(تفسير)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
تفسير (١٨)
قولًا سديدًا الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينًا قويمًا، وهدانا صراطًامستقيمًا، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، انت رب الطيبين، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، ولى الصالحين وخالق الناس أجمعين ورازقهم ﴿وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌ فى كتاب مبين﴾ ﴿ياأيها الناس أُذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وشرح به الصدور وأنار به العقول، وأفتح به آذانًا صمًا وأعينًاعميًا وقلو بًاغلفًا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به الله نبيًا عن أُمته، ورضى الله عن أصحابه الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءًا واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿ياأيها الذين آمنوا إتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿ياأيها الذين آمنوا إتقوا الله وقو لح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًاعظيمًاْْْْ﴾ .
أما بعد معشر الأخوة الكرام..
[ ٢٨ / ١ ]
انتهينا من مدارسة وبيان معنى الحروف المقطعة المذكورة فى أوائل بعض سور القرآن الكريم ونحن نتدارس فى الأصل تفسير سورة لقمان ﵁ وعن سائر الصالحين والصالحات، وبدايتها ﴿آلم. تلك آيات الكتاب الحكيم. هدى ورحمة للمحسنين﴾ وذكرت أن الحروف المقطعة الموجودة فى بعض سور القرآن الكريم أجمع أئمتنا الكرام على أن لها معنى وذكرت لحكمة لأمرين معتبرين ثم بينت بعد ذلك هذا المعنى الذى من أجله ذُكرت الحروف المقطعة، وتلك الحكمة التى من أجلها وردت الحروف المقطعة فى أوائل بعض سور القرآن الكريم هل يدرس فى ذلك المعنى ويوقف على تلك الحكمة من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه؟، فقلت هذا محل الخلاف بين أئمتنا الكرام على قولين
القول الأول: لايمكن أن ندرس الحكمة من جميع الوجوه ولا أن نقف على المعنى على وجه التمام والكمال، فغاية مانعلمه فى الأحرف المقطعة: أنها حروف من حروف الهجاء من حروف لغة العرب، إذ فتح الله بها بعض السور من كتابه جل وعلا، فهى حروف من حروف اللغة العربية، لكن ماذا يقصد بها وما الحكمة التى من أجلها ذكرت من أجلها هذه الأحرف فى أوائل بعض السور، هذا ما نقف عنده ولا نتكلم فيه.
القول الثانى: أنه يمكن الوقوف على ذلك المعنى وإدراك تلك الحكمة، وقلت: كما تعددت أقوال القائلين بهذا القول الى ما يزيد على ثلاثين قولًا، ذكرت منها عشرة أقوال، سبعة ممكن أن تقبل. وهى متفاوتة فى درجات القبول، وثلاثة مردودة، ختمت الكلام على الأحرف المقطعة بها فى أخر موعظتى المتقدمة.
وأما الآن سنشرع فى مدارستنا بعد الأحرف المقطعة فى أول سورة لقمان ﴿آلم. تلك آيت الكتاب الحكيم﴾ نتدارس إن شاء الله تفسير الأية الثانية من سورة لقمان وهى ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ المؤلفة من أربعة كلمات
[ ٢٨ / ٢ ]
إخوتى الكرام.. تقدم معنا أن الحروف المقطعة الموجودة فى بعض سور القرآن الكريم تعتبر آية فى مصاحف الكوفة، ونحن نسير على هذا الإختلاف فى مصاحفنا، وقراءتنا فى الأصل تنتمى لقراءة حفص عن عاصم إلى بلاد الكوفة، وعاصم كان هناك وفى مصاحفنا ﴿آلم﴾ تعتبر آية، وقلت ما عدى الحروف المقطعة فى أوائل السور آية إلا الكوفيون فى مصاحف الكوفة، وهذا ثابت عن نبينا ﷺ، وما بدؤه حرف التهجى فآية لكوف وطس كما تقدم معنا عند بيان آيات سورة لقمان، فى هذه راء، هى هذه الراء من الأحرف المقطعة ﴿آلر﴾ هذا لا يعتبر آية فى مصاحف الكوفة، وطس، وهكذا المثل للتى أُبتدئت بحرف واحد من ن وق
وقال: هذه الآية تعتبر الفواتح فيها آية فى مصاحف الكوفة، إذًا ﴿آلم﴾ الآية الأولى، والآية الثانية هى التى نتدارسها الآن ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ تلك إسم الإشارة، وآيات جمع آية والكتاب الذى نُعت بعد ذلك بالحكمة ﴿آيات الكتاب الحكيم﴾، هذه الكلمات الأربعة سنتدارسها، ونسأل الله العظيم بفضله ورحمته أن يلهمنا رشدنا وأن يبصرنا بعواقب أُمورنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
[ ٢٨ / ٣ ]
إخوتى الكرام.. أما الكلمة الأولى واللفظة الأولى فهى ﴿تلك﴾ تلك إسم إشارة، ووضع هذا الإسم فى اللغة العربية للإشارة به إلى بعيد غائب إذا كان مؤنثا، كما أن ذلك يشار به إلى البعيد الغائب إذا كان مذكرا، بعكس هذا وهذه فهذه يشار بها إلى القريب الحاضر إذا كان مؤنث، وهذا يشار بها إلى القريب إذا كان مذكرًا وعليه تلك يشار بها إلى الشئ البعيد، وإلى الشئ الغائب إذا كان مؤنثًا، لكن أسماء الإشارة تتناوب، فيعبر أحيانًا فى لغة العرب عن الحاضر القريب الموجود المشاهد بإسم الإشارة البعيد، كما يُعبر عن البعيد الغائب بإسم الإشارة القريب فما المراد هنا من إسم الإشارة؟ هل يُراد شئ حاضر قريبأ أُشير به بإسم الإشارة الذى وُضع كما قلنا للبعيد، أو أن المراد بهذا الإسم شئ غائب بعيد؟
لعلمائنا الكرام فى هذه المسألة قولان، القول الأول: أن المراد من إلإشارة هنا شئ حاضر قريب وليس بشئ غائب بعيد ﴿آلم. تلك ﴾ فماذا نقول إذًا فى معنى (تلك) (هذه) ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ أى (هذه آيات الكتاب الحكيم) تلك بمعنى هذه، والذين قالوا بهذا إختلفوا أيضًا فيما بينهم في توجيه هذا القول وتعليلهم إلى ثلاثة أقوال:
إذا فسرنا إسم الإشارة الذى هو للبعيد بما يشار به إلى شئ حاضر قريب، هؤلاء قالوا تعليل هذا القول إلى ثلاثة أقوال إختلفوا فى تعليلهم، القول الأول.
