(الموعظة الخامسة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بسم الله الرحمن الرحيم
الموعظة الخامسة
ثلاث مباحث للطاعات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، سَهِّل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعُنا، وانفَعنا بما علمتَنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علمنا نافعا وعملًا صالحًا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
أما بعد إخوتي الكرام:
تقدم معنا في المواعظ السابقة أن من آمن بالله --جل وعلا-- واتبع رسول الله -ﷺ- وأخلص في جميع أحواله لله سيذوق حلاوة الإيمان بلا شك، وهذه الحلاوة سيظهر لها أثرٌ في سلوكه وتصرفه فسيعرض عن الدار الفانية ويقبل على الدار الباقية، ويستعد للموت قبل نزوله ويكثر من ذكره ويفرح به إذا حل به.
إخوتي الكرام:
ولذلك كان الموتُ كما تقدم معنا تحفةً للمؤمنين. وقررت هذا بالأدلة والبراهين، وأريد أن أوضح أيضًا هذا بشيءٍ لم يتقدم ذكره -على سبيل الاختصار-
إخوتي الكرام:
[ ٦٠ / ١ ]
الموت تحفة المؤمنين، وإذا آمن الإنسان برب العالمين، واتبع النبي الأمين -﵊- وأخلص لله في كل حين سيكثر من ذكر الموت، ويفرح به ويشتاق إليه، وإذا تعلق بهذه الحياة سيخاف من الموت ويفر منه ويعرض عنه، وهو آتيه ولابد، يقول العبد الصالح بشر الحافي بِشر بن الحارث -عليه رحمة الله- الذي توفي سنة ٢٢٧هـ، وهذا الأثر عنه منقول في حلية الأولياء لأبي نعيم، وتاريخ بغداد للإمام الخطيب البغدادي -عليهم جميعًا رحمة الله- قول هذا العبد الصالح: (ما من أحدٍ يحبُ الدنيا إلا ولن يحبَ الموت) (وما من أحدٍ يزهد في الدنيا إلا أحبَّ لقاء الله) حتمًا من أحب الدنيا، وتعلق بها لن يحب الموت، ومن زهد في الدنيا وأعرض عنها أحب الموت وفرح به واشتاق إليه، وأكثر من ذكره، فما حالك أنت أيها العبد الصالح بِشر بن الحارث بشر الحافي؟! ثم قال: (اللهم إنك تعلم أن الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، وأن الذُلّ أحبُّ إليَّ من العز، وأن الموتَ أحبُّ إليَّ من البقاء)، وكان هذا العبد الصالح ينطق بالحِكَم، ويتحدث عن حال الأيام التي نعيش فيها -ما مضى وما نعيش فيه وما سيأتي- فيقول: ما يقطع الأمل عن أهل الغرور يقول (أمسِ ماتَ) ما مضى مات وفات (واليومُ في السياق) أي أن اليوم يحتضر، ليموت كما مات اليوم الماضي، (وغدًا لم يولد)، أمس مات واليوم في السياق وغدًا لن يولد.
بشر الحافي -عليه رحمة الله- من كلامه ودرره وعظيم مراقبته وعلمه بأحوال القلوب وما يجري فيها كان يقول: (إن العبد ليرائي بعمله بعد موته) .
قيل كيف مات ويرائي؟! قال: يحب أن يَكثُر الخلقُ في جنازته، -إذا توفي- يتمنى هذا من أجل أن يتحدث الناس عنه بعد موته أنه شهد في جنازته جمٌ غفير، فيكتب عليه جرم الرياء بعد موته.
[ ٦٠ / ٢ ]
(إن العبد ليرائي بعد موته يحب أن يكثُر الخلقُ في جنازته)، ومن حلم الله بنا ومغفرته لنا، أنه لم يخسف بنا الأرض، ونسأله --جل وعلا-- إذا دفنا فيها ألا يأذن للأرض بأن تلفظنا، ووالله لو أذن للأرض في حال حياتنا فوقها أن تبتلعنا لابتلعتنا، ولو أذن للأرض أن تلفظنا بعد موتنا لتقصيرنا وتفريطنا للفظتنا، وإذا سَتَرَنا فوق الأرض وتحت الأرض فنسأله أن يُتَمَ ستره علينا يوم العرض، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتي الكرام:
ما من أحدٍ يحب الدنيا إلا ولا يحب الموت، وما من أحدٍ زهد في الدنيا وأعرض عنها إلا أحبَّ لقاء الله، وتمنى الموت وفرح به، ولذلك إخوتي الكرام: إذا اتصف الإنسان بهذا المسلك على وجه التمام، عبد الله، واتبع رسول الله -ﷺ- وأخلص لله أعرض عن هذه الحياة، وتعلق بالحياة الباقية، تعلق بالدار الآخرة إذا -وجد فيه هذا- لا يفر من الموت إذا نزل به، ويموت على عز ويفرح به ولا يبالي إذا جاءه الموت على أي حال -ما دام مطيعًا لذي العزة والجلال-.
