(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بسم الله الرحمن الرحيم
النفقة المستحبة
١٨
الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطًا مستقيمًا وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيد الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صما وقلوبًا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة فاطر: ٣
(٢) سورة النساء: ١
(٣) آل عمران: ١٠٢
[ ٧٠ / ١ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١) .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
أشرف بقاع الأرض وأحبها إلى ذي الجلال والإكرام المساجد فهي بيوت الله وفيها نوره وهداه وإليها يأوي الموحدون المؤمنون المهتدون وقد نعتهم الله بأنهم رجال ووصفهم لأربع خصال لا تلهيهم البيوع والتجارات ويعظمون رب الأرض والسموات فيذكرونه ويصلون له ويشفقون على عباد الله والمخلوقات فيحسنون إليهم ويتصدقون عليهم ثم بعد ذلك يبذلون ما في وسعهم استعدادًا للقاء ربهم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (٢) .
وكنا إخوتي الكرام نتدارس صفتهم الثالثة ألا وهي الإحسان إلى عباد الله ومساعدة خلق الله عن طريق إخراج الزكاة الواجبة والمندوبة وتقدم معنا الكلام إخوتي الكرام على ما يتعلق بالزكاة الواجبة ثم بعد ذلك تكلمت على النفقة الواجبة ووعدت أن نتدارس في هذه الموعظة ما يتعلق بالنفقة المستحبة التي هي من باب التطوع وفاعلها يحصل عظيم الأجور عند العزيز الغفار.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٧٠، ٧١
(٢) سورة النور: ٣٦، ٣٧
[ ٧٠ / ٢ ]
عباد الله: تقدم معنا أن النفقة الواجبة تشمل إخراج الزكاة وتشمل الحقوق الطارئة المتعينة على الإنسان غير الزكاة كما أنها تشمل النفقة على النفس والأهل والأولاد والوالدين ومن يلزمك أن تنفق عليهم. عباد الله وتقدم معنا أن النفقة بهذه الأقسام الثلاثة نفقة واجبة وفيها أجرٌ عظيم عظيمٌ كما بينت هذا بما ثبت عن نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه وقبل أن انتقل إلى النفقة المستحبة التي هي من باب التطوع والسنة وفاعلها يحصل أعظم الأجر قبل ذلك أحب أن أبين أمرًا يسيرًا يتعلق بالنفقة الواجبة ألا وهو أن كثيرًا من الناس يحجمون عن الزواج ويقللون من الأولاد خشية من النفقة عليهم وخشية من رزقهم وكل هذا ضلال وعار ينبغي أن يتنزه عنه المؤمنون وأن يربطوا قلوبهم بالحي القيوم عندما تنفق على عيالك تحصل أجرًا عظيما عظيمًا يتضائل بجانبه كل أجر على كل نفقة إن أعظم نفقة تنفقها على عيالك تلك عليها أجر عظيمٌ عظيم يفوق سائر أجور النفقات وقد أخبرنا عن ذلك خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.
ففي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " دينارًا أنفقتَهُ في سبيل الله ودينارًا أنفقته في رقبة ودينارأً تصدقت به على مسكين ودينارًا أنفقته على أهلك أعظمها أجرًا عند الله الدينار الذي أنفقته على أهلك " أعظمها أجرًا عند الله الذي أنفقته على أهلك نعم هذه نفقة واجبة متعينة لكن منّ الله علينا أيضًا عليها بالأجور العظام فهي واجبة علينا ويثيبنا عليها ﷾.
[ ٧٠ / ٣ ]
إخوتي الكرام: طيبوا نفسًا بما تنفقونه على أنفسكم وعلى أهليكم وأولادكم ووالديكم فلكم بذل أجرٌ عظيمٌ عظيم هو أعظم النفقة عند رب العالمين وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم أيضًا والحديث أخرجه الإمام النسائي والترمذي وابن ماجه في سننهم وهو حديث صحيحٌ صحيح عن ثوبان ﵁ عن نبينا ﵊ أنه قال: أفضل دينار أنفقته على عيالك ودينار أنفقته على فرسك في سبيل الله ودينار أنفقته على أصحابك في سبيل الله قال أبو قلابة: بدأ رسول الله ﷺ بالعيال ثم قال أبو قلابة ﵁ وأرضاه: وأي رجل أعظم من رجل ينفق على أولادٍ له صغار يعفهم الله به ويغنيهم ويرحمهم. فأضل دينار تنفقه على أهلك، دينار تنفقه على فرسك في سبيل الله، دينار تنفق على أصحابك في سبيل الله.
إخوتي الكرام..
