للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بسم الله الرحمن الرحيم
الموعظة الثامنة
فيه رجال
الحمد لله نحمه ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينًا قويما وهدانا صراطًا مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، وبيدك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب التوابين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين،
يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض، لا إله إلا هو فأنى تؤفكون، وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به عيونًا عميا، وآذانًا صما، وقلوبًا غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيًا عن أمته، ورضى الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيها رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما﴾ .
أما بعد: معشر اخوة الكرام..
تبين لنا في الموعظة السابقة أن القلوب ثلاثة أقسام:
١. قلب حي سليم نفسه مطمئنة راضية مرضية.
٢. ويقابل ذلك قلب ثانٍ وهو قلب ميت سقيم صاحبه نفسٍ أمارة بالسوء كحال الشيطان الرجيم.
[ ٦٣ / ١ ]
٣. وهناك قسمٌ ثالث لم تكتمل الحياة في قلبه ولم تفارق الحياة قلبه. ففيه حياة ولكن فيها ضعف ونقص فهو في حالة مرض ونفس صاحب هذا القلب نفس لوامة تلومه وهي ملومة ومتلومة لا تثبت على حال، تتردد بين الخير والشر، والمعصوم من عصمه الله.
إخوتي الكرام..
وتقدم معنا أن ضابط النفس الطيبة الحية المطمئنة، انه يوجد فيها أمران، معرفة للحق وعمل به اكتملت القوة العلمية والقوة العملية فيه، وإذا فرط الإنسان في أحد هذين القسمين فقلبه ميت موتا لا حياة فيه، أو مريض مرضًا يفقد تمام الحياة عندما يصاب بالشبهات أو الشهوات، وقد خشي علينا نبينا ﷺ الوقوع في أحد هذين المرضين، وأخبرنا نبينا ﷺ أنه لا يخشى علينا إلا أحد هذين الأمرين، ففي مسند الأمام أحمد ومعاجم الطبراني الثلاثة والحديث رواه البزار وأبو يعلى بإسناد جيد عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال سمعت النبي - ﷺ - يقول [إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى] فخشيت نبينا - ﷺ - من حصيلة في هذين الأمرين شهواتٌ أو شبهاتٌ تفسدان القوة العلمية أو القوة العملية في الإنسان.
إخوتي الكرام..
وتقدم معنا في الموعظة السابقة، موقف الشيطان نحو أقسام قلوب بني الإنسان، فالشيطان لا يقترب من القلب الحي الطيب وليس له عليه سبيل ولا يقترب أيضًا من صاحب القلب الميت السقيم للإلا يضيع وقته فيه، فحال صاحب ذلك القلب كما قلت كحال الشيطان الرجيم، إنما مجال الشيطان في القلب المريض الذي لم يفقد تمام الحياة ولم تكتمل فيه الحياة، فهو يكر على ذلك القلب عندما يغفل الإنسان عن الرد وهو يفر عندما يذكر الإنسان ربه.
إخوتي الكرام..
[ ٦٣ / ٢ ]
وحال الشيطان الجني مع هذه القلوب الثلاثة كحال اللص الإنسي مع البيوت الموجودة في الأرض تمامًا، فاللص من بني الإنسان تنقسم أمامه بيوت بني الناس إلى ثلاثة أقسام، بيت لا يستطيع أن يقربه مع أن له فيه مطمع والنفس تتطلع ما فيه من زينة الدنيا لكن إذا اقترب منه صرع وقتل وهذا هو بيت الأمراء فيه خيرات الدنيا شيء كثير لكن تلك البيوت قد حرست بالحرس فلا يستطيع اللص أن يقترب منها لما فيها من أهبة واستعداد، وهكذا العدو الجني الشيطان الرجيم لا يقترب من قلوب النبيين والصدقين.
وهناك بيوت ثانية لا يقترب منها اللص الإنسي، لا لأنها فيها أهبة واستعداد وفيها مطمع، لكن لا يستطيع أن يصل إليه، لا ثم لا، ليس فيها أهبة واستعداد وهي مخلات لكل داخلٍ وخارجٍ لكم ليس فيها ما تتطلع إليه النفس في هذه الحياة وهي الخروب والبيوت المتهدمة الساقطة على عروشها التي تحولت إلى خرب ويقضي الناس فيها حوائجهم فحتمًا لا يذهب اللص إليها ولا يقترب منها، وماذا يفعل فيها ولم يبقى فيها شيء وهكذا قلوب عتاد الإنس لا يقربها الشيطان الرجيم لما فيها من دنسٍ وفسادٍ وخبثٍ كحال قلب الشيطان الرجيم.
