واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا".
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما".
أما بعد معشر إخوتي الكرام: ـ
تقدم معنا أن البدعة من أسباب سوء خاتمة الإنسان وقلت إننا سنتدارس هذا المبحث الخطير ضمن ثلاثة أمور:
أولها: في تعريف البدعة.
وثانيها: في النصوص المحذرة من البدعة.
وثالثها: في أقسام البدعة.
[ ٨٣ / ١ ]
ولازلنا إخوتي الكرام في المبحث الأول في أول هذه الأمور الثلاثة وتقدم معنا أن البدعة هي الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان مع الزعم بذلك إلى التقرب إلى الرحمن ولا تشهد لذلك نصوص الشرح الحسان ولا تحتمل هذا الحدث قواعد الإسلام هذا هو تعريف البدعة وتقدم معنا إخوتي الكرام أن التعريف السديد الرشيد ظل نحوه فرقتان من الإذام فرقة غلت وأفرطت ووسعت مفهوم البدعة فأدخلت فيها ما ليس منها فحكمت بالبدعة والتضليل على ما احتمله الدليل وقام به إمام جليل والفرقة الثانية فرطت وقصرت فألغت البدعة من الدين كلًا أو بعضًا والفريقان كما تقدم معنا على ضلال ودين الله بيَن الغالي والجافي..
إخوتي الكرام..
وقد ناقشنا الفرقة الأولى وبينت شططها وانحرافها وغلوها بأمثلة حكموا عليها بالبدعة وهي مقررة عندنا في الشريعة الإسلامية وكان كما قلت في الموعظة الماضية كان ينبغي أن ننتقل إلى الصنف الثاني لنتدارس أيضا تفريطه وتقصيره لنحذره لكنني قلت سأضع المعالم بعد دراسة الفرقة الأولى وانحرافها تنوعها بالرد على الفرقتين وهذه المعالم كما ذكرت في الموعظة الماضية إخوتي الكرام.. هي ثلاثة معالم..
المعلَم الأول منها: إن تشريع الشرائع من اختصاص الإله الخالق ﷾.
وثاني هذه المعالم: إن أركان هداية الإنسان ركنان متينان شرعًا قويم وعقلٌ سليم وتقدم معنا أنه لا يتعارض عقلٌ صريح مع نقل صحيح.
والمعلَم الثالث الذي ينبغي أن نعيه: منزلة الاجتهاد في الإسلام.
إخوتي الكرام.. وقد تقدم الكلام على الأمرين المتقدمين الأوليين على أن الشرائع من اختصاص الله جل وعلا فهو الذي لا يشرك في حكمه أحدا وعلى موقف العقل من النقل وختمت الكلام بأن أهل السنة الكرام أسسوا دينهم على المنقول وجعلوا المعقول تبعًا وقد عكس أهل البدع في هذا الأمر فأسسوا دينهم على المعقول وجعلوا المنقول تبعًا وبينت فساد طريقتهم في الموعظة الماضية.
إخوتي الكرام..
[ ٨٣ / ٢ ]
إن العقل مع النقل كالجاهل مع العالم، كالعامّي مع المفتي، ولذلك إذا توهم معارضة بين عقل الإنسان وشرع الرحمن فالواجب على الإنسان أن يطرح عقله وأن يُقدِّم شرع ربه نعم إن العقل إذا كان العقل ذكيًا لا يمكن أن يتعارض مع شرع الله جل وعلا فالله قد ضمن العصمة لشرعه ووحيه ولم يضمن العصمة لعقولنا وقلت أن هذا الأمر ليس من باب ازدراء العقل واحتقاره وإنما هذا من باب حفظ العقل وضبطه لئلا يشتط الإنسان ولئلا يبتعد عن الحق والصواب.
إخوتي الكرام..
نعم إن العقل مع النقل كالجاهل مع العالم وأما الميادين التي يسرح فيها العقل ويمرح ويصول ويجول والله جل وعلا ترك له حرية التقرير ليثبت ما يشاء وليقرر ما يشاء هذا يكون في المسائل المادية البحتة الخالصة كما هو الحال في علم البيولوجيا وفي علم الفلك وفي علم الكيمياء وفي علم الرياضيات وفي علم الفيزياء وفي علم الطب وفي غير ذلك من الأمور، العقل هذا معلّفٌ بأن يبحث ويجد وهو يقرر ما يتوصل إليه ولا حجر عليه في ذلك.
إن الأمور المادية هي مجال بحث العقل ليقرر ما يشاء وليثبت ما شاء لكنه عندما يبحث في هذه الأشياء غاية ما عند العقل أنه يثبت المشاهدات ويستطيع أن يقف على كيفية عمل الأشياء لكن حقيقة هذه الأشياء وكننها لا يعلمها إلا الذي خلقها ﷾ ويبقى قول الله جل وعلا لن يتخفف فينا "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" العلم للرحمن ﷻ وسواه في جهلانه يتغمغم ما للتراب والمعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم نعم ابحث ما شئت في هذه الأمور المادية وقرر ما شئت فلا حضر عليك ولا حجر لكن مع ذلك أنت غاية ما تستطيع أن تثبته من مشاهدات وكيف تعمل الأشياء لكن حقيقة هذه الأشياء لا يعلمها إلا رب الأرض والسماء.