[ ٧٠ / ٤ ]
النفقة الواجبة بأقسامها مع أنها واجبة علينا نثاب عليها عند ربنا جل وعلا. وأما النفقة المستحبة التي هي نفقة التطوع هي خلاف النفقات المتقدمة، من صدقات على المساكين ومن هدية للأحباب وللأخوة في الدين، ومن إطعام لعباد الله أجمعين من تقديم طعام وثياب لهم فيما لا يجب عليك ولا يتعين وكل هذا من باب أعمال البر والنفقات المستحبة التي طولبنا بها وهذه طاعات عظيمة لأنك تعبد الله بها ونفعها يتعدى إلى غيرك فهي طاعة متعدية أعظم أجرًا من الطاعة التي بينك وبين ربك وقد أشار إلى هذا سلفنا الكرام ففي مستدرك الحاكم والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه وإسناده صحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: ذُكِر لي أن الأعمال تتباهى عند الله جل وعلا فتقول الصدقة أنا أفضلكم الأعمال تتباهى عند ذي العزة والجلال فتتكلم الصدقة وتقول: أنا أفضل الطاعات. وأنا أعظم القربات فأنا طاعة متعدية فعلها الإنسان طاعة لله ونفع بها عباد الله، ودين الله يقوم على تعظيم الله وعلى الشفقة على خلق الله وقد حصل هذا من الصدقة التي اطلعت بها وتقربت بها إليه وأحسنت إلى عباد الله وساعدتهم فتقول الصدقة أنا أفضلكم وهذا الأثر إخوتي الكرام الثابت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ له حكم الرفع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه فمثله لا يقال من قبل الرأي لا سيما وقد قال: ذُكر لي أن الأعمال تتباهى عند الله فتقول الصدقة أنا أفضلكم وهذه الأفضلية التي تكون للصدقة من وجوه كثيرة أولها:
[ ٧٠ / ٥ ]
١. إن من يتصدق في سبيل الله ويحسن مع عباد الله بالنفقات التي لا تجب عليه من صدقة وإطعام لعباد الله وهدية لخلق الله وغير ذلك أنه عندما يفعل هذا يحصن نفسه في كل يوم تتصدق فيه فقد حصنت نفسك بحصن حصين من البلايا الطارئة والرزايا المفاجئة كما أخبرنا عن ذلك نبينا ﷺ ففي معجم الطبراني الأوسط من حديث علي ﵁ والأثر رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ في الروايتين من رواية علي وأنس ومرفوعًا أيضًا على أنس رجح شيخ الإسلام الإمام البيهقي أن الأثر مرفوع على أنس وهذا ما ذهب إليه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب عليهم جميعًا رحمات ربنا القريب المجيب. الأثر من كلام أنس لكن هذا أيضًا إذا ثبت عن أنس وهو ثابت كما قرر الإمام البيهقي وبعده الإمام المنذري فثابت إذن إلى النبي ﷺ ومثله لا يقال من قبل الرأي كما ستعلمون يقول أنس ﵁ باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها (باكروا بالصدقة) أي إذا أصبحت عجِّل بالصدقة والإحسان إلى عباد الله فإذا فعلت هذا لا يصل إليك بلاء أنت عملت صدقة إذا جاء البلاء لا يمكن أن يتجاوز الصدقة ولا يمكن أن يخرقها ليصل إليك فأنت في حصن حصين وأنت في جُنة قوية محكمة متينة باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها نعم لا يتخطى البلاء صدقة بحيث يصل إلى المتصدق. فإذا أردت أن تحصن نفسك علىالدوام فأكثر من الصدقات إلى عباد الرحمن لا سيما في البكور من كل يوم يتصدق ولو شيئا قليلًا فهو حصنٌ لك وجُنة من بلاء طارئ يطرأ على عباد الله. وإذا طرأ ذلك البلاء ونزل ولم تكن متصدقًا فأسرع إلى معالجة نفسك ومداواتها بالصدقة فما وجد مثل الصدقة دافعًا للبلاء قبل حلوله وبعد حلوله.
[ ٧٠ / ٦ ]
إن الصدقة تدفع البلاء فلا يحل عليك وإن الصدقة تدفع البلاءة فإذا أصابك البلاء وأردت أن يزول عنك فأكثر من الصدقة وأكثر من مساعدة عباد الله ولو درى العباد هذا الأمر لكفاهم ذلك عن شراء أدوية كثيرة وفيرة قد تضر ولا تنفع ولداووا أنفسهم بالصدقات التي يتقربون بها إلى ربهم جل وعلا ويساعدون بها عباد الله والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه. وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا الأمر والحديث من درجة القبول ولا ينزل عن درجة الحسن رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان والطبراني في معجمه الكبير وأبو الشيخ في كتاب الثواب من رواية أبي أمامة الباهلي ﵁ والأثر رواه الطبراني أيضًا في معجمه الكبير والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود ﵁ وروى عن عدة من الصحابة الكرام ثبت عن عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين وثبت عن أنس ابن مالك وعن العرباص بن سارية وعن عبادة بن الصامت وعن سمرة بن جندب وعن الحسن البصري في جميع الروايات مرفوعًا إلى النبي ﷺ والروايات يعتضد بعضها ببعض فتتقوى أنه قال ﵊ " داووا مرضاكم بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة وأعدوا للبلاء الدعاء " داووا مرضاكم بالصدقة إذا وجد لك مريض فأكثر من الصدقة على العبيد، داووا مرضاكم بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة وأعدوا للبلاء الدعاء – أكثروا من الدعاء لئلا ينزل البلاء وليرفع إذا نزل والحديث كما قلت إخوتي الكرام لا ينزل عن درجة الحسن لتعدد مخارجه وكثرة طرقه وشواهده إذن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم وأي فضيلة أعظم من أن البلاء يُدفع عنك فلا يصل إليك إذا تصدقت في هذه الحياة وإذا وصلك بلاء ولم تتصدق وأردت أن يزول عنك فتصدق والله خير معين وهو خير ضمين ﷾.