[ ٢٨ / ٤ ]
القول الأول: ذهب إليه الإمام ابن كثير عليه ﵀ وعدد من أئمة اللغة كمعمر ابن المثنى ابى عبيدة فى كتابه (مجاز القرآن) ويقصد بالمجاز تفسير القرآن، لا يقصد بالمجاز المعنى الإصطلاحى عند المتأخرين، كتاب ابى عبيدة معمر بن المثنى فى مجاز القرآن وتفسير القرآن وتأويل القرآن وشرح القرآن وبيان معنى القرآن، ولا يقصد بالمجاز، المجاز الإصطلاحى عند المتأخرين الذى يقابل الحقيقة، لا ثم لا، المجاز بمعنى التفسير.، زلذلك يقول البخارى عليه ﵀ فى صحيحه عندما ينقل قول ابى عبيدة معمربن المثنى ﴿آلم﴾ مجازها، مجاز أوائل الصور، ما معنى مجازها؟ تفسيرها، والقول فيها كما يقال فى أوائل السور، قد تقدم معنا الإشارة الى هذا، وهنا ابو عبيدة معمر بن المثنى عليه ﵀ فى الجزء الأول صفحة ٢٨ عند مطلع ومفتتح وبداية سورة البقرة ﴿آلم. ذلك﴾ إسم إشارة للبعيد لكنه بصيغة المذكر، ﴿ذلك الكتاب﴾ وهنا إسم إشارة للبعيد تلك، لكن المراد آيات، هناك كتاب مذكر وهنا آيات مؤنث، والصيغتان للبعيد الغائب، يقول ابى عبيدة: ذلك الكتاب، هذا الكتاب، والعرب قد تخاطب الشاهد، أى الحاضر القريب، فتظهر له مخاطبة الغائب.
والإمام ابن كثير عليه ﵀ عندما فسر تلك بهذه ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾، هذه آيات الكتاب الحكيم، ﴿ذلك الكتاب لاريب فيه﴾، هذا الكتاب لاريب فيه، قال عليه ﵀ فى الجزء الأول صفحة ٣٩: العرب تعاوض بين إسمى الإشارة، أى تجعل واحدا عوضًا عن الأخر، فهما يتعاقبان فهذا يحل مع هذا فأحيانا تستعمل صيغة إسم الإشارة التى هى للبعيد، تقصد بها القريب الحاضر، وأحيانا تستعمل إسم الإشارة التى هى للقريب الحاضر وتريد بها مشارا إليه غائبا بعيدا، تعاوض بين إسمى الإشارة، قال معمر بن المثنى والشاهد على هذا ما ورد فى كلام العرب، يقول خُفاف بن نُدبة من شعراء العرب:
أقول له والرمح يقطر مثنه تأمل خفافا إننى أنا ذلك
[ ٢٨ / ٥ ]
يقطر (يأطر) مثنه: أى يقطع مثنه وظهره، ويفصله عن بعضه، مثنه: مثن هذا المضروب.
إننى انا ذلك: ما الأصل أن يقول؟ إننى أنا هذا، أى أنا حاضر بين يديك، أنا خفاف الذى أضربك هذه الضربة التى تقطع ظهرك.
أشار إليه بإسم الإشارة الذى هو للبعيد وهو حاضر موجود، إننى أنا هذا.
لكن الإمام الألوسى فى روح المعانى عليه ﵀ فى الجزء صفحة ١٠٥، قال: وليس هذا بنص صريح على أن المراد من قول خفاف بن ندبة: إننى أنا ذلك، أنا هذا، أى أشار بإسم الإشارة الذى هو للبعيد الى حاضر قريب، لإحتمال أن يريد خفاف، إننى أنا ذلك الرجل الذى كنت تسمع به وتحدث عنه، فهو إذًا غائب بعيد، كان يسمع به هذا المضروب، إننى أنا ذلك، فكأن الإمام الألوسى عليه ﵀ يقول: صيغة إسم الإشارة هنا التى هى للبعيد على بابها وعلى حقيقتها يقصد منها ما هو بعيد غائب ليس بحاضر شاهد، إننى أنا ذلك، ذلك الرجل الذى كنت تسمع به وتحدث عنه خذ هذه الضربة منه التى تأطر مثنك وتقطع ظهرك.