بقيت هناك بيوت ثالثة ليست بخرب وليست كبيوت الأمراء، وهي بيوت الرعية فيها شيء من الخيرات، لكن ليست فيها حرسٌ كما هو الحال نحو بيوت الأمراء فاللص الإنسي ينظر إلى هذه البيوت فإن رأى غفلة من أصحابها دخل وسرق منها وإذا أوصدت الأبواب أمام وجهه واحترس أهل البيت من قِبَلِ هذا اللص لا يستطيع أن يقترب منها، هذه البيوت في الأرض أحوالها كحال القلوب في الصدر تماما والعدو الجني حاله كحال العدو الإنسي، ونسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا.
إخوتي الكرام..
[ ٦٣ / ٣ ]
هذه القلوب بأقسامها الثلاثة، القلب الحي السليم، والميت السقيم، والقلب الذي فقد تمام الحياة وكمالها ولم يصل إلى حد العطب والموت، هذه القلوب الثلاثة لا تفتر من حركة ولا تتوقف عن عمل ولابد من شيء تشغل به ولابد من خير أو شر، طاعة أو معصية
من نفع أو ضر، ولذلك كان نبينا - ﷺ - يلجأ إلى ربه في أن يثبت قلبه على الإيمان على الدوام وفي ذلك تعليم لنا.
إخوتي في الإسلام..
أن نلجأ إلى ربنا بأن يثبت الإيمان في قلوبنا على الدوام، ثبت في مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي بإسناد حسن عن شهب بن حوشب وهو من ءأمة التابعين أنه سأل أمنا أم سلمة ﵂ فقال ما كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - إذا كان عندك في بيتك (إذا جاء ليلتك فما أكثر دعاء يدعوا به نبينا ﵊) فقالت أمنا أم سلمة ﵂ [كان دعاء النبي - ﷺ -[اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك] إي والله إن القلب ما سمي قلبًا إلا أنه يتقلب ولا يفتر من حركة وهو دءوب العمل في الخير أو الشر.
ثبت في الكتابين المتقدمين في المسند، وسنن الترمذي بسند صحيح عن - ﵁ - قال كان يكثر النبي صلى - ﷺ - من هذا الدعاء [اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك] فقلنا يا رسول - ﷺ -، قد آمنا بك وصدقناك فهل تخاف علينا فقال عليه صلوات الله وسلامه وفدائه آباءنا وأمهاتنا [إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء]، وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عن عبد الله عمرو ﵄ أن النبي - ﷺ - قال [إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال النبي - ﷺ -[اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك] .
إخوتي الكرام..
[ ٦٣ / ٤ ]
هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لابد لها من حركة وعمل، إما أن تجول في الشر، وإما أن ترتع في الخير، ولذلك أخبرنا نبينا ﷺ أن أصدق اسم ينطبق على حقيقة الإنسان ويوافق مسماه على التمام، حارس وهمام، حارس مكتسب فاعل، فالفارق بين الحي والميت هو الفعل، وهمام، وهو الهم، لا يخلو واحدًا منا من هم وخطرة وإرادة، ولا يخلو واحدًا منا من كسب وسعي، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، ثبت في مسند الأمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي، وأصل الحديث في صحيح مسلم، ولفظ الحديث في الكتب الثلاثة في المسند وسنن أبي داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي وهو من الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين أن النبي - ﷺ - قال [تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها حرب ومرة، وأصدقها حارس وهمام] أحسن الأسماء وأحبها إلى رب الأرض والسماء ما حمل اسم نبي أو دل على عبودية الله جل وعلا.
اسمه محمد، أو أحمد أو يوسف أو يونس أو عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم أو عبد الحليم أو عبد العظيم.
وأقبح الأسماء ما دل على فتنة أو كرهٍ، حربٌ يدل على فتنة ومشاكل، ومرة، يدل على شيء تستكره النفوس وتتقذر منه وهي المرارة.