[ ٧٠ / ٧ ]
الأمر الثاني: الذي يقرر أفضلية الصدقة وخيرتها ويحق لها أن تقول أمام ربها عندما تتفاخر الأعمال الصالحة: أنا أفضلكم.
هذه الصدقة تمحو عنك الخطايا وتزل عنك الذنوب والرزايا إذا أخطأ الإنسان وما اكثر الأخطاء التي يرتكبها في الليل وفي النهار وفي الصباح وفي المساء. هذه الصدقة تمحو الخطايا وتزيلها برحمة الله وكرمه وجوده وعفوه. وقد ثبت في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر ﵁ وأرضاه. والأثر رواه البيهقي في شعب الإيمان موقوفًا على عبد الله بن مسعود ﵁ بلفظ قريب من لفظ أبي ذر في صحيح ابن حبان وقد ذهب شيخ الإسلام الإمام ابن حجر عليه رحمة الله إلى أن الأثر رواه مغيث بن موسى وهو من الرواة عن كعب الأحبار وهم من أئمة التابعين الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ٧٠ / ٨ ]
والرواية الأولى كما قلت عن أبس ذر في صحيح ابن حبان وهو صحيح على حسب ما يراه هذا الحافظ الإمام وقد ذكر تصحيحه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب ولم يعترض عليه وهكذا فعل الحافظ الهيثمي من الزواجر عن اقتراف الكبائر فذكر تصحيح ابن حبان للحديث ولم يعترض عليه وإذا كان حوله كلام له شواهد كثيرة حسانٌ حسان كما يأتينا ولفظ الحديث عن أبي ذر عن نبينا ﷺ قال: "تعبّد عابد من بين إسرائيل ستين سنة في صومعته فلما أمطرت السماء واخضرت الأرض قال: لو خرجت من صومعتي حتى أتعبد الله على هذه الخضرة فخرج فتعرضت له بغى فلم تزل تكلمه ويكلمها حتى غشيها ووقع عليها ثم لما صحا وتفكر فيما فعل وندم على نفسه أغمي عليه من حسرته ثم بعد ذلك ذهب إلى بركة وبدأ يستحم بها ليسقط عندما حصل فيه من جنابة فجاءه مسكين ومع هذا العابد رغيف أو رغيفان فأعطاه هذا الرغيف أو هذين الرغيفين، قال نبينا ﵊: "وُضعت عبارة ستين سنة في الميزان وهذه الزِّنْية فَرَجَحت بها " وهذه الزينة فرجحت بها أي كِفّة السيئات رجحت ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١) (خرجت بها ثم أُتِيَ بالرغيف أو الرغيفين فوضعا في كفة حسناته فرجحت فغفر الله له) الصدقة تمحو الخطايا، تزيل الذنوب بفضل الله وكرم علام الغيوب وهذا الأثر إخوتي الكرام كما قدمت الكلام عليه في صحيح ابن حبان وغيره وانظروه في موارد الضمآن في ص٢١٠ وفي الكتب التي أشرت إليها إنما أريد أن أقول معنى الحديث صحيح وأن الصدقة تمحو الخطايا هذا ثابت عن نبينا ﵊ في أحاديث كثيرة منها ما يثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الحاكم في مستدركه والدارمي في مسنده وأبو نعيم في الحلية من حديث معاذ بن جبل ﵁ ويحفظه الأولاد الصغار في المرحلة الابتدائية في الأربعين
_________________
(١) (١») سورة الإسراء: ٣٢
[ ٧٠ / ٩ ]
النووية على مؤلفها رحمات رب البرية عندما قال معاذ ﵁ للنبي ﵊ أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار قال: " لقد سألت عن عظيم وأنه يسير على من يسّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت – أي إن استطعت إليه سبيلا – ثم قال النبي صلى الله علية وسلم يا معاذ ألا أدلك على أبواب الخير قلت بلا يا رسول الله ﷺ فقال نبينا ﵊ الصوم جُنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (الصوم جُنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا نبينا ﵊ ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) .
ثم قال النبي ﷺ يا معاذ: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذرة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله ﷺ قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذرة سنامه الجهاد، ثم قال النبي ﷺ يا معاذ ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ (بما يملك عليك أمر نفسك ويعينك على طاعة ربك) فأخذ النبي ﷺ بلسانه وقال: يا معاذ كف عنك هذا فقلت: يا رسول الله ﷺ وإنا لمؤاخذون لما نتكلم به؟! قال ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!