[ ٨٣ / ٣ ]
"ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" والواجب علينا عندما تبحث عقولنا في هذه الأمور المادية البحتة التي لا تتدخل فيها شرائع الله المطهرة الواجب علينا أيضًا إذا بحثنا فيها أن نبحثها بطريقة شرعية لأن هذا الكون هو خلق الله ونحن عبيد الله ولا يجوز أن نتصرف في هذا الكون إلا بمشيئة الله وبإسمه ونطلب المعونة منه في جميع أمورنا.
ولذلك إذا أراد الإنسان أن يبحث في هذه الأمور المادية فليفتتح بحثه بإسم خالقها وخالقه وخالق كل شيء وكل أمر لا يبدأ فيه بإسم الله الرحمن الرحيم فهو أبترًا أجذمًا ممحوق البركة ثم بعد ذلك ينبغي أن تكون الطريقة التي يحصن الإنسان فيها هذه العلوم المادية ينبغي أن تكون طريقة شرعية فليس هناك اختلاط بين الرجال والنساء عندما نتلقى هذه العلوم المادية وعندما نبحث فيها فمن أشنع الأشياء في شريعتنا الغراء أن يختلط الرجال بالنساء وخِلطة النساء بالرجال في شرعنا من أقبح الخصال وسمة الفساق والجهال في كل وقت وبكل حال ومن أجل موجبات الطرد.
والأمر الثالث: نفتتح هذه العلوم باسم الله بطريقة شرعية يرضاها الله والأمر الثالث نجعل هذه العلوم وسيلة لخدمة الشرع المطهر فالرياضيات وغيرها عندما ندرسها لخدمة الدين وخدمة المسلمين.
والأمر الرابع: نعتبر من هذه العلوم التي نتعلمها فإذا درسنا الفلك ودرسنا الجيولوجيا، درسنا التشريح كل هذا عندما ندرسه ونقوم به ينبغي أن نعتبر بما جعل الله فيه في هذا الكون وفي هذه المخلوقات من أسرار عظيمة تدل على عظيم قدرته ﷾.
[ ٨٣ / ٤ ]
أخي الكريم: إذا كنت تبحث في الطب وهو علم مادي بحت تقرر بعد ذلك عما يتعلق ببدن الإنسان عن طريق التجارب التي تجريها عندما تبحث في هذا وغيره من العلوم تأمل الأسرار التي أودعها الله في بدن هذا الإنسان فإذا كنت تبحث في الطب..في طب الأسنان مثلا ما ينبغي أن تمر على الأسنان كما يقال مرور الكرام لا..ثم لا..ثم لا أنظر ما في هذه الأسنان من عبر عظيمة تدل على عظيم قدرة ذي الجلال والإكرام جعل الله جل وعلا في فم الإنسان اثنين وثلاثين ما بين سنًا وضرس اثنا عشر سنًا وعشرون ضرسًا وهي موزعة كالآتي ثنايا أربعة اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل ثنايا ثم يليها بعد ذلك الرباعيات وهي أربعة أيضًا اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل يليها الأنياب وهي أربعة أيضًا اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل يليها بعد ذلك الضواحك وإذا تبسم الإنسان ظهرت وهي أول الأضراس تلي الأنياب أربعة أيضًا اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل يليها الطواحين وهي اثنا عشر طاحنًا جعلها الله لتطحن الطعام بعد أن قطّعته الأسنان وآخر شيئًا النواجذ وهي أربعة اثنان في الفك الأعلى واثنان في الفك الأسفل تأمّل يا عبد الله ما في هذه الأسنان من عظيم العجائب التي تحار فيها الأذهان فالأسنان جعلها الله محددة تقطع كالسكاكين الحادة وشد أصولها ﷾ والأضراس جعلها الله جل وعلا أرحاء جمع رحى أرحاء وأرحية تطحن هذا الطعام بعد أن قطعته الأسنان ثم أنظر لعظيم التركيب وبهي المنظر وجميل الصنعة في هذه الأسنان زيّن الله بها فم الإنسان جعلها منظومة مرتبة بيضاء مشرقة كأنها عقد من اللؤلؤ..
[ ٨٣ / ٥ ]
كأنها لؤلؤًا منظوم ثم أنظر يا عبد الله في هذه الأسنان عندما تطحن هذا الطعام بعد أن يُقطع أنظر إلى هذه الأسنان جعل الله جل وعلا الأسنان في الفكين جعل الفك الذي يتحرك هو الفك الأسفل ولا يوجد رحى على وجه الأرض يتحرك أسفلها ويثبت أعلاها إنما الرحى، الرحى التي تطحن هي العليا والسفلى ثابتة وهذه الرحى هذه الطاحون على العكس مما يصنعه بني آدم فالفك الأسفل هو الذي يتحرك وهو الذي يقطع الطعام ويطحنه والفك الأعلى ثابتًا لا يتحرك لأسباب عظيمة وأولها هذا أجمل بحال الإنسان عندما يأكل الطعام وثانيها: إن الفك الأعلى يكون فوقه ويكون في أعلاه أعضاءٌ خطرة شريفة جليلة لو تحرك الفك الأعلى أدى ذلك إلى وقوع خطرًا عليها فيلي الفك الأعلى حاسة الشم، العين، الدماغ، السمع هذا كله يكون فوق في الفك الأعلى فلو أن الفك الأعلى يتحرك لحصل ارتجاج لهذه الأعضاء وربما تأثرت..