[ ٦٠ / ٣ ]
ثبت في صحيح البخاري، وسنن أبي داود، من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- أرسل بعثًا عينا أي ليتفقدوا أحوال المشركين، وليرصدوا أخبارهم، أرسل بعثًا (عينا)، وهذا البعث مؤلف من عشرة أشخاص من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت -﵃ أجمعين- فلما وصل هذا البعث في طريقه بين -مكة وعُسفان- خرج لهم بعض القبائل من العرب من قبيلة لحيان واستنفروا له في (مائة رامٍ) وقيل في مائتين، والروايتان في الصحيح، فتبعوا هذا البعث الذين هم عشرة فلما علم عاصم بن ثابت بالأمر أراد أن يحترز في فدفدٍ من الأرض أي في مرتفعٍ وأرضٍ خَشِنةٍ (صعبةٍ وعرةٍ)، لئلا يصل المشركون إليهم لكن المشركين وصلوا إلى ذلك الفدفدٍ ثم عرضوا على عاصم ومن معه الاستسلام، وقالوا لكم الأمان إذا استسلمتم ألا نقتل رجلًا منكم، فأما عاصم بن ثابت وهو أمير السرية فقال: ما كنت لأنزل في رعاية كافر - لا يمكن أن يرعاني كافر على الإطلاق، وأن أكون في ذمته، فقاتل بمن معه المشركين، فقتل في سبعة من أصحابه -﵃ أجمعين- وبقي من العشرة ثلاثة - خبيب بن عدي وزيد بن الدَثِنَّه ورجلٌ ثالث من الصحابة الكرام، فعرضوا عليهم الأمان مرة ثانية بعد أن قُتل عاصم في سبعة ممن معه عرضوا على هؤلاء الثلاثة الأمان فقبلوا الأمان، فلما استوثقوا منهم، وقبضوا عليهم فَك المشركون أوتار قسيهم وربطوا هؤلاء الصحابة الكرام بهذه الأوتار، وغدروا ونقضوا عهدهم فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم، ولا أمشي معكم فحاولوا معه فأبى فقتلوه، فَلَحِق الثامن بالسبعة الذين لحقوا بجوار ربهم، بقي خبيب بن عدي وزيد بن الدَثِنَّه -رضي الله عن الصحابة أجمعين-، فأخذوا خبيبًا وباعوه إلى أهل مكة إلى أولاد الحارث، وكان خبيب قد قتل الحارث في موقعة بدر فلما أُخذ خبيبٌ -﵁- وبقي عندهم أسيرًا في مكة تقول
[ ٦٠ / ٤ ]
امرأة من أهل ذلك البيت: كنت أرى عنقودًا من العنب كرأس الثور عند خبيب بن عدي يأكل منه ووالله ما في مكة حبة عنب، إنما ينزل عليه رزقٌ من السماء ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) فلما أجمعوا قتله وأخرجوه من الحرم إلى الحل إلى التنعيم ليقتلوه -سبحان الله- يريدون فتنته عن دينه ويريدون قتل مؤمن لأنه آمن بالله وبرسوله –ﷺ- ومع ذلك لا زالوا يعظمون الحرم، فأرادوا أن يُخرجوه من ساحة الحرم ليقتلوه في الحل، فطلب منهم أن يصلي ركعتين، وهو أول من سنَّ لمن يُقتل في سبيل الله صَبْرًا، -وقتل الصبر- أن يموت الإنسان في غير المعركة، أن يقبض عليه ثم بعد ذلك ينفذ فيه القتل إما عن طريق الصلب أو الشنق أو الرصاص أو السكين أو غير ذلك هذا يقال قتل الصبر - هو أول من سنَّ صلاة ركعتين لمن يُقتل صَبْراَ ثم قال: والله لولا أن تروا أن بي جزعٌ من الموت لزدت في الصلاة ثم التفت إلى المدينة المنورة كما في مغازي موسى بن عقبة وقال: اللهم بلغ رسولك مني السلام، فقال النبي -﵊- يقتل الآن خبيب ثم قال وعليك السلام يا خبيب -﵁ وأرضاه- وأنشد أبياته الجميلة الحلوة الرقيقة التي تدل على تعلق المؤمن بربه فقال:
ولستُ أُبَالي حين أُقْتَلُ مُسْلِمًا على أي جَنْبٍ كان في الله مَصْرِعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأْ يُبَارك على أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعٍ
ثم قتلوه -﵁ وأرضاه- ولا يقولن قائل -إخوتي الكرام- كيف أكرمه الله بعنقود من العنب، بقطف من عنب، ولم يكرمه بالسلامة من الأعداء؟، لو أراد الله أن يُسَلِّمَهُ لَسَلَّمَهُ وهو على كل شيءٍ قدير. لكن أراد أن يكتب له الظفر برتبة الشهادة.