_________________
(١) (١») سورة السجدة: ١٥- ١٧
[ ٧٠ / ١٠ ]
الشاهد – أخوتي الكرام: والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وهذا المعنى متواتر عن نبينا المختار ﷺ ففي مسند الإمام أحمد والحديث رواه الحاكم في المستدرك وأبو يعلى في مسنده وسنده صحيح كالشمس من رواية جابر بن عبد الله ﵄ ورواه ابن حبان من رواية كعب بن عُجرة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال للكعب في رواية جابر وفي رواية كعب بن عُجرة: (يا كعب بن عُجرة، يا كعب بن عُجرة الصلاة قربان تتقرب بها إلى الله – الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) وفي رواية ابن حبان (والصدقة تذهب بالخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا) والجليد هو قطع الثلج على البلاط الأملس إذا سطعت عليه حرارة الشمس يذوب ويتلاشى ويمشي ولا يبقى متماسكًا وهكذا الصدقة تُذهب الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا. إذا إخوتي الكرام الصدقة..تمحوا الخطايا تكفر الذنوب تستر العيوب ولذلك يحق لها أن تقول أمام علام الغيوب أمام الطاعات عندما تفتخر فتقول الصدقة: أنا أفضلكم. من أفضلية الصدقة إخوتي الكرام أيضًا الصدقة المندوبة المستحبة.
[ ٧٠ / ١١ ]
٢. أن الإنسان يستظل بظلها في عرصات الموقف عندما يُحشر الناس حفاة عراة، وتدنوا الشمس من رؤوسهم ويلجمهم العرق صدقتُك في ذلك الوقت تظلك إحسانك إلى عباد الله إطعامك لخلق الله مساعدتهم بما استطعت فيما لا يجب عليك. يكون كالمضلة عليك من حر ذلك اليوم ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١) وقد ثبت الحديث بذلك وهو صحيح كالشمس ع نبينا الكريم ﷺ ففي مسند الإمام أحمد والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وابن خزيمة في صحيحه وكما قلت أنه صحيح عن عقبة بن عامر ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس ".
_________________
(١) (١») سورة الشعراء: ٨٨، ٨٩
[ ٧٠ / ١٢ ]
في ذلك الموقف العصيب الرهيب يكون لهذه الصدقة ظلال وتستظل بظلالها حتى يفرغ أهل الموقف من الحساب (المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس) قال يزيد بن أبي حبيب الراوي عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني وهو الراوي عن عقبة بن عامر ﵃ أجمعين قال يزيد فكان أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني وهو من أئمة التابعين الطيبين روى عن عدة من الصحابة الكرام الصادقين وتوفي سنة ٩٠هـ وحديثه في الكتب الستة وهو عالم مصر، وفقيهها وصالحها وعابدها وزاهدها في زمانه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني يقول يزيد بن أبي حبيب فكان مرثد لا يخطؤه يوم إلا تصدق فيه ولو بكعكة ولو ببصلة، وفي رواية ابن خزيمة يقول يزيد فكان مرثد أبو الخير لا يخطؤه يوم إلا تصدق وكان يأتي إلى المسجد في الصباح وفي جيبه فلوس أو خبز أو قمح أو بصل فقلت له: أبا الخير ماذا تصنع بالبصل تحمله في جيبك ينتن ثيابك؟! قال: والله ما في البيت غيره وقد سمعت رسول الله ﷺ وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول " المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس " فما في البيت إلا بصل فأخرجت بصلة لأتصدق بها حتى تكون ظلا لي يوم القيامة. وإذا وجد فلوسًا تصدق، وإذا وجد خبزًا تصدق، وإذا قدر أنه لم يُحصِّل إلا البصل، يحمل في جيبه البصل وهو من أئمة التابعين الأبرار وشيخ المسلمين في تلك الديار في زمنه يحمل البصل من أجل أن يتصدق به في كل يوم بما تيسر لكون في ظل صدقته عند الله جل وعلا.
إخوتي الكرام..
[ ٧٠ / ١٣ ]
يحق للصدقة أن تقول إذن إذا افتخرت الأعمال أمام ذي العزة والجلال: أنا أفضلكم، لا يوجد عمل في ذلك في ذلك اليوم إلا الصدقة؟! نعم يوجد أعمال أخرى سيأتينا الإشارة إليها تضلك في ظل العرش، أما عمل بنفسه يكون ظلا لك فهذا خاص بالصدقة وعليه إذا تصدقت واتصفت بالأعمال الأخرى حصّلت ظلين: ظلا تحت عرش الرحمن وظلا بهذه الصدقة عندما تظلك في ذلك اليوم.
إخوتي الكرام: ويحق للصدقة أن تقول: أنا خيركم، وأنا أفضلكم فالأفضلية أيضًا تظهر بالوجه الرابع.
[ ٧٠ / ١٤ ]
٣. الصدقة تقيك من نار جهنم وتحفظك من لهيبها وتكون حصنًا حصينًا لك من دخولها كما أشار إلى ذلك نبينا ﷺ والحديث إخوتي الكرام في المسند ورواه الشيخان في الصحيحين وهو في سنن الترمذي وابن ماجه من رواية عدي بن حاتم ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بيننا وبينه ترجمان (ليس هناك مترجم ولا واسطة كل واحد من الخليفة سيقف أمام ربه ليكلمه) قال ﵊ (فينظر – أي هذا الذي سيكلمه الله أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وعمل وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وعمل وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة – فاتقوا النار ولو بشق تمرة) تصدق بما استطعت لتكون هذه الصدقة وقاية لك من النار ولو بشق تمرة (فمن لم يجد فبكلمة طيبة) فاتقوا النار ولو بشق تمرة.