[ ٦٣ / ٥ ]
وأصدق الأسماء. الأصدق يدل على مسماه وينطبق على حقيقته، حارس، أي فاعل مكتسب، لابد من كسب في الخير أو الشر، لابد، والنفس كما تقدم معنا إن لم تشغل بحق شغلت بباطل - وهذه النفوس والقلوب كالرحى، كالطاحون التي تفتر فإن وضعت فيها برًا طحنته وأخرجت منه الطحنى دقيقًا، وإن وضعت فيها حجرًا طحنته وأخرجت تربًا، وإن وضعت فيها شوكًا طحنته وأخرجت أذى وغمًا وهمًا، هذه النفوس لابد لها من حركة. أصدق الأسماء حارس وهمام، ولذلك قال أئمتنا الكرام هذه القلوب جوالة، فإما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش إما أن تجول في الملأ الأعلى حول عرش الرحمن وتذكر ذا الجلال ولإكرام، وإما أن تطوف حول مزابل الإنسان ووساوس الشيطان، إما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش.
إخوتي الكرام:
وإذا كانت هذه القلوب بأقسامها الثلاثة لا تفتر عن العمل وخترة وحديث وهم فينبغي على العاقل أن يقف عند قلبه وأن يتأمل ما يدور في نفسه وأن يبحث فيه هل هو له أو عليه.
إخوتي الكرام:
وهذا ما سنتدارسه في هذه الموعظة بإذن ربنا الرحمن، لأن أخوتي الكرام من مراقبة ما يدور في القلب ويجري في النفس فالإنسان بعمله القلبي يرتفع إلى درجة الصديقين أو يهوى إلى دركة الشيطان الرجيم، إما أن يكون في أعلى عليين أو في أسفل السافلين بعمله القلبي وأكثر. شهداء هذه الأمة أصحاب الفرش ورُبَّ قتيلٌ بين الصفين الله أعلم بنيته، هذا القلب لابد من مراقبة ما يقع فيه وهذه النفس لابد من مراقبة ما يجري فيها.
إخوتي الكرام..
[ ٦٣ / ٦ ]
إنما يدور في قلوب بني الإنسان ويخطر في نفوسهم ينقسم إلى خمسة أقسام أولها المرحلة الأولى: مرحلة الهاجس، وهذا الهاجس عرفه أئمتنا الكرام بأنه الشعور بأمر من الأمور في جانب الخير أو الشرور من غير اختيار من الإنسان ثم زال هذا الشعور من غير اختيار منك، ويقال على هذا الذي يقع في قلبك ويدور في نفسك إذا خطر وزال كان خطراته على قلبك ووقوعه بغير اختيارك وزواله بغير اختيارك يقال له هاجس، هذا الهاجس تكرم الله علينا فلم يعاقبنا عليه إذا كان في جانب السيئات وأيضًا لا ثواب عليه إذا كان في جانب الحسنات.
ويليه أيضًا الخاطر:
وهو استمرار ذلك الشعور جانب الخير أو الشرور فترة أطول من الهاجس ثم زوال ذلك الخاطر أيضًا دون اختيار منك، فالهاجس والخاطر هجما عليك بغير اختيارك وزولهما عنك بغير اختارك إن كانا في الخير أو الشر لا تثاب عليهما ولا تعاقب عليهما والسبب في ذلك أنه ليس منك كسبٌ وسعيٌ نحوهما ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، بما أن هذا جرى منك من غير اختيارك وزال من غير اختيارك فلا تثاب عليه ولا تعاقب.
المرحلة الثالثة:
حديث النفس المحدث نفسه بذلك الخاطر الذي استمر في نفسه فترة أن يحدث نفسه بحسنة أو بقبحة بفعله أو بتركه دون أن يرجح فعلًا على تركٍ أو تركًا على فعلٍ، إنما حدث نفسه فيه، خطر بباله أن يبني مسجدًا لله، حدث نفسه بحسن ذلك العمل ومنفعته دون أن يرحج البناء على الترك ومن باب أولى دون أن يعزم على البناء على الترك، إنما حدث نفسه ببناء المسجد وأن فيه أجرًا عظيمًا عند الله جل وعلا، لكن ما مال على فعله ولا عزم على فعله، هذا يقال حديث النفس أستمر ذلك الخاطر في نفسه وبذل نحوه سعيًا اختياريًا فبدء يتحدث به في داخله ثم زال عنه ذلك الخاطر أيضًا لانشغاله بغيره، فهذا من كرم الله وفضله يكتب لك في الحسنات ولا يكتب عليك في السيئات.