_________________
(١) (١») سورة البقرة: ٢١٢، وسورة النور: ٣٨
[ ٦٠ / ٥ ]
وعاصم بن ثابت الذي قُتل وهو أمير السرية -﵁-، عاصم الذي قتل عندما أراد المشركون بعد قتله أن يأخذوا جسده وليمثلوا به ويكون دليلًا على أنهم قتلوه أرسل الله النحل (الدَبْر) لتحميه فصارت عليه كالظله، فما استطاع مشركٌ أن يقترب من بدنه، إذ حفظه الله كرامة له وكتب له الشهادة، كرامة أيضًا له ليزيد في أجره عندما يلقى ربه -﷾-، الشاهد إخوتي الكرام: أن المؤمن عندما يُعرِض عن الدنيا ويُقبل على الآخرة لا يبالي على أي جنبٍ كان في الله مصرعه، وهذا أوان لقاء الحبيب ولا أفلح من نَدِم، وإذا جاء الموتُ الرجلَ الصالح يقول: مرحبًا بحبيبٍ جاء على فاقة غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه -عليه صلوات الله وسلامه-، ولما قيل لخبيب -﵁- عند قتله هل يسرك أن محمدًا ﵊ مكانك وأنت في بيتك مع أهلك آمن؟ قال: يا قوم والله ما يسرني أن يَفْدِيَني محمدٌ ﵊ بشوكة في قدمه، لو أوشيك بشوكة في قدمه لكان أصعب علي من قتلي، أُقتل ويسلم رسول الله –ﷺ-.
إذًا -إخوتي الكرام- الموتُ تحفة المؤمنين، وإذا أخلص الإنسان لله وآمن به واتبع رسوله –ﷺ- سيفرح بالموت ويتطلع إليه ويشتاق إليه وسيكون الموت حبيبًا له.
إخوتي الكرام: قررت هذا بأدلة كثيرة وبينت أن ما ورد من أدلة تبين أن المؤمن يكره الموت وينفر منه، فقلت: إن هذه النفرة نفرة طبيعيةٌ جبليةٌ غريزيةٌ والمؤمن يحب الموت حبًا اختياريًا شرعيا، وهذا الحب يظهر على وجه التمام والكمال كما تقدم معنا عند السياق والاحتضار عندما يبشر بلقاء العزيز الغفار فيحب لقاء الله فيحب الله لقائه.
[ ٦٠ / ٦ ]
والأحاديث التي دلت على أن المؤمن ينفر من الموت وطبيعته تكرهه ولا تميل إليه قلت: الحديث الثاني الذي رواه الإمام البخاري وغيره -عليهم جميعًا رحمة الله- عن أبي هريرة -﵁- أن النبي –ﷺ- قال: قال الله تعالى: [من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعْطِيَنَّهُ ولئن استعاذ بي لأُعِيِذَنَّهُ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه] يكره الموت كراهة طبيعية جبلية، ويحبه محبة اختياريةً شرعيةً، ويظهر هذا على التمام عند الاحتضار والسياق.
تقدم معنا -إخوتي الكرام- شرح الجملة الأولى [من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب] وكنا في شرح الجملتين التاليتين للجملة الأولى [وما تقرب إلىَّ عبدي بشيء أحبَّ إلىَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه] وهاتان الجملتان هذان الأمران حولهما عدة مباحث.
تدارسنا ثلاثة مباحث في الموعظة الماضية:
فيما يتعلق بقول الله جل وعلا: [وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إلىَّ مما افترضته عليه] فقلت: إن الطاعات تتفاوت في الدرجات.
والمبحث الثاني: أفضل الطاعات الواجبات المفروضات.
والمبحث الثالث: أفضل الواجبات المفروضات توحيد رب الأرض والسماوات، هذه الأمور الثلاثة -مر الكلام عليها-.
[ ٦٠ / ٧ ]
وسأتبعها بثلاثة أخرى لازالت المباحث تتعلق بالطاعات التي تدخل في هذه الجملة [وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إلىَّ ممَّا افترضْته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه]، أما ما يتعلق بمحبة الله لعبده، وما يترتب على هذه المحبة من آثار فتحت ذلك مبحث طويل جليل جميل يأتي في المواعظ الآتية إن أحيانًا ربنا الجليل، إنما في هذه الموعظة سندارس ثلاثة أمور تتعلق بالطاعات أيضًا نكمل بها المباحث الثلاثة المتقدمة، فيصبح مجموع المباحث معنا ستةُ فيما يتعلق بالطاعات.