ألا تعتبر بهذا عندما تدرس هذه العلوم.. من الذي جعل الأسنان بهذه الكيفية ويليها الأضراس وبعد ذلك فكًا أسفل يتحرك وفك أعلى ثابت على خلاف المعروف في أرحاء وأرحية بني آدم ثم أنظر يا عبد الله إلى هذه الأسنان كيف جعل الله عليها حائطين طبقتين يغطيانها شفتان شفة سفلى وشفة عليا وانظر لحكمة الحكيم العليم شفتان لا عصب فيهما ولا عظم ليسهل إنطباقهما وانفتاحهما وليسهل مص الماء وشربه بهما هذا تقدير العزيز العليم فيا عجبًا. كيف يعصي الإله أو يحمده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
[ ٨٣ / ٦ ]
"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" ﷾ هو الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين فميادين العقل ومجالاته التي يسرح فيها ويمرح ويصول ويجول ميادين الأمور المادية الخالصة البحتة وكما قلت يبحث فيها ما شاء وليقرر ما شاء بعد أن يحقق هذه الأمور الأربعة ويفتتحها بإسم الله الذي خلقها وخلق كل شيء يدرسها ويجعلك بطريقة شرعية يجعلها مطية للعلوم الشرعية ولخدمة المسلمين يعتبر بما جعل الله فيها من أسرار تدل على أن موجدها إله عظيم ﷾.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون ولذلك إخوتي الكرام عندما جعل الشرع العقل تابعًا له جعل الله بعد ذلك للعقل ميادنًا يسرح فيه ويمرح ألا وهو الأمور المادية البحتة الخالصة وأما ما يتعلق بسلوك الإنسان كما تقدم معنا من حلال وحرام وفضيلة ورذيلة وخيرًا وشرًا ومعروف ومنكر فمرد ذلك إلى الله ﷾ له الحكم ولا يشرك في حكمه أحدا..
إخوتي الكرام: هذا كله يتعلق بالأمرين المتقدمين تشريع الشرائع من خصائص الله الخالق لا بد لهداية الإنسان من شرعًا قويم وعقل سليم ولا يتعارض عقلا صريح مع نقل صحيح.
وأما الأمر الثالث: وهو الاجتهاد في الإسلام وإنما ذكرته إخوتي الكرام لأنه قد يقول قائل إن النصوص الشرعية لم تنص على كل جزئية وقضية في هذه الحياة وقلنا نحن إن العقل ينبغي أن يكون تابعًا للشرع فما لا نص فيه ما هو الحكم فيه وما هو الموقف نحوه يأتي معنا منزلة الاجتهاد ولا بد من البحث في هذه القضية كي نكن على علم بها.
[ ٨٣ / ٧ ]
إخوتي الكرام: الاجتهاد معناه كما قرر علماؤنا اللغويون: إفتعالا من الجهد وهو الوسعُ والطاقة ويعرف في اللغة بأنه بذل الوسع وبذل الطاقة بذل الجهد لتحصيل أمرًا ما وفي الغالب لا يقال اجتهد إلا إذا بذل جهدًا شاقًا مضنيًا في تحصيل أمرًا صعب اجتهد هذا معنى اللفظ في اللغة والاجتهاد معناه عندما في شريعة الله المطهرة بذل الجهد والوسع في النظر في الأدلة الشرعية المعتبرة للوصول إلى القطع أو الظن بحكم شرعية في شرعية الله المطهرة يبذل الإنسان جهده في الأدلة الشرعية ليقبس النظير على النظير المثيل على المثيل والشبيه على الشبيه ليصل بعد ذلك إلى قطعًا جزم أو غلبه ظن بحكم من الأحكام أن هذا الحكم ثابتًا في شريعة الرحمن يبذل الإنسان جهده وسعة جدَّه واجتهاده في النظر في أدلة الشرع المطهر ليصل إلى حكمًا قطعي أو غلبه ظن بأن هذا الحكم ثابت في شريعة الله المطهرة هذا معنى الاجتهاد أن يبذل الإنسان ما في وسعه وجدَّه وطاقته بحثًا في الأدلة الشرعية المعتبرة ليصل إلى حكمًا عن طريق القطع أو الظن بحكمًا شرعي مقررًا في شريعة الله المطهرة.