ويليه حديث النفس الهم:
[ ٦٣ / ٧ ]
وهو ترجيح الفعل على الترك ما حدث به نفسه وراء حسنة هم بفعله وكان نسبة الهم تزيد على النصف وهذا هو ترجيح الفعل على الترك، عزمًا لم يصل إلى درجة التصميم، إنما إلى درجة ستين أو سبعين بالمائة ٦٠ أو ٧٠ % إنه سيبني ذلك المسجد فمن باب أولى يكتب له أجر الهم كما يكتب له أجر حديث النفس، وقد أشار نبينا - ﷺ - إلى كتابة أجر حديث النفس والهم في الحسنات وعدم كتابة حديث النفس في السيئات في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس وأبي هريرة - ﵃ - أجمعين أن النبي - ﷺ - قال [إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن عملها كتبها الله بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبها الله بمثلها]
وفي بعض رواية الأمام مسلم يقول الله تعالى في الحديث القدسي [إذا حدث عبدي بحسنة فلم يعملها فكتبوها له حسنة] حدث، وهناك هم، فإذا حدثت نفسك بطاعة تكتب لك، هممت بخير يكتب لك، حدثت نفسك بمعصية أو هممت بها لا تكتب عليك في جانب حديث النفس والهم، كرمًا من الله وفضلا.
إخوتي الكرام:
وفي بعض رواية الحديث في الصحيحين [إذا حدث نفسه وإذا هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة] ولا تعارض بين الروايتين لان من يحدث نفسه بسيئة ومن يهم بسيئة ينقسم حاله بعد ذلك في تركها إلى حالتين، إما أن يتركها غفلة عنها واشتغالًا بغيرها فلا تكتب عليه سيئة، وليس له في ذلك أجر، وإما أن يتركها خشية من الله واستحضارًا لعظمته وطرد ذلك الحديث والهم عنه بعد ذلك، بعد أن حدث نفسه بمعصية وهم بها استحضر عظمة الله وخشي الله وجاهد نفسه في ذات الله وأزال ذلك عنه الخاطر الرديء فيكتب له على همه بالسيئة حسنة عندما تركها خشية من ربه جل وعلا.
[ ٦٣ / ٨ ]
وأما المرتبة الخامسة: التي تدور في القلوب وتجول في النفوس فهي مرحلة العزم: وهو التصميم الأكيد على فعل الشيء بحيث لو تمكن منه لفعله، بحيث لو لم يمنعه مانع خارجي عن نفسه لأوجد ما عزم عليه، ففي هذه الحالة يكتب على الإنسان ما عزم عليه في جانب الخير وفي جانب الشر مع أنه لم يباشره بجوارحه، فالنطفطن لما يقع في قلوبنا ما نعزم عليه من عزم على خير وجزم به كتب له، وإذا كان حديث النفس والهم يكتبان له فمن باب أولى أن يكتب العزم، وإذا عزم على شر كتب عليه كما لو فعله، لأنه لو لم يفعله، المانع عنه مانع خارجي، وقد دلت آيات القرآن وتواترت بذلك الأحاديث عن النبي - ﷺ - على أن العزم يؤاخذ عليه الإنسان ويكتب عليه، يكتب له في جانب الخير بلا خلاف، وهكذا يكتب عليه في الشر كما دلت على ذلك آيات القرآن وأحاديث النبي - ﷺ -
[ ٦٣ / ٩ ]
فأما الآيات فسأقتصر على آية واحدة يقرر الله فيها الأمر في سورة النور فيقول العزيز الغفور ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ إن الذين يحبون، والمحبة عمل قلبي، أحب في قلبه ومال قلبه إلى هتك ستر المسلمين وطار فرحًا عندما يهتك ستر مسلم، لم يتكلم بشفتيه ولا سعى بجوارحه، لكن إذا تُكلم على مسلم في حضرته فرح، هذا الفرح عمل قلبي ما حرك جوارحه، هذا العمل القلبي له هذه العقوبة عند الله ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، هذا حال من يحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، نعم يجب عليك أن تستر عباد الله وأن تحب سترهم في هذه الحياة فمن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة وثبت عن نبينا الصلاة والسلام في معجم الطبراني والأوسط من رواية جابر عقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - قال [من ستر على مؤمن فكأنما أحيا موؤدة] وفي رواية [من ستر عورة فكأنما استحي موؤدة] من ستر عورة من عورات المؤمنين فكأنما استحي موؤدة، أراد بوالدها أن يقتلها فأخذها حية ورباها فله أجر عظيم عند الله وهكذا حال من يستر عباد الله، فإذا أحب الإنسان هتك الستر عن المسلمين له هذه العقوبة.