المبحث الأول الذي سنتدارسه: الطاعةُ المتعدية أعظمُ أجرًا عند الله من الطاعة القاصرة.
والأمر الثاني: فعل المأمور أعظم أجرًا من ترك المحظور، كما أن ترك المأمور أشنع وأخبث وأبشع من فعل المحظور، وأقرر هذا بالأدلة والبيان -إن شاء الله-.
والأمر الثالث: الصلة بين النوافل والفرائض.
أما المبحث الأول:
وهو أن الطاعة المتعدية أفضل من الطاعة القاصرة.
إخوتي الكرام: يراد بالطاعة المتعدية ما يصل أثرها إلى عباد الله -جل وعلا-، ما يصل نفعُها خيرُها إلى عباد الله - ويراد بالطاعة القاصرة ما بينك وبين ربك -جل وعلا-، فالطاعة المتعدية التي يصل نفعها إلى العباد أعظم أجرًا من الطاعة القاصرة التي بينك وبين ربك -جل وعلا-، وقد وضح هذا نبينا –ﷺ- في أحاديثه الكثيرة.
[ ٦٠ / ٨ ]
ثبت في الصحيحين، والحديث في سنن الترمذي، والنسائي، وإذا كان في الصحيحين فهو في أعلى درجات الصحة، عن أبي هريرة -﵁- أن رجلًا قال للنبي –ﷺ-[يا رسول الله أي الأعمال أحب عند الله -جل وعلا-؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله]-﵊- وتقدم معنا قلنا هذا هو أعظم الأركان منزلة عند الله، شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -﵊-، وقبول كل عمل وكل طاعة متوقفٌ على تحقيق هذا الركن فهذا أفضل الشعب، [الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق] كما تقدم معنا -إخوتي الكرام-.
[أيُّ العمل أفضل عند الله؟ إيمان بالله ورسوله -﵊-: قلت هذا السائل: ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله، قلت ثم ماذا؟ قال: الحج المبرور]، قدم النبي –ﷺ- في هذا الحديث الجهاد في سبيل الله على الحج المبرور في المنزلة والأجر لأن الجهاد طاعة متعدية يصل نفعها إليك، وإلى عباد الله المسلمين، فتدفع عنهم ضُر الكافرين، وتجعلهم في حرزٍ مكينٍ أمين.
[ ٦٠ / ٩ ]
فإذًا (الجهاد طاعة متعديةٌ) (والحج طاعة قاصرةٌ)، فالجهاد أجره أعظم من أجر الحج المبرور، إذا تعين الجهاد عليك، فهو فرضٌ أفضل من الحج إذا تعين عليك، وإذا لم يتعين الجهاد، عليك، فهو نافلة فهو أفضل من حجٍ نافلةٍ، فرض الجهاد أفضل من فرض الحج، ونافلة الجهاد أفضل من نافلة الحج، وهكذا الصيام، ولذلك شرع للمجاهد أن يفطر في رمضان وإن كان مقيمًا في بلده، وقد أفتى بهذا شيخ الإسلام الإمام ابن تيمة -عليه رحمة الله- عندما كان في دمشق وغزا جيش التتار بلدة دمشق فأفطر في رمضان، وأمر المسلمين بالفطر ليتقوْوا على قتال الأعداء، قال الإمام ابن القيم: -عليه رحمة الله- في كتابه (بدائع الفوائد) ناقلًا هذا عن شيخه، بأنه: أفتى بالفطر وأفطر، قال الإمام ابن القيم: وهذا من باب قياس الأولى، فإذا شرع للمرأة المرضع الفطر وشرع للحامل أن تفطر خشية على الولدين بالنسبة للمرضع والحامل فمن باب أولى يفطر المجاهد في سبيل الله، يفطر شهر رمضان ليتقوى على قتال أولياء الشيطان.
إذًا الطاعة المتعدية أجرها أعظم من الطاعة القاصرة، وقد بين لنا نبينا –ﷺ- أن الجهاد ذِرْوة سنام الإسلام، وذروة الشيء أعلاه، أعلى شيء في الإسلام الجهاد في سبيل الرحمن، ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد.