[ ٢٨ / ٦ ]
أقول: لكن ما قاله الإمام ابن كثير عليه ﵀ وهكذا قبله معمر بن مثنى على علماء الإسلام جميعا ﵀ ورضوانه، إن ما قاله هؤلاء العلماء، هذان وغيرهما له شواهد كثيرة فى كتاب الله جل وعلا، وقد جاءت صيغة إسم الإشارة للبعيد ويراد منها الحاضر الشاهد القريب، فمن ذلك قول الله جل وعلا فى سورة الأنعام آية ٨٣ ﴿وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم﴾، قال هذا بعد ذكر الحجة التى منحها الله ووهبها لخليله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، ﴿فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الأفلين. فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضآلين. فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا ياقوم إنى برىء مما تشركون. إنى وجهت وجهى للذى فطر السواوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. وحآجه قومه قال أتجاجونى فى الله وقد هدان ولاأخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شىء علما أفلا تتذكرون. وكيف أخاف ما أشركتن ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به سلطانا فأى الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ .
[ ٢٨ / ٧ ]
ماذا قال بعد ذلك ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم﴾، تلك: بعيدة غائبة أو حاضرة قريبة إشير إليها، الإصل: وهذه حجتنا متقدمة التى منحها الله لخليله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، الأصل: وهذه حجتنا التى تقدم ذكرها وسردها واستمعتم إليها وبينت بيانا شافيا وافيا، هذه الحجة آتيناها لخليلنا إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فعبر عنها بإسم الإشارة الذى هو للبعيد لكن المشار إليه حاضر مشاهد قريب ليس بغائب بعيد، وتلك حجتنا: معناها هذه حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء، وهكذا فى سورة السجدة آية ٦ ﴿الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون. الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون. يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ .
ماذا قال بعد ذلك ﴿ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾، ذلك: إسم إشارة يشار به للغائب البعيد، والأصل هنا أن يقال: هذا المتحدث عنه ﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون﴾ والأصل أن يقول: هذا عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذى ذكرت أوصافه ةنعوته ﷾ وما قام به من أعمال وأفعال وخلق وتدبير هذا هو الله العزيز الرحيم، فعبر عنه بذلك كما تقم معنا: العرب يعاوضون بين أسماء الإشارة فيجعلون إسم الإشارة الذى هو للبعيد للحاضر القريب المشاهد، ذلك: بمعنى هذا عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم.
[ ٢٨ / ٨ ]
ومثل هذا قول الله جل وعلا فى سورة الممتحنة فى آية١٠ ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ ماذا قال بعد ذلك ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾ ما الأصل أن يقول: هذا حكم الله يحكم بينكم، هذا هو الذى تقدم ذكره، وهو أننا نمتحن المؤمنات إذا جئن مهاجرات، لإنها هاجرت رغبة فى الله ورسوله خالصة صادقة، ما هاجرت ل زوج، ولا رغبة فى أرض أو التزوج من غير زوجها، إنما هاجرت مؤمنة بالله ورسوله ﷺ، فإذا إستبان لنا هذا فلا يجوز أن نعيدها الى الكفار، ولايجوز أيضًا أن نمسك بعصم الكوافر زوجة كافرة، ثم بعد ذلك نعطى مهور النساء اللآتى هاجرن الينا وهن مؤمنات لى الكفار عندما هاجرت هذه المؤمنة من ذلك المكان، ألأصل أن يقول: هذا حكم الله يحكم بينكم، أشير إليه وذكر ووضح وهو حاضر، فقال: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾ .
[ ٢٨ / ٩ ]
ومثل هذا الكثير الكثير وإن أردت أن تتحقق من هذا فانظر الى هذا الأمر الذى يوضح هذه القضية غاية الأيضاح، كيف أشار ربنا جل وعلا الى الحاضر القريب بصيغة إسم الإشارة التى هى للبعيد، ثم بين أن المراد من تلك الصيغة التى هى للبعيد الحاضر الموجود القريب، يقول الله جل وعلا ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾، بعد أن قص قصة عبدة عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، الأصل: هذا نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم. إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. ﴿الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. إن هذا ﴾، مع أنه قال فى أول الآيات، ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ ذلك، وهنا ﴿إن هذا لهو القصص الحق..﴾ ذلك هو هذا وهذا هو ذلك، فذكر إسم الإشارة الذى هو للبعيد فى أول الأمر ثم بين المراد منه وأنه حاضر أشير إليه وهو قريب موجود مشاهد بيننا ليس بغائب عنا
﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾، أى: إن ذلك الذى تلوناه عليك وأخبرناك عنه بصيغة إسم الإشارة التى وضعت للبعيد يراد منها ما هو حاضر موجود بين يديك، ﴿إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ .
[ ٢٨ / ١٠ ]
هذا القول الأول: أن أسماء الإشارة تتعاقب ويحل بعضها محل بعض وينوب بعضها عن بعض، لكن هذا القول كما ترون مع سلامته وظهور الأدلة عليه يبقى فى نفسى نحوه شىء فهو كما يقال جاف جاف ماسخ ماسخ، وماعندنا شك فى أن صيغة إسم الإشارة التى للبعيد يعبر بها عن الحاضر القريب المشاهد المحسوس، لكن نقول هل من ذلك نكتة لما عبر عن الأمر القريب بإسم إشارة وضع للبعيد؟ نحن معكم فى هذا، وهذا وارد فى كلام الله جل وعلا ولغة العرب بكثرة.، لكن ما الحكمة وما النكتة وماالسبب وما العلة فى هذا التعبير؟ حقيقة القول الثانى الذى قال به كثير ممن أئمة اللغة العربية وإرتضاه جمهور المفسرين هو أظهر وأقوى من القول الأول، الذى ذكره الإمام السكاك فى (مفتاح العلوم) توفى سنة ٦٢٦ عليه ﵀، يقول: ﴿تلك أيات الكتاب الحكيم﴾ تلك بمعنى هذه، لكن أشير بإسم الإشارة الذى هو للبعيد الى حاضر قريب تنزيلًا للبعد الرتبى منزلة البعد الحقيقى.