أما إذا سعى بجوارحه في هتك أستارهم فله من العقوبة ما يخطر ببال كثير من الناس.
ثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير وستدرك الحاكم بإسناد لا بأس به عن حذيفة بن اليماني - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال [إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة] إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، تكلم في عرض مؤمن أو مؤمنة حبط عمله مائة سنة بطاعات وعبادات.
[ ٦٣ / ١٠ ]
إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة بن اليماني أيضًا ﵄ أن النبي - ﷺ - قال [لا يدخل الجنة نمام ينقل الكلام بين المسلمين ويوقع بينهم العداوة والبغضاء لا يدخل الجنة] هو إذا أحب في قلبه هتك ستر المسلمين له عذاب أليم في الدنيا والآخرة فكيف إذا سعى بلسانه، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال
[والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن: قالوا من يا رسول الله: قال الذي لا يؤمن جاره بوائقه] لا يأمنون شروره وبوائله وفتنه وضره فليس عند الله من عتاد المؤمنين.
[ ٦٣ / ١١ ]
إذا عزم، إذا وصل في القلب وجل به يكتب للإنسان وعليه في جانب الخير أو الشر، وقد دلت على ذلك أحاديث النبي - ﷺ - سأقتصر على حديثين من أحاديثه الكثيرة التي تقرر هذا الأمر، الحديث الأول في الصحيحين من حديث أبي بكرة - ﵁ - قال سمعت النبي - ﷺ - يقول [إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار: قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول] أي دخل القاتل النار، هذا أمره معلوم لأنه قتل مؤمنًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ﵊، فما بال المقتول؟ فقال ﵊ [إنه كان حريصًا على قتل صاحبه] أي عزم على ذلك في قلبه لكن لم يتمكن بجوارحه، منعه مانع خارجي، إنه كان حريصًا على قتل صاحبه، وثبت في مسند الأمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح من رواية الصحابي أبي كبشة الأنماري - ﵁ - قال سمعت النبي - ﷺ - يقول [ثلاثةٌ أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فحفظوه] أما الثلاثة التي أقسم نبينا - ﷺ - على صحتها ووقوعها ولابد [ما نقص مال من صدقة] فمن تصدق لا ينقص ماله بل يزيده الله أضعافًا مضاعفة، ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا] ظُلم عبد في هذه الحياة فعفى يزيده الله عزًا ورفعة [ومن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر] إذا تعرض لسؤال الناس من غير حاجة يجعل الله فقره في قلبه ولا يأتيه إلا ما قدر له، هذه أقسم عليها النبي - ﷺ -.
[ ٦٣ / ١٢ ]
وأما الحديث الذي ينبغي أن نعيه ويتعلق بأمرنا وهو أن من عزم على الخير كتب له كأنما فعله، ومن عزم على شر كتب عليه كأنما فعله، يقول نبينا - ﷺ -[وأحدثكم حديثًا فحفظوه هذه الدنيا لأربعة نفر] أي حال هذه الدنيا مع الناس إلى أربعة أقسام والناس ينقسمون فيها إلى أربعة أقسام لا خامس لهم [رجل أتاه الله مالًا وعمًا فهو يعمل في ماله بعلمه فيتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم أن لله فيه حقًا فهو في أعلى المنازل، ورجل أتاه الله علمًا ولم يؤتيه مالًا فقال يا ليتني مثل فلانًا حتى أعمل بمثل عمله] قال نبينا - ﷺ -[فهم في الأجر سواء،] ذاك بعمله، وهذا بنيته [ورجل أتاه اله مالًا ولم يؤتيه علمًا فهو يخبط في ماله فلا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم أن لله فيه حقًا فهو في أخبث المنازل، ورجل لم يؤتيه الله علمًا ولا مالًا فقال يا ليتني مثل فلان الذي] الذي نفق ماله على المسكرات والمخدرات والاعتداء على الأعراض [يا ليتني مثل فلان أعمل بمثل عمله] قال نبينا - ﷺ -[فهما في الوزر سواء] لم يعمل شيئًا من المنكرات لكنه عزم عليها ولو تمكن منها لفعلها، هناك فهما في الأجر سواء، وهنا فهما في الوزر سواء.