[ ٦٠ / ١٠ ]
والحديث رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى وإسناد الحديث صحيح كالشمس عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كنا مع النبي –ﷺ- في سفرٍ فلما اقتربت منه قلت: يا رسول الله –ﷺ- دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار: فقال النبي -﵊-: يا معاذ لقد سألت عن عظيم وإنه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه] نسأل الله أن ييسر لنا فعل الطاعات وترك المخالفات إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين [لقد سألت عن عظيم وإنه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجُ البيت] ثم قال له النبي -﵊ -: [يا معاذ ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت بلى يا رسول الله –ﷺ-: فقال النبي –ﷺ-[الصوم جنة] وقاية لك من كل مكروهٍ ومن الخطايا والذنوب [الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل] في بعض نسخ الترمذي [وصلاة الرجل في جوف الليل شعارُ الصالحين، ثم تلا النبي –ﷺ- ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) .
_________________
(١) (١») سورة السجدة: ١٥ – ١٧
[ ٦٠ / ١١ ]
ثم قال النبي ﵊ يا معاذ ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله –ﷺ-: قال رأس الأمر الإسلام] وهو أن تسلم لله -جل وعلا- وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﵊ هذا رأس الأمر وأعلى الطاعات وأفضل القربات [رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال النبي –ﷺ- يا معاذ ألا أخبرك بِمَلاك (بكسر الميم وفتحها): وهو ما يملك عليك الأمر ويجعلك تحافظ على جميع شعائر الإسلام وخصال الإيمان [ألا أخبرك بملاك ذلك؟ قلت بلى يا رسول الله –ﷺ- فأخذ بلسانه وقال كفَّ عليك هذا: قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به: قال ثكلتك أمك (كلمةٌ يقصد منها التعجب والاستغراب ولا يراد منها حقيقتها) [وهل يكب الناس في النار على وجوههم] أو قال [على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم] .
الشاهد إخوتي الكرام: ذروة سنامه الجهاد، طاعة متعدية، وهناك أي العمل أفضل عند الله؟ إيمان بالله ورسوله، ثم ماذا؟ الجهاد في سبيل الله، ثم ماذا؟ الحج المبرور، وقد أخبرنا نبينا –ﷺ- أن الطاعة المتعدية أعظم بكثير من الطاعة القاصرة.
استمعوا لهذا الحديث الذي يحثنا على مساعدة بعضنا بعضا، ثبت في معجم الطبراني، والأوسط، وقال عنه الإمام الهيثمي في المجمع: إسناده جيد.
[ ٦٠ / ١٢ ]
والحديث رواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره عليه الذهبي، والحديث رواه البيهقي أيضًا في السنن ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن ابن عباس -﵄- أنه كان معتكفًا في مسجد النبي –ﷺ-] والاعتكاف طاعةٌ قاصرةٌ بين الإنسان وبين ربه -جل وعلا-، [فجاء بعض الصحابة الكرام بعض الحاضرين جلس بجوار ابن عباس وعليه أثر الحزن والكآبة فقال له ابن عباس -﵄-: ما لي أراك كئيبًا حزينا؟ فقال لفلانٍ عليَّ حقُ ولاءٍ] ولعله والعلم عند الله أنه كان رقيقًا فطلب من سيده أن يُعتقه مقابل مالٍ فيريد أن يدفع له أقساط الكتابة مقابل تحرير رقبته، [وليس عندي ما أعطيه] له عليَّ حقُ ولاءٍ: أي لأجل أن يحررني وليس عندي ما أعطيه، ولذلك عليه أثر الحزن والكآبة، [فقال ابن عباس -﵄- ألا أكلمه فيك؟] أي من أجلك، ليسامحك ليعفو عنك ليسقط عنك ليتجاوز تريد أن أكلمه [قال: إن شئت] يقول هذا الرجل [فانتعل ابن عباس -﵄-] أي لبس نعليه وأراد أن يخرج من المسجد [فقلت له أنسيت ما أنت فيه؟] أنت معتكف في مسجد النبي -﵊-[قال: ما نسيت، لكن حدثني صاحب هذا القبر -عليه صلوات الله وسلامه- والعهد به قريب]: أي قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى -عليه صلوات الله وسلامه- أنه قال: [من مشى في حاجة أخيه كان خيرًا من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أعظم مما ما بين الخافقين] فعشر سنين كم فيها إذًا من الخنادق اليوم الواحد ثلاثة خنادق أعظم مما ما بين الخافقين، إذا اعتكفت لله يومًا واحدًا يجعل بينك وبين النار ثلاثة خنادق أعظم مما بين المشرق والمغرب مما بين هذه المسافة، وأعظم مما بين السماء والأرض، ومن مشيَ في حاجة أخيه ليقضيها له ليس له أجر من اعتكف عشر سنين، إنما خيرًا من اعتكاف عشر سنين، واعتكاف اليوم له هذا الأجر العظيم
[ ٦٠ / ١٣ ]
عن رب العالمين.