وحقيقة هذا القول تطرب له الآذان وتبتهج به النفوس وتنشرح القلوب لقبوله.، يقول: هذه الآيات آيات جليلة سخيمة لها شأن عظيم، فإذا رتبتها ليست هى من حيث تلاوتها من حيث رسمها بعيدة أو قريبة، لا، من حيث منزلتها من حيث رتبتها منحيث مكانتها من حيث رفعة قدرها، هل منزلتها قريبة سهلة أم عالية عالية عالية؟ فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر الخلق، وهذا الكلام يعلو ولا يعلى، ويحكم ما دونه، أعلاه مثمر وأسفله مغدق، وما هو من كلام البشر إذا كان الأمر كذلك فنحن عندنا البعد ينقسم الى قسمين.. بعد حسى: يشار إليه بإسم الإشارة الذى هو للبعيد، تلك.
[ ٢٨ / ١١ ]
بعد معنوى: وهو الذى عبر عنه السكاك ببعد الرتبة والمنزلة، فإذًا نزل البعد المعنوى فى الرتبة والمنزلة منزلة البعد الحسى، فعبر عنه بتلك، إذًا ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾، هذه آيات الكتاب الحكيم تتلى عليكم، لما ذكر إسم الإشارة الذى هو للبعيد والغائب؟ نقول نزل هذه الآيات فى رتبتها وعلو شأنها ورفعة قدرها لمنزلة البعد الحسى، فبعد الرتبة كالبعد الحسى فلذلك هنا يشار إلى بعدها فى الرتبة والمنزلة وجلالة القدر لا فى البعد الحسى، وحقيقة هذا القول أوجه وألطف من القول الأول، ولذلك قال الإمام الألوسى عليه ﵀ فى (روح المعانى): هذا هو تعليل البعد، يعنى كيف أشار الى القريب بصيغة البعيد هذا هو تعليل البعد فى إسم الإشارة، أى البعد فى الرتبة والمنزلة، ونور القرب يلوح عليه، يعنى هذا القول هو القريب المستضاء وهو المقبول أننا نقول هنا، تلك بمعنى هذه أشير الى ما هو حاضر قريب بإسم إشارة لبعيد غائب تنزلة للبعد الرتبى منزلة البعد الحسى الحقيقى.
[ ٢٨ / ١٢ ]
هل لهذا شاهد؟ نعم يقول الله جل وعلا فى سورة يوسف مخبرًا عن امرأة العزيز الآية ٣٢ ﴿وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين. فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم. قالت فذلكن الذي لمتننى فيه﴾، فذلكن، المراد هنا البعد الحسى الحقيقى أو بعد المنزلة والرتبة ما الدليل؟ فى الآيات آية كريمة واضحة أوضح من الشمس فى رابيعة النهار، ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ واضح ﴿وقلنا حاش لله ما هذا بشرا..﴾ هذا من طراز آخر، واضح هذا، هذا ليس له أحكام البشر ﴿ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم﴾ إذًا هن إعترفن برفعة قدره وعلو شأنه وبعد منزلته وأنه ليس على غرار البشر، إذًا منزلته علية ولذلك: فذلكن: أى هذا الحاضر بيننا منزلته عالية جميلة رفيعة بعيدة بعيدة، ﴿فذلكن الذى لمتننى فيه ﴾، فهنا إسم الإشارة جاء بصيغة البعد والمراد منه القرب، لكن لما عبر عن هذا القريب بإسم إشارة بعيد لبعد رتبته ومنزلته وقدره وشأنه، كما قلنا وفى الآيات قرينة قوية على هذا فلما رأينه أكبرنه وعظمنه وبجلنه ورأين له شأن عظيم ﴿وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم﴾، قالت الأصل: فهذا الذى لومتتنى فيه، ولو جاء التعبير بهذا لما كان فى الكلام توسية لنبى الله يوسف ﵇ ما يليق به من القدر والمقدار، وهذه إشارات العزيز القهار ﷾.
[ ٢٨ / ١٣ ]
إخوتى الكرام: وأسرار القرآن لا يقف اللإنسان عليها إلا إذا تذوق لغة العرب وأحاط بها، فإن (فذلكن) تأدية لمقام (فهذا) هذا لحن فى كلام الله، لأن هذا حاضر موجود وعنده نقول فهذا لأن قلبك ممحون وقلبك مأخوذ، ولو كان عندك طهارة وإدراك لهذا القرآن لكنت مثل العربى الذى يدرك ترتيب الكلام وحلاوة الكلام يهز رأسه طربًايقول ومنزل هذا الكلام هو ذو الجلال والإكرام، (فذلكن) لأنه لو قال (فهذا الذى لومتننى فيه) يقول أين إذًا رفعة القدر التى ذُكرت لهذا النبى فى الآيات السابقة.. ضاعت؟ لذا عُبرعنها بما يدل على مكانته وعلو شأنه، فهنا ليس المراد منه البعد الحسى باٍلإتفاق، هو حاضر، فإذًا المراد من البعد بإسم الإشارة فذلكن للرتبة التى إتفق عليها النسوة، أكبرنه، و﴿حاش لله ما هذا بشرًا﴾، و﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ ﴿فذلكن الذى لومتننى فيه﴾ .