[ ٧٠ / ١٥ ]
وقد تواتر عن نبينا ﵊ أن الصدقة تمنع من دخول النار وتقي صاحبها من ذلك العار الذي سيحصِّله أهل الأوزار في دار القرار ففي مسند الإمام أحمد وحلية الأولياء لأبي نعيم والحديث صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليقي أحدكم وجه من النار ولو بشق تمرة " ليتق أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة والحديث رواه الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها أنا النبي ﷺ قال لها يا عائشة "استتري من النار ولو بشق تمرة " (استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسُد من الجائع مسدّها من الشبعان) استتري من النار ولو بشق تمرة وهذا المعنى كما قلت ثابت متواتر عن نبينا ﵊ رواه عدة من أصحابه الكرام منهم البزار في مسنده والإمام الطبري في معجمه الأوسط عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال "اتقوا النار ولو بشق تمرة" والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة إخوتي الكرام.
[ ٧٠ / ١٦ ]
نعم..إن الإنسان يقي نفسه عندما يتصدق وكل على حسب استطاعته وكما قال أئمتنا سابقًا الجود بالموجود وإذا لم تجد إلا تمرة وشققتها قسمين فأخذت قسمًا وتصدقت بالباقي فأجركم عظيمٌ عظيم عند ربك الكريم وقد ثبت في سنن النسائي من رواية أبي ذر ﵁ والأثر رواه النسائي أيضًا عن أبي هريرة ﵁ ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي هريرة كما قلت والحديث عن أبي ذر وأبي هريرة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: " سبق درهم مائة ألف درهم –سبق درهم مائة ألف درهم " قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله ﵊؟! يتصدق بدرهم ويزيد أجره عند الله على من يتصدق بمائة ألف درهم؟! والحديث صحيحٌ صحيح فقال ﵊ "رجل يملك درهمين عنده درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به ورجل أخذ من عُرض ماله لف درهم فتصدق به" من عُرض ماله: يعني من ناحية ماله من جانب ماله أموال مكدسة فخذ من جانبها مائة ألف ذاك عندما أخرج الدرهم أخرج نصف ما يملك وهذا عندما أخرج مائة ألف درهم أخرج طرفًا يسيرًا من طرف ما يملك يقول نبينا ﵊ "سبق درهم مائة ألف درهم " الجود بالموجود وثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه البزار في مسنده عن علي ﵁ وإسناد الحديث ثقات أثبات وليس فيه من تُكلِّم فيه إلا الحارث الأعور وقد ضعفه أئمتنا وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة ونقيم عليه شيء من التشبع كان فيه وهو من أصحاب علي ﵁ وأرضاه وتشيّعُهُ أنه يفضل عليًا على سائر الصحابة ﵃ أجمعين الحارث الأعور المعتمد في أمره أنه ضعيف.
[ ٧٠ / ١٧ ]
لكن الحديث له شواهد ولفظ الحديث عن علي ﵁ وأرضاه قال: جاء ثلاثة نفرإلى النبي ﷺ فقال أحدهم يا رسول الله كانت عندي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة دنانير وقال الآخر يا رسول الله ﷺ كانت عندي عشرة دنانير فتصدقت منها بدينار وقال الثالث: يا رسول الله ﷺ كان عندي دينار واحد فتصدقت بعُشره فقال ﵊ "كلكم في الأجر سواء كلكم تصدق بعُشر ماله " نعم..يتصدق الإنسان بنصف تمرة متى؟! عندما لا يملك إلا تمرة وإما إذا كانت عنده أطنان التمر ثم بعد ذلك تصدق بتمرة أو بنصف تمرة فبئس ما قدمه لنفسه ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١) .
إذن إخوتي الكرام الجود بالموجود لكن الصدقة لها هذا الأجر الكريم عند ربنا المعبود:
١. لا يتخطاها البلاء.
٢. تكفر الذنوب والخطايا.
٣. تستظل بظلها يوم القيامة.
٤. تمنعك هذه الصدقة بعد ذلك من دخول نار جهنم.
إخوتي الكرام..