إخوتي الكرام: هذا الاجتهاد أئمتنا الكرام جعلوا الاجتهاد ثلاثة أقسام ولا بد من وعي هذا إخوتي الكرام لا سيما في هذه الأيام لنرى موقعنا وكيف نتعامل مع الكرام أئمتنا.. الاجتهاد يُطلق على صنف من المجتهدين وهو يقال له المجتهد المطلق وهو الذي يستقل لوحده في معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية هذا يقال له مجتهد مطلق ولابد من أن توجد فيه ستة شروط بعد وجود مناط التكليف فيه أعني ركني التكليف العقلي والبلوغ فإذا كان عاقلا بالغًا ينبغي أن توجد فيه ستة شروط ليكون مجتهدًا مطلقا لينظر في أدلة الشرع ويستنتج منها حُكما شرعيًا لواقعة من الوقائع هذا هو المجتهد المطلق وهذه هي الشروط الستة هي:
[ ٨٣ / ٨ ]
أولها: أن يحيط بالنصوص الشرعية من الآيات القرآنية وأحاديث نبينا خير البرية ﵊ وما بني على هذين الأمرين من إجماعًا حق وقياس صدق أحاط بهذا علم النصوص علم مسائل الإجماع علم طريقة وكيفية القياس هذا شرطًا أول.
الشرط الثاني: أن يعلم أقوال السلف الطيبين من صحابة ومن تابعين رضوان الله عليهم أجمعين في هذه القضية ومسائل الدين ينبغي أن يعلم بذلك لأن خير من فهم القرآن وسنة نبينا ﵊ عمل بعمل سلفنا الكرام من صحابة وتابعين عليهم جميعا رحمات ورضوان من رب العالمين.
والأمر الثالث: الذي ينبغي أن يكون في هذا المجتهد المطلق أن يكون على إلمام واسعًا بلغة العرب فيغرف مدلول الكلام ويعلم ما يتعلق باللغة من نحوًا وبلاغة وصرف.
والشرط الرابع فيه: في المجتهد المطلق أن يكون على علمًا تامًا بعلم الأصول وأريد بالأصول هنا الأصول الثلاثة بعلم أصول الدين وأصول الفقه وأصول الحديث أعني علم المصطلح وهذا كما قلت شرطًا رابع.
الشرط الخامس: في هذا المجتهد أن يكون على فطنة وذكاء فالله جل وعلا خصّه بذلك وإذا نظر إلى اللفظ الشعري يعلم ما وراءه من دلالة شرعية معتبرة ويعرف مراد المتكلم من كلامه لما وهبه الله من ذكاء لا يوجد عند كثيرًا من الناس.
[ ٨٣ / ٩ ]
والصفة السادسة: في هذا المجتهد المطلق أن يكون في المجتهد فيه صفة الطهارة والصدق والذكاء بعد أن وُجد فيه الذكاء والألمعية ينبغي أن يوجد فيه الإخلاص لرب البرية ﷾ فإذا اجتمعت هذه الأمور الستة هذا هو المجتهد المطلق الذي كما قلت ينظر في الأدلة التفصيلية فيستنبط منها الأحكام الشرعية وهو على هدى في جميع أحواله كما سيأتينا ضمن مراحل البحث مجتهدًا مطلق أحاط بالنصوص الشرعية علم بعد ذلك كما قلت أقوال السلف الكرام ليستضيء بأقوالهم وليعلم محل الإجماع لئلا يخالفه لأن مخالف الإجماع ضال علم بعد ذلك لغة العرب وكيف سيتسوّر على نصوص الشرع وهما بلغة العرب إذا كان لا يستطيع أن يفهم لغة العرب ولا يميز بين الفاعل والمفعول وهو حاله في عداد الأعاجم ثم بعد ذلك يريد أن يتسوّر على كلام الله جل وعلا..لا ثم لا وحال من أراد أن يستنبط أحكامًا شرعية من النصوص الشرعية دون أن يحيط علمًا باللغة العربية حاله كما قال الإمام الواحدي يقول من أراد أن يُفسر كلام الله ويشرح حديث رسول الله ﵊ ويستنبط الأحكام منها دون علمًا بلغة العرب كحال من شهد الهيجاء بغير سلاح وكحال من راح أن يطير في الهواء بغير جناح شهد المعركة ولا سلاح عنده أراد يطير ولا جناح له وهنا أراد أن يستنبط أحكامًا شرعية من هذه النصوص الحقة الثابتة الشرعية وليس عنده علمًا باللغة العربية.
[ ٨٣ / ١٠ ]
والإمام الشافعي عليه رحمة الله في كتابه الرسالة أفاض في بيان هذا الشرط وبيّن أن جُمل القرآن وأحكامه لا تُفهم إذا لم يُحط الإنسان علمًا بلغة العرب وأساليب إستعمالهم رحمة الله على الإمام الأصمعي عندما يقول: تعلّموا العربية فإن النصارى كفروا بسبب خطأهم في حرفًا واحدًا قال الله لنبيه وروحه وكلمته عيسى على نبينا وعلى آله الصلاة والسلام " يا عيسى أنت نبيًا وأنا ولّدتُك " يعني أخرجتك من بطن أمك والله جل وعلا على كل شيء قدير وكوّنه في بطن أمه دون أن يحصل إتصالًا عادي كاللهو المعروف بين البشر أنت نبي وأنا ولّدتُك قال الأصمعي فخففوها أنت نبي وأنا ولدتك يعني أنت نبي وأنت ولدي أنت نبي وأنا ولدتُك كفروا بحرفًا واحد ولذلك لابد من إدراك لغة العرب.