[ ٢٨ / ١٤ ]
إذًا ﴿وتلك حجتنا﴾ هذه حجتنا، نقول فيها ما نقوله الآن فى القول الثانى، نقل هذه حجتنا، عبر عنها الإشارة التى هى للبعيد، هنا أنها حجة محكمة قسيمة فصيحة بليغة، أخرست الخصم وأسكتته، فهذه يقال لها تلك ولا يقال هذه للإشارة إلى بعدها فى الرتبة والمنزلة والقدر، لا فى البعد الحسى والبعد الحقيقى، وهكذا فى سائر الأُمورّ ﴿ذلك عالم الغيب والشهادة﴾ لو قال هذا لكن فى الكلام شئ من التعجيل الذى لا يتناسب مع جلال ذى الجلال والإكرام، لذلك ألاداه تشير إلى عظيم منزلة هذا الرب، وأنه إله جليل عظيم ليس كأحد من المخلوقات، ذلك الإله الجليل العظيم الذي له كل كمال، ويتنزه عن كل نقصان، ذلك الذى فعل ما تقدم ﴿عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾، فنقول إذًا إسم الإشارة الذي هو للبعيد يعبر به عن القريب لكن ينبغى أن يكون لذلك التعبير سبب ونكتة وحكمة، وهو أنه يراعى البعد الرتبى المنزول، الرتبة المنزلة فى المعنى فى القدر، وفى الشأن وننزل هذا منزلة البعد الحسى الحقيقى، وهذا القول حقيقة كما قلت إنه أقوى وأوجه من القول الأول.
[ ٢٨ / ١٥ ]
القول الثالث: ذهب إليه الإمام الراجعى عليه رحمة الله، وذكره على أنه وجه مؤتمن. ووجه مقبول فى تفسيره فى الجزء الثانى صفحة ٥٣ وبعد أن قرره رد عليه الإمام الألوسى عليه ﵀، فانظروا لحافز كلام هذين العبدين عليهما وعلى جميع المسلمين والمسلمات رحمة الله ومغفرته، يقول الإمام الرازى: ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ ﴿ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين﴾ يقول: إسم الإشارة ذا، ذو إسم الإشارة، هذا موضوع للقريب وللبعيد، الوضع اللغوى، إسم الإشارة يشار به الى حاضر والى غائب، الى موجود والى بعيد، لكن فى الإستمعال، خص الناس إدخال الهاء على القريب، فيقولون: هذه وهذا، وإدخال اللام على البعيد فيقولون: ذلك وتلك، فإذًا الوضع، وضع اللغة لا يختلف، إسم الإشارة يعبر به عن البعيد وعن القريب، لكن الإختلاف فى إستعمال الناس، إذا أرادوا أن يشيروا الى قريب يدخلون على إسم الإشارة ذا: الهاء فيقولون هذا، إذا أن يشيروا به الى بعيد يقولون: ذلك إسم الإشارة هوهو، لكن هنا أدخلوا اللام وهنا أدخلوا الهاء، ذلك هذا، هذا ذلك، عندما يريدون أن يشيروا به الى بعيد ليأكد الإشارة فيأتى باللام، وعندما يريد أن يشير الى قريب يدخل عليه الهاء، وعليه تلك يقول: هذه خالفت عرف إستعمال الناس، لكنها فى اللغة موضوعة أصالة كما قلنا ليعبر بها عن مشار إليه قريب أو بعيد، وعليه فلا إشكال تلك بمعنى هذه لما؟
[ ٢٨ / ١٦ ]
فأسم الإشارة واحد عرف الناس فقط هو الذى خص تلك بأنها للبعيد وهذه للقريب، يقول هذا مثل لفظ الدآبة، الدابة موضوعة فى اللغة لكل ما يدب ويمشى على وجه الأرض من إنسان وغيره، كون العرف الإستعمالى عند الناس خصها بالبهائم بالدواب ولا يطلقون على الإنسان لفظ دابة يكون هذا عرفًا للناس، عرف إصطلاحى إستعماله، لكن لو جاء وأطلق متكلمًا على الإنسان لفظ الدآبة ﴿وما من دآبة فى الأرض إلاّ على الله رزقها﴾ ﴿وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم﴾ ﷾، فإذًا قوله: تلك، المراد من إسم الإشارة هذه، قل لا إشكال فى ذلك من ناحية الوضع وأصل الإستعمال فى اللغة تلك وهذه سواء، لكن هذا فى الإستعمال إصطلاح الناس يفرقون بين تلك وبين هذه كما يفرقون بين هذا وذلك، هذا إصطلاح للناس لكن الوضع اللغوى ليس كذلك، قال الإمام الألوسى عليه ﵀ معلقًا على كلام الإمام الرازى: هذا كلام مخالف لما قرره علماء اللغة ﴿وفوق كل ذى علم عليم﴾ أى أن صيغة إسم الإشارة هذا بمعنى ذلك وهذه بمعنى تلك وهذه يشار بها الى قريب وبعيد وهذه الى قريب وبعيد والصيغة واحدة فى الوضع اللغوى، قل ليس كذلك، علماء اللغة يخالفون فى هذا ﴿وفوق كل ذى علم عليم﴾ والذى نخلص منه فى نهاية هذا المبحث القول الأول، إسم الإشارة تلك هنا، المراد منه على القول الأول شىء قريب حاضر ﴿تلك آيات الكتاب﴾ بمعنى هذه، لكن إختلف الأئمة فى تعليل هذا القول على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب إليه ابن كثير وابو عبيدة معمر ابن المثنى، وغيرهما من أئمة الإسلام،: الى أن أسماء الإشارة تتناوب وتتعاوض ويؤتى بهذه بدل تلك فلا حرج فى ذلك، مع أن تلك موضعة للبعيد وهذه موضعة للقريب لكن تتناوب.