_________________
(١) (١») سورة آل عمران: ٩٢
[ ٧٠ / ١٨ ]
هذا المال الذي منَّ الله به علينا لا ينتفع الإنسان به إلا إذا أخرجه وقدمه بين يديه. وقد ثبت ف مستدرك الحاكم بسند صحيح قال الحاكم أبو عبد الله إسناد الحديث على شرط الشيخين ولا أعلم له علة وأقره على ذلك الإمام الذهبي عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " الأختلاء ثلاثة، أصحابك ثلاثة لا يخرجون عن ذلك. فخليل يقول لك أنا معك ما دمت حيًا فإذا مِتّ، فأذا مُتّ فارقتك وخليل يقول لك أنا لك ما أنفقت وإذا لم تنفق فلست لك وخليل يقول لك أنا معك أينما ذهبت إذا دخلت أو خرجت. قال نبينا ﵊ " أما الخليل الذي معك ويفارقك إذا مُتّ –ذا مِتّ فهم أهلك وأصحابك وعشيرتك (يصاحبونك في هذه الحياة ويشيعونك إلى قبرك ثم يعودون) . (وأما الخليل الذي تنتفع به إذا أنفقته ولا يكون لك إذا لم تنفقه فهو مالك) أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك يقول لك المال: إن أنفقتني فأنا لك وإن لا فلست لك وأما الذي يصاحبك من جميع أحوالك من دخولك وخروجك: عملك. قال نبينا ﵊ (فيقول الإنسان بعد موته لعمله: لقد كنت أهون الثلاثة عليّ) أنت الخليل الملازم لكن ما تقيت الله من خُلتك ولا في صحتك (كنت أهون الثلاثة علي) أنت ستصاحبني في حِلِّي وترحالي في حياتي وبعد مماتي في الدنيا وفي الآخرة ثم ما أحسنت عشرتك. أما المال الذي سيكون لي إذا أنفقته ويكون لغيري إذا كنزته فقد اعتنيت به والأهل والعشيرة كذلك فارقوني عند الموت واعتنيت بهم وأما هذا الصاحب الذي لا يفارقني " كنت أهون الثلاثة علي" ما تمنيت بك وهناك يتحسر الإنسان ولكن ليس ذلك الوقت تنفع فيه الحسرة.
[ ٧٠ / ١٩ ]
إذن.. لابد إخوتي الكرام من إنفاق هذا المال لينفعك عند ذي العزة والجلال وهذا الحديث الثابت كما قلت في المستدرك وغيره أصله في الصحيحين من رواية أنس أيضًا ﵁ وأرضاه هو في الصحيحين وسنن النسائي والترمذي عن أنس ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يتبع الميت ثلاثة: مالُه وأهلُه وعملُه فيرجع إثنان ويبقى واحد يرجع ماله وأهله ويبقى عمله " هذا الذي سيصاحبك في كل وقت. إخوتي الكرام فلا بد من إخراج المال إخراج المال تقربًا إلى ذي العزة والجلال صدقة على المسكين أمر طيب إطعام لعباد الله ولأحباب الله ولعباد الله والمساكين ولغيرهم كل هذا أيضًا عمل طيب يقوم به الإنسان عندما يطعم عندما يقدم شرابًا عندما يقدم لباسًا كل هذا من أنواع النفقات المستحبة التي تشرع للإنسان وينبغي أن يقوم بها.
وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن عظيم الأجر الذي يحصله من يطعم عباد الله ومن يسقي عباد الله ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وقال حسن صحيح والحديث رواه ابن حبان في صحيحه ورواه الإمام الدارمي في مسنده من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اعبدوا الرحمن وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " اعبدوا الرحمن.. أطعموا الطعام..صلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
[ ٧٠ / ٢٠ ]
والحديث رواه الإمام أحمد أيضًا في المسند والترمذي في السنن وابن ماجه في السنن أيضًا ورواه الحاكم في المستدرك والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة عن عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس إليه -أي أسرعوا إلى لقائه – يقول فذهبت فلما استثبتُ منه نظرت إلى وجهه فعرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب عليه صلوات الله وسلامه لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهية تنبئك بالخبر ثم قال النبي ﵊ " أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " إطعام الطعام إلى عباد الرحمن من أسباب دخول الجنة بسلام.
والأحاديث إخوتي الكرام في ذلك كثيرة وفيرة منها ما ثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال " ألا وأن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " فقال أبو مالك الأشعري ﵁ وأرضاه: لمن أعدها الله يا رسول الله ﷺ فقال: " لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وقال بالليل والناس نيام " والحديث رواه ابن حبان عن أبي مالك الأشعري ﵁ بتغيير أطاب بأفشى قال من؟ قال لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام إذن إطعام الطعام له أجرٌ كبير عند ذي الجلال والإكرام.
[ ٧٠ / ٢١ ]
ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان والحديث رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قلت يا رسول الله ﷺ أنبئني عن أمر إذا عملته دخلت الجنة. فقال النبي ﷺ يا أبا هريرة " أفشي السلام وأطعم الطعام وصِل الأرحام وصلي بالليل والناس نيام وادخل الجنة بسلام " أي بعد ذلك. والأحاديث في ذلك كثيرة ولذلك كان سلفنا الكرام يتسابقون على هذه المكرمة أعني إطعام الطعام، تقربًا إلى ذي الجلال والإكرام. أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن وأبويعلى في مسنده والأثر في كتاب الأحاديث الجياد المختارة الصحيحة للإمام الضياء المقدسي وأصل الحديث في مستدرك الحاكم عن صهيب ﵁ أن عمر بن الخطاب قال لصهيب ﵃ أجمعين يا صهيب أي رجل أنت لولا ثلاث فيك؟! قال صهيب: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تكنّيت وليس لك ولد، وانتسبت إلى العرب وأنت من الروم، ولك إسراف في الطعام. وفي رواية المستدرك: ما جاءك شيء إلا أنفقته فقال: يا أمير المؤمنين أما منيتي فقد كناّني رسول الله ﷺ كناني بأبي يحيى – هذه كنية النبي ﷺ لي – وأما انتسابي للعرب فأنا من قبيلة النمر بن قاسم من العرب سباني الروم وأنا صغير أعقل أهلي وقومي والله لو كان أصلي روثة لانتسبت إليها قال: صدقت قال: وأما قولك أني أسرف في الطعام فقد سمعت النبي ﷺ يقول: "خياركم من أطعم الطعام " زاد الإمام أحمد في المسند (ورد السلام) خياركم من أطعم الطعام ورد السلام. ولذلك أُثِر عن علي ﵁ كما في كتاب الثواب لأبي الشيخ وإسناد الأثر حسن لولا وجود ليث ابن أبي سليم فيه.