والأمر الثالث كما قلت إخوتي الكرام:
أن يحيط بعلم أصول الدين أمرًا رابع بعلم أصول الدين وأصول الفقه وأصول الحديث والخامس أن يكون على ذكاء وألمعية والناس لا يستوون في هذا والله جعل للحديث رجال وجعل للفقه رجال وجعل للصنفين رجالا تحل واحدًا ينبغي أن يقف عند حدِّه وإذا كان الإنسان يُعنى بالحديث وما عنده ملكة فقهية ينبغي له أن يقف عند حدِّه وإلا سيخبط بعد ذلك في دين ربه ولذلك إخوتي الكرام كان للمحدِّثين منزلة وكان للفقهاء منزلة ومنزلة الفقهاء كمنزلة الأطباء كما أن منزلة المحدثين كمنزلة الصيادلة وهذا يقول أئمة الحديث أنفسهم عندما كانوا يجتمعون مع فقهاء هذه الأمة المباركة المرحومة وما يقوله بعض الناس في هذه الأيام كيف يعلم الإنسان الحديث وهو لا يعلم الفقه وأي غربة في ذلك لو علمت الحديث لما وردت هذا الكلام فهو من لهو الحديث.
[ ٨٣ / ١١ ]
أما بلغك قول النبي ﵊ "رب حامل فقه ليس بفقيه" أما بلغك قول النبي ﵊ "رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" والحديث صحيحًا متواتر رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي في سننه وابن ماجه في سننه وابن حِبان في صحيحه من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ ورواه الإمام أبو داود في سننه والترمذي في سننه وابن ماجه في سننه أيضًا وان حبان في صحيحه ورواه الضياء المقدسي في أحاديث الجياد المختارة من رواية زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه من رواية جُبير بن مُطعم والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه من رواية أنس بن مالك وروى عن أبي هريرة وغيره وقد نص أئمتنا على تواتره كما بين هذا في محاضرات الحديث.
ولفظ الحديث عن نبينا ﵊ أنه قال " نظّر الله امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرُبّ مُبلِّغًا أوعى من سامع " ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" نعم قد يكون الإنسان محدثًا ويحمل الحديث وليس عنده ملكة الفقه وليس عنده درجة الاستنباط فليقف عند حدِّه.
واستمعوا إخوتي الكرام: إلى ثلاث قصص وقعت في الزمان القديم بني الفقهاء والمحدِّثين رضوان الله عليهم أجمعين وكيف فيها هذه الدلالة وهي أن حامل الفقه قد لا يكون فقيهًا وأن من يحمل الحديث قد لا يكون بعد ذلك عالما بمدلوله وبمراد نبينا ﷺ منه..
[ ٨٣ / ١٢ ]
الحادثة الأولى: يذكرها شيخ الإسلام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمل في ٢/٣١ حرث بين إمامين بين شيخ الإسلام في زمنه في الحديث بلا نزاع ألا وهو الإمام الأعمش سليمان بن نهران الذي توفي سنة ١٤٧هـ والإمام الثاني فقيه هذه الأمة وهو أول فقهاء الأربعة وهو الإمام المبجل المبارك أ [وحنيفة النعمان بن ثابت رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين إجتمعا فسُئل الإمام الأعمش عن مسألة فأحال على أبي حنيفة فأجاب فيها فقال من أين لك هذا يا نعمان قال مما حدثتنا أنت ثم روى له الحديث قال أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وأبو حنيفة يقول للأعمش أنت حدثتني بحديث يدل على هذه القضية فقال أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وقبل هذه القصة يذكر الإمام عبد البر أيضًا في الكتاب المشار إليه في نفس الصفحة أنه جرى نظير هذه القصة مع الإمام الأعمش وتلميذ أبي حنيفة أبي يوسف يعقوب رحمة الله ورضوانه عليه وعليهم أجمعين عندما أجاب أبو يوسف قال له من أين لك هذا يايعقوب قال مما حدثتني أنت فقال والله إنني أعلم هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك أعلم هذا الحديث لكن هذه الدلالة مالاحت لي ولا ظهرت لي نعم إن المحدِّثين كانوا يقرّون بهذا فلابد من ملك فقيه والله يعطى الحكمة لمن يشاء ﷾.
قصة ثانية يذكرها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٦/٤٤٠ وهي مذكورة في تذكرة الحفاظ في ترجمة العبد الصالح لسليمان الدمشقي وتوفي سنة ٣٧٩هـ وهو محمد بن عبد الله ابن أحمد أبو سليمان الدمشقي إجتمع مع إمام الفقهاء الحنفية في زمنه الامام أبي جعفر الطحاوي واستعار منه كتب الحديث ونظر فيها وأُعجب فيها أبو جعفرثم قال لهم أنتم معشر المحدثين صيادلة ونحن معشر الفقهاء أطباء وهذا ما أقر به كما قلت جهابذة المحدثين.