[ ٢٨ / ١٧ ]
القول الثانى: نعم تتناوب لكن، لنكتة وحكمة وهى يلاحظ فى الحضر القريب عندما يعبر عنه بإسم الإشارة الموضوعة للبعيد يلاحظ بعد الرتبة والمنزلة والقدر، وننزل البعد الرتبى منزلة البعد الحسى الحقيقى.
القول الثالث: قول الرازى وهو أن كلًا من صيغ أسماء الإشارة موضوعة فى الأصل ليشار بها إلى قريب أو إلى بعيد فى أصل الوضع لكن الإستعمال خص إدخال الهاء على إسم الإشارة إذا كان قريبًا ليشار به إلى قريب، وإدخال اللام على إسم الإشارة ليشار به إلى بعيد، هذا عرف الناس وإستعمالهم، أما فى الوضع اللغوى فالأمر ليس كذلك أظهر هذه الأقوال كما قلت وأوجهها أوسطها.
وكما تقدم معنا أمثلة للإشارة بإسم الإشارة لبعيد إلى قريب لنكتة لطيفة على القول التالى: سيأتى أيضًا إسم الإشارة الذى هو للقريب ويشار به إلى بعيد أيضًا لنكتة لطيفة، لا لمجرد التناوب والتعارض، ولا لأن كلًا من الصيغتين موضوعة ليشار بها إلى قريب أو بعيد كما يقول الرازى، إنما لنكتة (يشار بإسم الإشارة القريب للبعيد كما يشار بإسم الإشارة الذى هو للبعيد إلى قريب) .
[ ٢٨ / ١٨ ]
مثال ما ثبت فى الصحيحين من سنن الترمذى والنسائى ومسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك، وإذا كان الحديث فى الصحيحين فهو فى أعلى درجات الصحة عن أنس بن مالك ﵁ (قال: كان النبى ﷺ يذهب إلى قباء فكان يزور أُم حرام بنت ملحان فكان إذا زارها تقدم له الطعام على نبينا ﵂ ثم كان يقيل عندها (من القيلولة ولذلك بوب الإمام البخارى ﵀ باب على هذا الحديث فى كتاب بإسم زان فقال باب من زار قومًافقال عندهم أى نام عندهم القيلولة، قال يقيل بمعنى سكن وقال يقيل بمعنى نام، الماضى فيهما واحد لكن فيما بعد يختلفون، قال يقيل إذا تكلم ونطق، قال يقيل إذا نام، وقال يقيل إذا رد سلعته وأعطى الثمن للمشترى، فإذا رد البائع السلعة يقال مقيل، (قال يقيل نام) (قال يقول يتكلم) ثلاثة قبيل ثلاثةالقيلولة يَقيل، والإقالة يُقيل، والقول يقول هذا فى المضارع يظهر لكن فى الماضى، فصيغة قال يقول وقال يقيل واحدة، باب من زار قوما فقال عندهم، فكانت بعد أن تطعمه أم حرام بنت ملحان ﵂ ينام النبى ﷺ عندها القائلة، فإستيقظ عليه صلوات الله وسلامه فى يوم من الأيام وهو يضحك، فقالت: ما الذى أضحكك بأبى أنت وأمى يا رسول ﷺ، قال: أناس من أمتى عرضوا علىّ، (أى فى المنام) يركبون كبد هذا البحر، كبد أى وسط البحر، كبد هذا هذا أم ذلك..الأصل ذلك المعروف الذى هو بعيد، كبد هذا البحر كأنه حاضر فى قباء يسير إليه، يركبون كبد هذا البحر ملوكًا على الأسِّرة، أو كملوكً على الأسِّرة، فقالت أدع الله أن يجعلنى منهم، ولذلك بوب الإمام البخارى عليه رحمةالله فى كتابه الجهاد على الحديث فى باب آخر فقال: باب الجهاد للرجال والنساء وقال الرجال والنساء الشهادة فى سبيل الله، فقالت أدع الله أن يجعلنى منهم، فدعا لها النبى ﷺ، وفى رواية قال: أنت منهم.
[ ٢٨ / ١٩ ]
ورد فى رواية أبى داود أن أم حرام بنت ملحان كانت تغسل رأسها فأستيقظ النبى ﷺ وهو يضحك فقالت: أتضحك من رأسى يا رسول الله ﷺ قال: لا ناس من أمتى عرضوا على يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو كالملوك على الأسرة، فقالت: أدع الله أن يجعلنى منهم، فدعا لها وقال: أنت منهم، ثم نام ﷺ مرة أخرى، فأستيقظ وهو يضحك ﷺ مرة أخرى، فقال: ما الذى يضحكك بأبى أنت وأمى يا رسول الله ﷺ، فقال: ناس من أمتى يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة أو كملوك على الأسرة، قالت: أدع الله لى أن أكون منهم، قال: أنت من الأولين) انتهى.
ولامانع أن أم حرام بنت ملحان ظنت وخطر ببالها، أليس عندها يقين بأنها ستموت مع الدفعة الأولى، ظنت أنه سيمتد بها حياة، فهى تريد إذًا الغزوتين، الغزوة الأولى والثانية، لكنها أستشهدت ﵂ فى الغزوة الأولى سنة إثنينوالغزوة فى البحر لها عشرة أضعاف الغزوة فى البر كما ثبت هذا فى المستدرك بسند صحيح أقره عليه الذهبي عن نبينا ﵊ أن غزوة فى البحر تعدل عشر غزوات فى البر، ومن أجاز البحر فكأنما قطع الأودية كلها، عندما يقطع البحر له أجر من قطع أودية الأرض بكاملها، والمائد فيه عندما يركب من أجل الغزو والجهاد فى سبيل الله لا من أجل والعربدة والفسوق كما يفعل فى هذه الأيام، والمائد فيه كالمتفحق بدمه فى سبيل الله عندما يركب البحر ليغزو ويعتريه الميادان والصداع ودوار الرأس له كأجر من يموت فى البر وينغمس بدمه ويتلطخ بذلك الدم، كالمتفحق بدمه فى سبيل الله.، والحديث كما قات أخوتى الكرام فى المستدرك بسند صحيح.