[ ٧٠ / ٢٢ ]
وهو كما قال أئمتنا صدوق لكن طرأ عليه الاختلاط وقد أخرج حديثه البخاري في صحيحه معلقًا والإمام مسلم في صحيحه وهو من رجال أهل السنن الأربعة. عن علي ﵁ وأرضاه أنه قال: "لأن أجمع إخواني على صاعٍ أو صاعين من طعام أحبُّ إليّ من أن أدخل سوقكم فأشتري عبدًا فأعتقه في سبيل الله" إطعام الطعام له هذا الأجر العظيم عند ذي الجلال والإكرام وهذا سَقْيُ الماء إخوتي الكرام فقد سقى رجل كلبًا فشكر الله سعيه فغفر له وفي كل كبدٍ رطبة أجر.
ثبت الحديث بذلك في المسند والصحيحين والحديث رواه البخاري في الأدب والمفرد وأبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: " بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئر فنزل فيها فشرب فلما خرج رأى كلبًا يلهث يكاد أن يأكل الثرى من شدة العطش فقال لقد بلغ بهذا الكلب من العطش مثلُ الذي بلغ بي فنزل البئر ثانية وملأ خفيه بالماء ثم رقى وسقى الكلب فشكر الله له فغفر الله له قالوا يا رسول الله ﷺ " وإن لنا في البهائم لأجرًا؟! قال: (في كل كبد رطبة أجر) والحديث أيضا ثابت في المسند والصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ (بينما كلب يطيف بركية- أي يدور حول بئر – لا يستطيع أن يشرب منها فلقيته بغي من بغايا بني إسرائيل نسأل الله العافية فنزعت موقها – يعني خفها – ثم استقت بهذا الموق لهذا الكلب فسقته إياه فغفر الله لها به) أي بهذه السقيا بغي من بغايا نبي إسرائيل عندما سقت هذا الماء وتصدقت على خلق الله فغفر الله لها غفر الله وزرها وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
[ ٧٠ / ٢٣ ]
وإليكم هذه القصة إخوتي الكرام التي تتعلق بسقي الماء القصة ينقلها شيخ الإسلام الإمام البيهقي في كتاب شعب الإيمان والبيهقي توفي سنة ٤٥٨هـ ينقلها عن شيخ الإسلام في زمنه عبد الله بن المبارك الذي توفي سنة ١٨١هـ حاصلها أن رجلًا جاء إلى شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك فقال له خرجت فرحة في ركبتي بقي لها سبع سنين وقد عالجتها بأنواع العلاجات فما برأت ولا شفيت وهي تنزف بالدم والماء والقيح والصديد فأريد أن ترشدني إلى أمر يكتب الله لي به العافية. فقال له شيخ الإسلام: ابحث عن مكان يحتاج الناس فيه إلى ماء واحفر فيه بئرًا وأنا أرجو من الله إذا استقى الناس من ذلك البئر أن يجف سيلان قرحتك وأن تبرأ بإذن الله جل وعلا وفعلًا الرجل بحث عن مكان يحتاج الناس فيه إلى بئر، فحفر بئرًا فلما خرج الماء واستقى الناس منه برأت قرحته بإذن الله داووا مرضاكم بالصدقة.
[ ٧٠ / ٢٤ ]
قال الإمام البيهقي: وقد جرى مثل هذا لشيخنا أبي عبد الله الحاكم الذي توفي سنة ٤٣٠هـ وهو من شيوخ البيهقي وهو صاحب المستدرك عليهم جميعًا رحمة الله يقول جرى مقل هذا لشيخنا أبي عبد الله الحاكم خرج في وجهه قروح فشوهت وجهه وبقي فيه ذلك قرابة سنة ثم جاء إلى شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني الذي توفي سنة ٤٤٩هـ وهو من العلماء الربانيين الذين يستقى بهم وينزل غيث السماء عند ذكر اسمهم عليهم جميعًا رحمات الله وهو صاحب كتاب عقيدة السلف وأهل السنة مطبوعة ضمن الرسائل المنيرة فجاء الإمام الحاكم إلى هذا الشيخ العَلَم الهمام فقال: أبا عثمان أريد أن تدعو لي في مجلس وعظك وقد وعظ هذا الرجل وحضر الأئمة الكبار وعظه وعمره تسع سنين واستمر في الوعظ سبعين سنة حتى لقي رب العالمين أبو عثمان الصابوني قال أريد أن تدعو لي في مجلس وعظك وأن يُؤمِّن الناس لعل الله يُذهب عني هذه القروح فاجتهد أبو عثمان في الدعاء وأمّن الحاضرون وكثر البكاء فلما انصرفوا جاءت امرأة في اليوم الثاني إلى أبي عثمان وقالت رأيت النبي ﵊ فقال لي: أبلِغي أبا عثمان أن يخبر الحاكم أن يوسِّع على المسلمين في الماء. فأخبرت أبا عثمان الصابوني بهذا فأعلم الإمام الحاكم بذلك فعمل مباشرةً سقيًا عند داره قال أئمتنا فلما خرج الماء منها واستقوا منها يقول البيهقي وهو يدرك هذا بعينه: ما مضى أسبوع حتى ذهبت القروح من وجه أبي عبد الله الحاكم وصار وجهه أنضر وجه وأحسنه وأبهاه (داووا مرضاكم بالصدقة) .