ووجه ذلك: أن الاعتكاف طاعةٌ قاصرةٌ بينك وبين ربك -جل وعلا-، وأما هنا طاعةٌ متعديةٌ، وأحب العباد إلى الله أنفعهم لعباده، فهذا يمشي في حاجة أخيه، فترك اعتكافه وخرج من أجل أن يكلم صاحب الحق من أجل أن يتجاوز أو يَؤَخّر أو يسامح هذا الإنسان، واستدل بهذا الحديث الثابت عن نبينا -﵊- والحديث في معجم الطبراني، والأوسط، وهو في المجمع، والمستدرك، وسنن البيهقي، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن ابن عباسٍ -﵄-.
إذًا الطاعة المتعدية أعظم أثرًا ومنزلةً عند الله من الطاعة القاصرة.
يلتحق بهذا أمران أحب أن أنبه عليهما قبل أن أنتقل إلى الأمر الثاني، وهو أن فعل المأمور أعظم منزلةً من ترك المحظور.
الأمر الأول: الذي يلتحق بالطاعة المتعدية، وهي أفضل من الطاعة القاصرة ويغفلُ عنه كثير من الناس ويظنونه أنه أمرٌ عادي- النكاح: النكاح طاعة متعدية ليس بينك وبين ربك، بينك وبين العباد: بينك وبين زوجك، أولاد، بينك وبين من تصاهرهم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (١) في النكاح من الأجر ما لا يخطر ببال أحدٍ من الخلق إذا فعل هذا على حسب شريعة الرب -جل وعلا-.
_________________
(١) (١») سورة الفرقان: ٥٤
[ ٦٠ / ١٤ ]
وتقدم معنا كلام ابن الجوزي في تلبيس إبليس وحددت لكم رقم الصفحة ٢٩٧ يقول رُبَّ جماعٍ خيرٌ من عبادة ألف سنة، ما وجه ذلك؟ طاعة متعدية، بهذا الجماع خرج ولدٌ كالإمام أحمد، كأبي حنيفة، كالإمام الشافعي، كصلاح الدين، صار إنقاذ الأمة الإسلامية وهدايتها على يديه: هذا أمرٌ عظيم، رب جماعٍ خيرٌ من عبادة ألف سنة، ورحمة الله على فقهاء الحنفية عندما قرروا في كتبهم وانظروا هذا في فتح القدير للكمال بن الهمام ٣/١٨٤، يقول: النكاح إذا لم يكن واجبًا، أما محل الوجوب هذا متفقٌ عليه أنه صار فرضًا ينبغي أن يقوم به الإنسان، وهو إذا تاقت نفس الإنسان إليه ووجد المؤنة وخشي على نفسه من الوقوع في المحظور وهو الزنى: النكاح عليه فرضٌ إذا تركه في هذه الحال مع القدرة عليه آثمٌ عاصٍ لله ولرسوله ﵊، هذا بلا خلافٌ بين أئمتنا، هل محل إجماع.
[ ٦٠ / ١٥ ]
الحالة الأولى: وجد الأهبة، ونفسه مشتاقةٌ، وخشيَ من الوقوع في الزنى النكاح فرض، إنما وجد الأهبة ونفسه تشتاق، ويأمن على نفسه من الوقوع في الزنى يقول أبدًا لو جاء نساء الدنيا بأسرهن إليَّ وراودنني لأعرض عنهن ولا نظرت لواحدة منهن، قلبي لا يتعلق بغير ربي، نعم نفسي تميل إليها عن طريق الحلال، لا عن طريق الحرام، فهو يأمن على نفسه من المحظور، فالنكاح في هذه الحالة الثانية عند الحنفية سنةً مؤكدة، أفضل من التعلم والتعليم، بل أفضل من الجهاد في سبيل رب العالمين، قالوا لو تزوج في هذه الحالة أفضل من أن يجاهد لم؟ قالوا ذاك طاعة متعدية، وهذا طاعة متعدية، لكن التعدي في النكاح أعظم، كيف هذا؟ انظروا لهذا التعليل وهذا الفقه الذي يستنبطه فقيهٌ الملة أبو حنيفة النعمان بن ثابت -﵀ ورضي عنه- يقول: الإنسان إذا جاهد يحافظ على الصفة، وإذا تزوج يحافظ على الصفة والموصوف، وطاعةٌ تحافظ بها على الصفة والموصوف أعظم من طاعةٍ تحافظ بها على الصفة، ما معنى ذلك؟ أنت عندما تقاتل في سبيل الله تحافظ على عز الإسلام وبقاء الإسلام لئلا يندرس دين الرحمن، لئلا يقضيَ الكافرون على شرائع الإسلام فحافظت على الإسلام أي على هذه الصفة، لكن إذا تزوجت أنجبت مثله وحافظت على دين رب العالمين، أوجدت موصوفًا وصفةً، الإسلام فيهم وهم مسلمون، أما القتال لا يلزم منه إيمان من تقاتلهم، وإذا قاتلت أهل الذمة ورضوا أن يدخلوا في عهدك على أن يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ليس لك حقٌ بعد ذلك أن تكرههم على الدخول في الإسلام، وقد تقتلهم ويموتون على الكفر، فإذًا لا يلزم من الجهاد أن يسلم من تقاتلهم، لا يلزم، قال أئمتنا: ولو قدر إسلام من قاتل وهم بجهادنا، فعدد من يُسلم بجهادنا قليل، قليل بالنسبة لعدد من يحصل بتزاوجنا ونكاحنا، فواقع الأمر كذلك، يعني أفراد الأمة كثروا بسبب التناكح أو بسبب الجهاد في سبيل الله؟ بسبب التناكح، إذًا الزواج.