[ ٢٨ / ٢٠ ]
ثم حرام بنت ملحان، خرجت فى عهد عثمان ﵁ وعن سائر الصحابة الكرام، وهى أول غزوة غزاها المسلمون فى البحر سنة ٢٨ فى عهد معاوية، عندما فتحت قبرص، وكان معاوية أميرًا على بلاد الشام من قبل عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين، وكان يستأذنه مرارًا فى أن يركب البحر من أجل الغزو فى سبيل الله فكان عمر يمتنع ويقول: راكب البحر كدود على عود فإذا إنكسر العود هلك الدود، ولا أريد أن أجر أمة محمد ﷺ الى مخاطر نغزو الآن من البر وفضل الله واسع، لما جاء عثمان إستأذن معاوية ﵃ أجمعين عثمان بن عفان ﵁ وعن سائر الصحابة الكرام فى الغزو فأذن له، فأول عزوة إنطلقت فى البحر فى سبيل الله سنة ٢٨ وفى تلك السنة فتحت قبرص، وكانت تحقيقًا لهذه البشارة النبوية أم حرم بنت ملحان فى تلك الغزوة، فركبت البحر ونزلت فى قبرص، وركبت دآبتها بعد ذلك فسقطت عنها وماتت، ويقال عن قبرها فى قبرص (قبر الشهيدة)، قبر المرأة الصالحة أم حرام بنت ملحان
[ ٢٨ / ٢١ ]
إخوتى الكرام الحديث كما قلت فى الصحيحين، وكنت ذكرت مرة أمام بعض الإخوة عندما كنت فى أبها من الأخوة الصالحين المدرسين فى تحفيظ القران، فقال: ما صلة أم حرام بالنبى ﷺ، قات: ليس بينهما صلة، حكى ابن عبد البر: أنها كانت خالته من الرضاعة فهى من الحارم، وأشار الى هذا الإمام أبو بكر بن العربى ولكن هذا لا يثبت، وليس بين النبى ﷺ وبين أم حرام بنت ملحان أى قرابة ولا صلة، هى امرأة من هذه الأمة، قال: كيف يدخل عليها، قلت: من هو محمد ﷺ، قال: رسول الله، قلت: رسول الله إذًا وصلنا، وصلنا للمطلوب، والله الذى لاإله إلا هو المؤمن يأمن رسل الله ﷺ على زوجته وبناته أكثر بكثير مما يأمن والده ووالد زوجته على زوجته وبناته، إذا دخل والد زوجتك على زوجتك فى غيبتك هل يتنعروجهك وهل تقول له لما دخلت وأنت رجل، فرسول الله ﷺ أطهر بكثير من هذا، ولا تصح المقارنة، وهو مع نساء الأمة كالمحارم، وهذه خصوية له ﷺ، وهذا هو تحقيق الحافظ الدمياطى عليه ﵀، والحافظ بن حجر فى الفتح فى الجزء الحادى عشر صفحة ٣٨، قال: أحسن الأجوبة دعوى الخصوصية وأن هذا خاص بخير البرية ﷺ.،. وقد ثبت فى الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان النبى ﷺ لايدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليم، وهى أخت أم حرام بنت ملحان، إلا أم سليم فإنه كان يدخل عليها، فقيل له فى ذلك: فقال: أرحمها، قتل أخوها حرام معى، قوله معى أى فى بيتى وفى عهدى وفى طاعتى، ولم يقتل حرام فى غزوة مع النبى ﷺ إنما قتل فى بئر معونة، ولم يكن النبى ﷺ فى تلك الغزوة، ولما طعن بالسيف كما هو فى الصحيحين، ضرب حرام نادى بأعلى صوته: فزت ورب الكعبة.
[ ٢٨ / ٢٢ ]
وثبت مثل هذا لعامر بن صهيرة عندما طعنه جبار بن سلمة، فقال: فزت ورب الكعبة، فقال الطاعن: بأى شىء يفوز، يطعن ويضرب والدماء تخرج من بدنه وتسال على وجهه، يقول: فزت ورب الكعبة، ثم أسلم قاتل حرام، وأسلم قاتل عامر بن صهيرة جبار بن سلمة، عندما رجع الى عقله ورشده، ذاك يموت ويتحسر على حياته ولم يحصل بعد مماته إلا الشقاء، وهذا يموت ويقول: فزت ورب والكعبة، بإى شىء فاز، فقيل له: بعد هذه الحياة حياة أخرة هى الحيوان، وأما هذه ظلٌ زائل لابقاء له، فأمن واهتدى بعد أن قتل جبار بن سلمة، عامر بن صهيرة مولى وغلام ابى بكر ﵃ أجمعين، وهكذا المشرك التى قتل أيضًا حرام أيضًا أمن واهتدى بعد ذلك، فزت ورب الكعبة، فقيل للنبى ﷺ فى ذلك: كيف تدخل على أم سليم، قال: قتل أخوها معى، كان يدخل إذًا من باب مواساتها.