[ ٨٣ / ١٣ ]
أختم هذه القصص كما قلت بالقصة الثالثة: يرويها الإمام الرماهرمزي المتوفي سنة ٣٦٠هـ في كتابه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي في صفحة ٢٥٠ وخلاصتها أن امرأة كانت تغسل الموتى من مات من نساء المسلمين فجاءت إلى مجلس أبي زكريا يحيى ابن معين إمام الجرح والتعديل في هذه الأمة وهو قرين وصاحب الإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين وتوفي سنة ٢٣٣هـ فجاءت هذه المرأة إلى مجلس أبي زكريا يحيى ابن معين وقالت: يا أبا زكريا هل يجوز للحائض أن تُغسِّل الموتى إذا ماتت امرأة مسلمة وهذه المُغسِّل حائض هل يجوز لها أن تغسِّلها قال: لا أدري لكن عليك بهذا الرجل ويردي به أبي ثور إبراهيم أبا خالد الذي توفي سنة ٢٤٠هـ وهو من أبرز تلاميذ الإمام الشافعي ومن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين عليك بهذا الرجل ثم عودي إليّ فأخبريني فذهبت إلى أبي ثور فقالت يا أبا ثور يجوز للحائض أن تغسل الموتى قال: نعم يجوز.
[ ٨٣ / ١٤ ]
قالت: وما دليلك قال: حديثان عن نبينا ﵊ الحديث الأول: ثابت في المسند ورواه أهل الكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي وهو في موطأ الإمام مالك ومسند الدارمي وهو أيضا في السنن الكبرى للإمام البيهقي وهو حديث صحيحٌ صحيح كما قلت في صحيح مسلم وغيره وفي الكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي وهو في صحيح مسلم وفي صحيح البخاري ولفظ الحدي عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ قال لها " ناوليني الخمرة وهي شيء صغير بحجم الكف يظفر من خوصًا أو خرق يضع الإنسان جبهته عليه عندما يسجد في الأيام الحارة ومن المعروف أن مسجد نبينا ﵊ في العصر الأول ومساجد المسلمين منها ما كانت تفرش وكانوا يُصلّون على البطحاء وعلى الحصى وإذا اشتد الحر يؤذي الجبهة غاية الأذى فكانوا أحيانًا يسجدون على هذه الخَمِرة فقط ليقوا الجبهة من الحر كما قلت قطعة بحجم الكف من خويصا من خِرقا ناوليني الخُمرة فقالت أمنا عائشة ﵂ إنني حائض فقال ﵊: إن حيضتك ليست في يدك ولفظ الحيضة هنا بالفتح وهو المعتمد وهو الدفعة من الحيض الدم وليس المراد كما قال بعض علماء اللغة إن حيضتك وهي الحالة التي تعتري الحائض لا إن هذا الدم الذي يخرج ليس في يدك وإذا أنت مُنعت بعد ذلك من الصلاة أو الصيام لأمرا شاءه الرحمن ليس معنى هذا أنك نجسة إن حيضتك ليست في يدك".
[ ٨٣ / ١٥ ]
والحديث الثاني رواه الإمام أحمد أيضا في المسند وأهل الكتب الستة الصحيحان وأهل السنن الأربعة ورواه أيضا الإمام مالك في الموطأ والإمام الدارمي في سننه والبيهقي في سننه ورواه أبو داو الطيالسي في مسنده أيضا عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت: كان رسول الله ﷺ يتكأ في حجري فكنت أرجل رأسه وأنا حائض فقال / أبو ثور/ الحيضة ليست في اليد وإذا أبيح للحائض أن تُرجل وتسرح شعر الحي فيباح لها أن تغسل بدن الميت قالت جزاك الله خيرًا أبا ثور ثم ذهبت إلى أبي زكريا إمام الجرح والتعديل في هذه الأمة فقال لها ماذا قال لك هذا الرجل الإمام. قالت: يجوز لهذين الحديثين قال أحفظ كل من هذين الحديثين من كذا وكذا تطبيقا وقد بدأ يورد الطرق وهو وأصحابه لهذين الحديثين فلما انتهوا من سرد الطرق ومن يعني من استحضار حفظهم نحو هذين الحديثين قالت المرأة: فأين كنتم أيضا عندما سألتكم.. سألتكم وبدأت بكم أين كنتم تحفظون هذه الروايات ولا تستنبطون منها هذه الأحكام.