[ ٦٠ / ١٦ ]
فقال الحنفية عليهم رحمة الله إذا لم يكن الجهاد فرضًا واجبًا في الحالة الثانية هو أفضل من التعلم والتعليم، وأفضل من الجهاد في سبيل رب العالمين، لما؟ أنت بالنكاح تحافظ على الموصوف والصفة، وأما في الجهاد فتحافظ على الصفة، وقد يوجد الموصوف قليل، أي المسلم قد لا يوجد، وأما النكاح مضمون، تزوج مثلًا زوجة أو أربعة زوجات، وواحدة أنجبت عشرًا، والأربعة أربعون، فولد له أربعون ولد، كلهم مسلمون يوحدون الحي القيوم كم لك من الأجر عند الله -جل وعلا-؟ أجل ولو يخطر ببالك رُبَّ جماعٍ خيرٌ من عبادة ألف سنةٍ، وهذا ما قرره الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في بدائع الفوائد ومال إلى رأي الحنفية٠ فقال: النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة، ومما يروى في ترجمة العبد الصالح الأواه الإمام المبجل أحمد بن حنبل -عليه رحمة الله- أنه ذكر النكاح يومًا وحث عليه، فقال له تلميذه وصاحبه الذي تقدم معنا أبو بكر المروزي، يا إمام يذكرون عن إبراهيم بن أدهم، يعني أنه ما تزوج يريد أن يكمل الكلام، يقول: فصاح بي الإمام أحمد فقال: جئتنا ببنيات الطريق: أي بالطرق المتعرجة من الطريق العام إذا سلكتها وصلت إلى الهلاك والمهلكة، جئتنا ببنيات الطريق؟ أنظر -عافاك الله- ما كان عليه رسول الله –ﷺ- وأصحابه فافعله، أما بشر الحافي، أما إبراهيم بن أدهم، أما ابن تيمية، أما الإمام النووي، أئمة أعلام، أئمة هدىً كونهم تركوا النكاح لعذرٍ عندهم يُسقط اللوم لا يوجب فضيلة، وشتان بين سقوط اللوم وبين أن نقول: إنه فضيلة، تركوا النكاح إما خشية عدم حصول القوت الحلال، خشية الاشتغال بالعيال عن رتبة الكمال، خشية عدم القيام بالحقوق الزوجية، اعتبارات كل هذه أعذار تسقط عنهم اللوم، ليس ما فعله يعتبر قدوة لنا فيه وينبغي أن نقتديَ بالإمام النووي، أو ابن تيمية، أو بشر الحافي، أو إبراهيم بن أدهم، لا نقتدي إلا بسيد الخلق -عليه صلوات الله وسلامه-،
[ ٦٠ / ١٧ ]
النكاح من سنته، ومن رغب عن سنته فليس منه كما أخبر النبي –ﷺ- والحديث في الصحيحين [من رغب عن سنتي فليس مني] ومن سنته -﵊- هذا، فغايتنا عند هؤلاء الأئمة غايتنا عندهم كما قلت: أعذار يسقط بها اللوم عنهم، ولا يقتدى بهم في ذلك.