وقد بوب الإمام البخارى عليه ﵀ على هذا الحديث التالى بابًا فى كتاب الجهاد، فقال: باب من جهز غازيًا أو خلف غازيًا فى أهله بخير، ثم أورد حديث، من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلف غازيا فى أهله بخير فقد غزا، ثم أورد هذا الحديث الذى فيه، أن النبى ﷺ كان لا يدخل على امرأة من النساء إلا على أزواجه وعلى أم سليم، وفى الحديث كما ترون ما كان يدخل إلا على أم سليم، وتقدم معنا فى الصحيحين، كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فلذلك ذهب بعض العلماء، كما ذكر هذا الحافظ فى الفتح والحميدى وغيره، الى أنه ما كان يدخل على غير أم سليم، فدخولى على أم سليم، يعنى يقصد على أم سليم، وأما أم حرام بنت ملحان فكان يزورها بمقدار.
[ ٢٨ / ٢٣ ]
قال الحافظ بن حجر وهذا فى الحقيقة خطأ والحقيقة أن أم سليم وأم حرام، كانتا فى منزل واحد، وكل واحدة لها حجرة، وكان النبى ﷺ يدخل عليهما، أم سليم هى أم أنس، وأم حرام هى خالة أنس، وهما أختان، فكان يزورهما النبى ﷺ مواساة لهما لأن أخاهما قتل، كيف يدخل على النساء بلا محرم؟ نقول
_________________
(١) هو آمن على نسائنا منا على بناتنا، ووالله إنه آمن على بنتى منى، ولذلك قد، وهذا يقع، وقد يقع أحيانًا إعتداء من بعض المحارم على محارمهم، يقع، ولعل هذا العصر إمتلأ بمن يعتدى على أخته ومن يعتدى أحيانًا على أمه، الحوادث فى هذا كثيرة نسأل الله اللطف والعافية، وقلت للإخوة الذين فى بيوتهم هذه الأجهزة الخبيثة الملعونة جهاز التلفاز، قلت: أنا لا أتصور بيتا فيه هذا الجهاز إلا وفيه زنا، إما يزنى ببنات الجيران وبأخواته، وإماأن يظهر وإماأن يخفى، يعنى هذا وجد فى البيت ولا يوجد عهر هذا مستحيل عادة، لكن عندما تأجج الشهوات فى قلوب هؤلاء الشباب والشابات ماذا سيحصل للأمر، سيحصل ما يندى له الجبين، ولو كان فى الأمم السابقة من أتى أمه علانية ليوجد فى هذه الأمة من يفعل ذلك إذًا يوجد فى هذه الأمة من يزنى بأمه لكن لا يفعل هذا علانية، فالحوادث التى ثبتت بزنا الأخوة بأخواتهم والأباء ببناتهم أوصيب منهم من بال، ليست واحدة، ما عرض على أنا فقط حوادث متعددة أعرف الأباء الذيت أبتلوا بهذا، ولد زنا بأخته نسأل الله العافية.
[ ٢٨ / ٢٤ ]
مرة إتصلت بعض النساء بأحد الشيوخ عندنا فى أبها، وهذه لم تعرض على مباشرة لكن قلت له علم الله عرضت علىّ بعض القصص من الأباء الذين أبتلوا بهذا فى بيوتهم ثم يعترف بسبب ماحصل فى بيته من هذه الأجهزة الخبيثة، تتصل به مرأة فى وسط الليل تقول: شيخ فلان، نعم، ماذا تريدين ياأمة الله؟، فلما تحققت منه، بدأت تبكى على سماعة التليفون، قال: مالك، قالت: دخلت الى حجرة النوم وإذا بالولد فوق البنت، الآن هل هذا المشهد منه إليه تتصل به، وأبونا غائب وماذا أتصرف وماذا أفعل، قال: وما السبب فيها، قالت: لما أدخل هذه الأجهزة فسد الأولاد، فالشيخ يقول: ماذا أقول لها، يا أمة الله دبرى الأمر، واحتاطى من المستقبل نسأل الله لنا ولكم العافية، هذا مثله كثير وكثير، إذًا يتصور إعتداء من المحارم على محارمهم؟ يتصور.
[ ٢٨ / ٢٥ ]
هل يتصور خيانة من النبى ﷺ نحو امرأة من نساء الأمة؟ من خطر هذا بباله فليجدد إيمانه، هذا رسول الله ﷺ معصوم، معصوم يفعل ما يعله البشر ويعتريه ما يعترى البشر ﷺ مما أحل الله له ويحتاج للبشر، أما فيما هو حرام حكمه كحكم الملائة الكرام، يعنى حال نبينا ﷺ كحال جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فهل يتصور من الملائكة التى تخالطنا الإعتداء على أعراضهم؟ هكذا نبينا ﷺ.، وإذا كنت تأمن والدك وعمك من الدخول على بيتك، لأنه والد زوجتك، فهذا نبينا ﷺ، وهو قدوتنا ومعصوم ﷺ من كل خيانة ورذيلة، لكن هذا لايثبت لغيره، لكن لا يقال إذا بعد ذلك: شيخ فى الدين صالح ذاك ليس له ثوب العصمة واضح هذا، ليس له ثوب العصمة، فحذار حذار أن يخدعك الشيطان، قد يفعل شيخ الطرق يأتى يدخل على النساء، يقول: هذا شيخ، هذا شيخ، شيخ الطرق الصوفية يحرفون الظن، قال: هذا شيخ يخلو بالنساء، هذا شيخ، هذا صار مثل القسس عند النصارى، يخلو بالنساء ويفعل ويفعل، ويقال: هذا أب روحى، هذا قسيس، يعنى قسيس ملعون يخلو بالنساء ما عليه حرج، ذاك نبى عليه صلوات الله وسلامه، نبى رسول، إذا لم تؤمن بعصمته ﷺ، كما حصل إيمانًامنك بنبوته فاختلف الأمر.
[ ٢٨ / ٢٦ ]