[ ٨٣ / ١٦ ]
هذه منزلة الإمام الشافعي ليست منزلة يحيى ابن معين وانظر لشهادة الإمام المبجل شيخ أهل السنة في هذه الأمة الإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليهم وهو أخبر الناس بقرينة أبي زكريا يحيى ابن معين وهو أخبر الناس بشيخ عبد الله الإمام الشافعي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين قيل للإمام أحمد إن ابن معين ينال هذا الشافعي ويقول إن الشافعي ليس بثقة فقال الإمام أحمد إن ابن معين لا يعرف الشافعي ولا يفقه ما يقول الشافعي لا يفهم إذا أعلم الإمام الشافعي في الفقه وابن معين لا يعي هذا ولا يدركه فهل يؤخذ بكلامه هذا الإمام العظيم المبارك قال الإمام ابن عبد البر معلقًا على هذا في جامع بيان العلم وفضله وقد سئل ابن معين عن مسألة في التيمم فلم يعرفها هذه منزلة الفقهاء ولذلك قال الإمام ابن عبد البر وما مثال من يقع في الإمام الشافعي ومالك أبي حنيفة وأحمد إلا عما قال الأعشى كنا مع صخرة يومًا ليوهنها فلن يضرها وأوهى قرنه وعلوا الوعل: إذا جاء إلى صخرة من أجل أن يُفتِّتها وضربها بقرونه لينكسر قرنه والصخر هي يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أشفق على الرأس ولا تشفق على الجبل والله لو اجتمع أهل الحدين قاطبة على القص من الإمام الشافعي مازاده إلا رفعة وقدرًا فإذا كانوا لا يعلمون الفقه فليقفوا عند حدهم فالإمام ابن معين عندما جرى عنده ماجرى وهو مقدورًا ونسأل الله أن يغفر لنا وله يقول قرينه تلميذ الإمام الشافعي الأمام أحمد يقول اعذروه فهو لا يعرف الشافعي ولا يفقه ما يقول الشافعي وعليه كلامه في هذا الإمام العظيم لا قيمة له نعم اخوتي الكرام لا بد كما قلت من فطنة لا بد من ذكاء لابد من ملكة فالله فاوت بين هذه الأمور كما فاوت بين أبدانهم فاوت بين عقولهم فينبغي أن نضع الأمر في موضعه الشرعي هناك أطباء وهناك صيادلة ولا يجوز أن تذهب إلى الصيدلي ليعالجك وليجري لك عملية جراحية فلن تُحصِّل بعد ذلك إلا السقم والموت إن هذا اختصاص الطبيب
[ ٨٣ / ١٧ ]
وينبغي أن يستعان على كل صنعة بصالح أهلها.
إخوتي الكرام:
هذا كما قلت هو المجتهد المطلق والذي يستقل بنفسه في معرفة الأحكام الشرعية وإن أدلتها التفصيلية لأنه أحاط بالنصوص الشرعية وما بُني عليها من إجماعًا حقا وقياسًا صدق لأنه أحاط بقول السلف الكرام من صحابة وتابعين رضوان الله عليهم أجمعين علم اللغة وأساليبها واستعمالاتها علم أصول الدين أصول الفقه أصول الحديث وأهداه الله الذكاء وفطنة ليعلموا ما وراء اللفظ من معنى فإذا كانت أمنا عائشة ﵂ تُرجل رأس النبي ﷺ وهي حائض فيجوز للحائض أن تُغسّل الموتى والأمر الخامس والأمر السادس في هذا الفقيه وهو مجتهد مطلق كما قلت فيه طهارة وذكاء بعد أن كان فيه الذكاء فيه طهارة فيه صدقًا فيه ذكاء وإخلاصًا لرب الأرض والسماء هذا المجتهد المطلق.
[ ٨٣ / ١٨ ]
وأول من يدخل في هذا التعريف أئمتنا الكرام سادتنا رضوان الله عليهم أجمعين الفقهاء الأربعة أولهم وفقيه هذه الأمة لا نزاع وكل من تفقه بعده عيالا عليه أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين هذا مجتهدًا مطلق والمجتهد الثاني مجتهد المذهب وهو دون المجتهد المطلق فلا ينتقل بنفسه من إدراك الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية إنما أحاط علمًا بنصوص إمام المذهب وفي وسعِه أن يُخرج غير المنصوص على المنصوص ولا يستطيع أن يستقل بنفسه كما قلت في استنباط حكم ولكن مأخذ إمامه وطرق استنباط الإمام أحاطها وهضمها فإذا عُرضت عليه قضية يستطيع أن يُخرَجها على أصول الإمام التي وضعها للإجتهاد والاستنباط أما ان يضع هو طريقة للإستنباط ليستنبط لا ثم لا هذا يقال له مجتهد المذهب وهو دون الأول قطعًا والنوع الثالث مجتهدًا فتوى والترجيح دون الثاني فما أحاط علمًا بمأخذ إمامه ولا يستطيع أن يخرّج غير المنصوص على ما نص عليه إمامه إنما هو علم بهذا المذهب ويستطيع أن يرجّح بين نصوص المذاهب إذا وجد للإمام قولان أو أكثر فعنده قدرة على الترجيح لأنه أحاط بهذا المذهب وعرف مراد الإمام هؤلاء الثلاثة هم الذي ينبغي أن يُستفتوا من قبل من عداهم.. المجتهد المطلق ومجتهد المذهب ومجتهد الفتوى والترجيح من عداهم ينطبق عليهم ما قال الله تعالى في سورة النحل "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتُبيّن للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون".
ونظير هذه الآية يقول الله جل وعلا في سورة الأنبياء "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
من عندهم الفتوى كما قلت مجتهدًا مطلق مجتهد المذهب..مجتهد الفتوى والترجيح.