إذًا -إخوتي الكرام-: النكاح له هذه المنزلة، ولذلك قال الإمام أحمد ع-ليه رحمة الله- لو تزوج بشرٌ الحافي لتمَّ أمره، بشر الذي تقدم معنا حاله، وهو من العلماء الربانيين، لو تزوج لتمَّ أمره، وكان بشرٌ يعترف بهذا يقول: فُضِّل عليَّ الإمام أحمد بثلاث، الأولى: طلب الحلال لنفسه ولعياله وأنا طلبته لنفسي فقط، والثاني: نصب إمامًا للعامة، وأما أنا فإمام نفسي، والثالثة: اتسع في النكاح فتزوج وتسرى وأما أنا قصرت فيه، الإمام أحمد فضل عليَّ بهذه الأمور الثلاثة، يقول الإمام أحمد: لو تزوج بشرٌ الحافي لتمَّ أمره وبعد أن توفي بشرٌ الحافي -عليه رحمة الله- رؤيَ في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي ورحمني وأشرف بي على منازل الأنبياء، وقال لي: يا بشر، ما كنت أحب أن تلقاني وأنت عزبٌ، قيل له: فماذا فعل أبو نصر التمَّار؟ وتوفي بعد بشر الحافي سنة ٢٢٨هـ عليهم رحمة الله. قال: رفعه الله فوقي بسبعين درجةٍ، قالوا سبحان الله كنا نرى أنك أفضل منه وأعلا؟ قال بصبره على بناته.
[ ٦٠ / ١٨ ]
هذا عنده بنات فكان يصبر على لأوائهن وشدائدهن، والقيام عليهن رفعه الله فوقي بسبعين درجة، إذًا الطاعة متعديةٌ فأجرها أعظم من الطاعة المتعدية التي تتعدى كثيرا، ومن بابٍ أولى أجرها أعظم من الطاعة القاصرة من التخلي لنوافل العبادة، وما يقال في الواحدة يقال في الثانية، والثالثة والرابعة، وقد بوب الإمام البخاري في كتاب النكاح بابًا يشير به إلى هذا فقال: باب كثرة النساء، ثم ساق بسنده إلى ابن عباس -﵄- أنه قال لتلميذه سعيد بن جبير (هل تزوجت؟ فقال: لا، فقال: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرهُم نساء) يعني -النبي ﵊- وما اختار له إلا أكمل الأحوال، وأكمل الأحوال من أمته من يكون عنده أربع، ثم الثلاث، ثم الثنيتين، ثم الواحدة، والواحدة حالة ضرورة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) (خير هذه الأمة أكثرهم نساء)، في ذلك مصالح عظيمةٌ، ستر النساء المسلمات بعد رباط قوي بين الأمة الإسلامية عن طريق المصاهرة، ولذلك قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر: إذا عدد الإنسان الزوجات وأراد من التعدد إنجاب الأولاد (انتبه) يقول: هذا هو الغاية في التعبد، وإذا عدد الزوجات وأراد التلذذ فمباح، يندرج تحته من التعبد ما لا يحصى، من إعفاف نفسه وإعفاف زوجه وحسن عشرته لهن، و، و، تعبد كثير يأتي تبعًا، إن قصد التلذذ مباح تحته من التعبد ما لا يحصى، وإن قصد إنجاب الأولاد فهذا هو الغاية في التعبد.
فإخوتي الكرام: النكاح طاعة متعدية فينبغي أن ننظر إلى هذه الشعيرة منزلتها الشرعية التي هي يعني فيه في شريعة الله -جل وعلا- المطهرة.
_________________
(١) (١») سورة النساء: ٣
[ ٦٠ / ١٩ ]
قال الإمام ابن تيمية -عليه رحمة الله-: ولا ينبغي للإنسان أن يترك النكاح معللًا بأنه مقيمٌ على العبادة وأنه زاهدٌ في الدنيا، يقول: فما من عبادة فعلها ينفع في الآخرة، ومعنى الزهد ترك ما يضر في الآخرة، والنكاح لا يضر في الآخرة، وهو نافع في الآخرة ففعله عبادة، وليس الزهد في ترك النكاح، فليس الزهد في ترك النكاح فمن زهد فيه ليس بزاهد، إنما هو فعل ما يضر نفسه وأعرض عما ينفعه، النكاح طاعة متعدية.
والأمر الثاني: الذي سأؤنبه عليه، عبادة الذكر ويستشكلها كثير من الناس، هذه العبادة التي فُضٌلت يعني على كثير من الطاعات واستشكلها بعض الناس فقالوا: هذه العبادة كيف فضلت كثيرًا من الطاعات، واقع الأمر أنها هذه العبادة كعبادة النكاح تسببت في طاعات كثيرة سأتكلم على عبادة الذكر على وجه الاختصار، ثم أتكلم على الأمر الثاني هو فعل المأمور أعظم أثرًا من ترك المحظور، ثم على الأمر الثالث هو الصلة بين الفرائض والنوافل في الموعظة الآتية إن أحيانا الله.
استأذنكم الآن وأسأل الله -جل وعلا- أن يجمعنا في هذه الدنيا على طاعته وفي الآخرة في دار كرامته وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
[ ٦٠ / ٢٠ ]