إخوتي الكرام:
لابد من مراقبة ما يدور في هذا القلب فالإنسان بإمكانه أن ينوي الخيرات وأن يحصل بذلك أعظم الدرجات عند رب الأرض والسماوات.
أسال الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله خير الخلق أجمعين، اللهم صلى علي محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرًا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
عباد الله..
[ ٦٣ / ١٣ ]
إذا كان حال القلوب كما تقدم وما يدور فيها. حاله كما فصلت وذكرت فينبغي أن نعلم أن القلوب هي أصل الأعمال، والأعمال الظاهرة مرتبطة بما يقع في القلب، فاعمل الظاهري الذي يقع منك صحته وفساده، قبوله ورده، حصول الثواب أو العقاب عليه متوقف على ما يقع في القلب من عزم ونية، فقد قرر هذا نبينا - ﷺ - ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - قال سمعت النبي - ﷺ - يقول [إنما الأعمال بالنيات] صحة وفسادًا، قبولًا وردًا، ثوابًا وعقابًا، [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه] هو في الصورة مهاجر لكنه عند الله خاطبٌ أو تاجرٌ [فهجرته إلى ما هاجر إليه] .
إخوتي الكرام:
وإذا كان الإنسان إذا حدث نفسه بطاعة أو هم بها أو عزم عليها يكتب له أجرها فينبغي على الكيس في هذه الحياة أن يفعل بجوارحه ما استطاع من الحسنات وما يعجز عنه ينبغي أن ينويه وأن يهم به وأن يحدث نفسه به وأن يعزم عليه، فإذا عزم عليه وأتى بما في وسعه مما تتمكن منه جوارحه يكتب له أجر ما عزم عليه، فالعازم على الطاعة إذا لم يتمكن منها يكتب له أجر العامل الكامل ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ .
إخوتي الكرام:
[ ٦٣ / ١٤ ]
إن الحديث بالحسنات والهم بها والعزم عليها يسيرٌ يسير وفعلها ليس بالعسير، وإن الحديث بالسيئات ثقيل وخيم وبيل وفعلها أشنع منها وقد أشار ربنا جل وعلا إلى هذا في آخر سورة البقرة فقال ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ أنظر لدلالة الآية الكريمة على سهوله الحسنة وانتفاع العبد بها، وعلى ثقل السيئة وتضرر العبد بها، من وجهين أشار إليها ربنا جل وعلا بهذه الآية فقال ﴿لها﴾ تعجيلًا بالمسرة فهذا ﴿لها﴾ تنتفع به وتحوذه وتملكه، ثم في جانب الفعل ما كسبت ليس لها تكلف ولا ثقل ولما أتى للسيئات ﴿عليها﴾ تعجيلًا بالمضرة، فكأنها تحمل شيئًا يثقلها ويتعبها ويؤذيها وتتضرر به ولما أتى لجانب الفعل أتى بصيغة الافتعال ﴿ما اكتسبت﴾ وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، نعم إن الهم بالسيئة ثقيل، وهو خلاف الفطرة التي فطر الله عليها عباده، وفعل السيئة أثقل منها، ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ .
أسأل الله جل وعلا أن يشرح صدورنا لطاعته ومحبته في جميع أحوالنا وأوقاتنا، إنه على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا وإذا أردت فتنة بعبادك فقبضنا إليك غير مفتونين،
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من المحبوبين عندك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك ومن المقربين لديك، الله اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وأصلح ذات بينهم ونصرهم على عدوك وعدوهم إنك على كل شيء قدير، عباد الله ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ .
[ ٦٣ / ١٥ ]