[ ٨٣ / ١٩ ]
قال الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين ٤/٢١٢-٢١٥ في أربع صفحات يقرر هذا الكلام وهكذا قرر هذا سائر أئمتنا الكرام أيضًا نظير هذا القول مذكورًا في جمع الجوامع للإمام السبكي تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي عليهم جميعًا رحمة الله وفي شرحه للجلال المحلي وفي حاشية العطّار عليه انظروا ٢/٤٢٤-٤٢٥
وخلاصة كلام الإمام ابن القيم وما في هذه الكتب من حاشية العطار وشرح الجلال للمحلّي على جمع الجوامع للإمام السبكي عليهم جميعًا رحمة الله خلاصتهم هؤلاء الثلاثة الذي هو مجتهدًا مطلق ومجتهد المذهب ومجتهد الفتوى والترجيح قال الإمام ابن القيم وهكذا سائر أئمة كتب أصول الفقه مثال هؤلاء مثال ثلاث توقيعات تقع من العباد فالمفتي الذي هو مجتهدًا مطلق توقيعه كتوقيع الملوك والمفتي الذي هو مجتهد المذهب توقيعه كتوقيع نواب الملوك والمفتي الذي هو مجتهد الفتوى والترجيح توقيعه أي فتواه كتوقيع نواب نوّاب الملوك الأول كما قلت كأنه ملك لكن يوقع نيابة عن الملك الحق جل وعلا نعم إن الإنسان عندما يُفتي في قضية ينوب بذلك عن رب البرية.
وهذا ما أشار إليه الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين وعباده المرسلين أن عندما تُفتي وتقول هذا حلال وهذا حرام توقع عن ذي الجلال والإكرام فمن الذي يتأهل للفُتيا مجتهدًا مطلق، ومجتهد المذهب، مجتهد الفتوى والترجيح " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ".
[ ٨٣ / ٢٠ ]
إخوتي الكرام: الشروط المتقدمة في المجتهد المطلق وما يتبعه من مجتهد المذهب عما قلت ومجتهد الفتوى والترجيح هؤلاء كما قلت من وُجدت فيهم هذه الصفات يحق له أن يُفتوا وهؤلاء هم الذين يُسئلون وعندما يبذلون جُهدًا واجتهادًا للوصول إلى حُكم الله في قضية يُثابون ويُأجرون في جميع الأحوال لوجود الشروط المتقدمة فيهم فتلك الشروط هي الحَكَم الفيصل بين الاجتهاد المقبول والاجتهاد المرذول وهي الحَكَم الفارق بين كون المجتهد يُثاب أو يُعاقب فإن وُجدت فيه يُثاب على جميع أحواله أصاب أم أخطأ كما سيأتينا وإذا لم توجد فيه يُعاقب على جميع أحواله أصاب أم أخطأ..
إن الذي يتكلم دون أن يُعد العُدّة هو على ضلال وعليه غضب ذي العزة والجلال أصاب الحُكم الشرعي أو..لا.. لا يجوز للإنسان أن يتكلم في دين الله إلا بعد أن يُعد العُدة التي تُأهله لذلك وهذا ما أشار إليه نبينا ﷺ فاستمعوا لتقرير هذا إخوتي الكرام: لأننا نشهد هذه الأيام فوضى لا نهاية لها تحت ستار العود إلى الكتاب والسنة.. تحت ستار عدم التقيد بمذاهب الأئمة ثم كل واحد يعرف بما لا يعرف ويقول إنني مجتهد وضمن الله لي الأجر إن أصبت لي أجرا وإن أخطأت لي أجر أنت عليك إثم الضال المضل في جميع أحوالك فانتبهوا لذل إخوتي الكرام بإشارة نبينا ﵊ لأن لا يُسند الأمر إلى غير أهله.
[ ٨٣ / ٢١ ]
ثبت في المسند والحديث في السنن الأربعة إلا سنن النسائي ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى ورواه الإمام الطبراني في معجمه ورواه سعيد بن منصور في سننه والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة بسند صحيح كالشمس وضوحًا من رواية بريدة بن الحصيب ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله صلى الله ﷺ يقول: " القضاة ثلاثة فقاضٍ في الجنة وقاضيان في النار " ولا يراد إخوتي الكرام من هذا الحديث نسبته بين القضاة بمعنى ثلث إلى الجنة وثلثان إلى النار..لا.. لعل نسبته من يدخلون النار من القضاة تزيد على تسعين بالمائة فليس المراد نسبة وتناسب وثلث أو ثلثان وإنما هنا وصفًا وهنا وصف فقد لا يتصف بالصنف الأول إلا واحد من مائة قد.. وقد يتصف بالوصف الأول مائة بالمائة ليس أن القضاة سيجمعون عند الله ثلثهم إلى الجنة وثلثان إلى النار..لا..ثم لا.. فاستمع لإشارة النبي ﵊ بتوضيحًا لهذا الذي يدخل الجنة عندما سيقضي ولذلك كيف سيدخل النار عندما يقضي.
قال ﵊ "رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة" عرف الحق قضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فجار أي انحرف عنه وتبع الهوى فهو في النار ورجل قضى على جهل فهو في النار ماعنده عدة القضاء ولا عنده شروط الفتية فاقتحم هذا الطريق ونصب نفسه قاضيًا ومفتيًا لعباد الله فضلّ وأضلّ فهو في النار أصاب أو أخطأ فهو في النار من قضى على جهل فهو في النار من عرف الحق فانحرف عنه فهو في النار عرف الحق وقضى به فهو في الجنة والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير والأوسط ورواه أبو يعلى بسند بيّن من رواية عبد الله بن عمر ﵄ عن نبينا ﵊ بلفظ قريبًا من اللفظ المتقدم ولفظ الحديث " القضاة ثلاثة.
[ ٨٣ / ٢٢ ]