هذه الصدقات إخوتي الكرام لها أجور عظيمة حسان يتعلق بها أمران أذكرهما على سبيل الإيجاز في الموعظة في الخطبة الثانية ن شاء الله أقول هذا القول واستغفر الله.
[ ٧٠ / ٢٥ ]
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمد عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين. اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرًا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
إخوتي الكرام.. يتعلق بالصدقة أمران لا بد من العناية بهما:
الأمر الأول: يستحب للإنسان إذا تصدق أن يخفي صدقته ما أمكن فهذا أعظم لأجره عند ربه وقد ثبت في معجم الطبراني الكبير من حديث أبي أمامة ﵁ والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن أمنا أم سلمة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال " صنائع المعروف تقي من مصارع السوء وصلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب" وتقدم معنا أن مطلق الصدقة يطفئ غضب الرب وعليه صدقة السر تزيد في إطفاء غضب الرب وإذهاب عقوبته ونعمته وفقته وسخطه لعظيم الأجر الذي فيها.
والحديث إخوتي الكرام إسناده حين وهو ثابت عن نبينا ﷺ (صدقة السر تطفئ غضب الرب) وقد كان سلفنا يتبارون في صدقة السر.
يذكر أئمتنا كما يوجد في سير أعلام النبلاء في ترجمة شيخ الإسلام الإمام الرباني أبي عمرو إسماعيل بن نُجير الذي توفي سنة ٣٦٥هـ وانظروا ترجمته إخوتي الكرام في الجزء ١٦/١٤٦ من سير أعلام النبلاء وكما قلت هو من العلماء الربانيين وشيخ الإسلام ومحدث خراسان في زمنه ونعته الإمام الذهبي بأنه كان صوفيًا وكان كبير القوم من أئمة الهدى والصلاح والسداد والرشاد.
[ ٧٠ / ٢٦ ]
يقول هذا الإمام المبارك يقول الذهبي في ترجمته ومن محاسنه أن شيخه يعني به أبا عثمان الحيري الذي توفي سنة ٢٩٨هـ احتاج إلى مبلغ من المال من أجل تحصين الثقور من الأعداء فحثّ الناس على الصدقة فأبطؤوا فجاء في المجلس الثاني ابن نُجيد – إسماعيل بن نُجيد أبو عمرو بألفي درهم في صرة ووضعها بين يدي أبي عثمان دون أن يشعر أحد بذلك فشكر أبو عثمان هذا المتصدق ونوّه به في مجلس وعظه وقال: أبطأتم عن الصدقة وقد قام بعبء الجماعة هذا العبد الصالح ابن نُجيد فاعترض شيخه وقام من المجلس وقال يا إمام كنت أخذت هذه الفلوس من أمّي وهي كارهة وتريد أن تعيدها إليّ فقال خذ هذا الكيس بحاله. فأخذ هذا الكيس حتى انفض الناس دخل إلى شيخه وقبّل يديه وقال أيها الشيخ علام فضحتني بين الناس؟ ! أمر عملته لله لا أريد أن يطلع عليه أحد هذه الفلوس تعاد مرة لتحصين الثغور ولا أريد أن يعلم بهذا أحد من خلق الله هذا الصوفي الزاهد العابد الورع القانت كان يقول: كل حال وإن جل لا يُبنى على علم ضرره على صاحبه أكثر من نفعه – نعم من عَبَدَ الله على جهل ودعا على جهل فما يفسده أكثر مما يحصله وكان هذا العابد القانت يقول: لا تثبتُ قدم الإنسان في العبودية حتى يعلم أن جميع أعماله كلها رياء وأن جميع أمواله كلها دعاوى أحواله دعاوى أعماله رياء نعم من لم يتهم نفسه بالرياء فهو مراءٍ ومن لم يتهم نفسه بالنفاق فهو منافق ما أمن النفاق إلا منافق وما برّأ نفسه من الرياء إلا مرائي أما الأمر الثاني: ألا وهو المتعلق بالصدقات على الأقرباء والأرحام أترك هذه للموعظة الآتية عند شهر رمضان فهو شهر الصدقة والإحسان.
الدعاء..
[ ٧٠ / ٢٧ ]