الموعظة السابعة
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بسم الله الرحمن الرحيم
الموعظة السابعة
شروط خروج المرأة إلى بيت الله
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطًا مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض، لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينًا عميا، وآذانًا صُما، وقلوبًا غلفا، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيًا عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما﴾ .
أما بعد: معشر الاخوة المؤمنين..
[ ٦٢ / ١ ]
إن أفضل البقاع وأحبَّها إلى الله -جل وعلا-المساجد، فهي بيوته وفيها هداه ونوره، يأوي إليها الموحدون الطيبون، ويجتمع فيها المسلمون المؤمنون، ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ .
عباد الله: وفي قول الله -جل وعلا- ﴿رجال﴾ دلالتان معتبرتان:
الدِلالة الأولى: هؤلاء الرجال هم العقلاء المهتدون الذين يتصفون بكل خلقٍ كريم، ومن عداهم سفيهٌ سفيهٌ في عداد المجانين.
والدِلالة الثانية: هؤلاء الرجال هم ذكور، فعليهم فرضت الجمعة والجماعة، والنساء لسن كذلك في هذا الحكم.
إخوتي الكرام:
والدلالة الثانية تدارسناها في الموعظة السابقة، وبينتُ أن الله -جل وعلا- أوجب الجمعة والجماعة على الرجال، والنساء لسن كذلك في هذا الحكم. وغاية ما في شأنهنَّ أنه يجوز لهنَّ الحضور إلى بيت الله وصلاتهنَّ في بيتهنَّ خيرٌ لهنَّ، نعم إنَّ حضورهنَّ جائزٌ، لا سيما إذا كان في حضورهنَّ مصلحةٌ في تعلمهنَّ وشهود مواسم الخير والبركة من اجتماع المسلمين وتناصح الأخوات فيما بينهنَّ في الدين.
إخوتي الكرام:
وآخر ما تكلمت به في الموعظة السابقة أن النبي –ﷺ- رخص للنساء في حضور المساجد، وأمرنا أن نأذن لهنَّ إذا طلبن الإذن منا، والحديث وارد في المسند، والكتب الستة، باستثناء سنن النسائي من رواية عبد الله بن عمر -﵄- أن النبي –ﷺ- قال: [لا تمنعوا إماء الله بيوت الله] إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن.
[ ٦٢ / ٢ ]
وفي بعض روايات الإمام البخاري كانت زوجة عمر -﵂ وعن زوجها وعن الصحابة أجمعين- تشهد الصلوات في المسجد [فقيل لها: كيف تخرجين إلى أداء الصلاة في المسجد وعمر يكره خروجك ويغار؟ فقالت: ما باله لا ينهاني، والله لا أنتهي حتى ينهاني، فقيل لها كيف ينهاك؟ وقد قال رسول الله –ﷺ- لا تمنعوا إماء الله بيوت الله] . والقائل لها هو عمر -﵁- كما ورد ذلك في مصنف عبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ عن الزهري لكنه مرسل ووصله الإمام أحمد في المسند أن عمر قال لزوجته وهي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، أخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم أجمعين، [قال لها عمر كيف تخرجين إلى المسجد وأنا أكره خروجك وأغار؟ قالت ما بالك لا تنهاني؟ قال كيف لا أنهاك وقد قال رسول الله –ﷺ-: لا تمنعوا إماء الله بيوت الله، قالت والله لا أنتهي حتى تنهاني] .
وإنما ورد في رواية البخاري "فقيل لها" والقائل هو عمر، من باب التجريد أو من باب الالتفات كما هو مقررٌ في علم البلاغة.
إخوتي الكرام: وعاتكة زوجة عمر كانت تصلي الصلوات في عهد النبي ﵊ وفي عهد أبي بكر وفي عهد عمر -﵃ أجمعين- في المسجد حتى أن زوجها عمر -﵄ وأرضاه- عندما طُعِنَ في صلاة الفجر كانت حاضرةً في المسجد تصلي مع المسلمين.
نعم لا يستطيع أحدٌ أن يمنع النساء من حقهنَّ في الذهاب إلى بيوت رب الأرض والسماء، وقد ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة والحديث في موطأ الإمام مالك وهو في أعلى درجات الصحة عن أمَّنا عائشة -﵂- قالت:
[ ٦٢ / ٣ ]
[كان نساءٌ يشهدن الصلاة مع النبي –ﷺ- فيحضرن صلاة الفجر ثم يعدن إلى بيوتهنَّ إذا انتهت الصلاة وهنَّ متلفعاتٍ مروطهنَّ ما يعرفن من الغلس] وفي بعض روايات الإمام البخاري [لا يعرف بعضهنَّ بعضا] فاجتمع ساتران وحاجزان في النساء اللاتي يشهدن صلاة الفجر مع النبي –ﷺ-
الساتر الأول والحاجز الأول: التلفع بالمروط والتستر من جميع الجهات، والثاني: ساتر الغلس وهو الظلمة فلا يُرى من المرأة إلا شبحها، لا يُعلم هل هي امرأة أو رجل، والمرأة عندما تكون المرأة بجوارها أيضا لا تميزها هل هي زينب أو فاطمة فلا يعرف بعضهنَّ بعضا ولا يعرفهنَّ الناظر إذا نظر إليهنَّ هل هنَّ رجالٌ أو هنَّ نساءٌ من الظلمة، ثم بعد ذلك من هذا التستر متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس.
إخوتي الكرام:
والمرأة إذا أرادت أن تخرج إلى بيوت الرحمن لتشهد الخير ولتتعلم الخير فينبغي عليها أن تتأدب بآداب الإسلام، وهذه الآداب كثيرة وفيرة سأوجزها في خمسة آدابٍ إن شاء الله.
؟ أدبٌ في لباسها.
؟ وأدبٌ في طيبها.
؟ وأدبٌ في مشيتها في طريقها.
؟ وأدبٌ في دخولها المسجد.
؟ وأدبٌ في أداء صلاتها في بيت ربها.
١. أما اللباس وهو أول ما ينبغي أن تعتنيَ به المرأة إذا أرادت أن تخرج من بيتها لبيت الله أو إلى غير ذلك، يجب أن يكون لباسها حاويًا لستة شروط، إذا خالفت شرطًا من ذلك فهي عاصيةٌ آثمةٌ، وكل من يقرها على ذلك من زوجٍ أو محرم، فهو عاصٍ آثمٍ.
تعلَّموُا هذا إخوتي الكرام وبلغوه للنساء من الزوجات ومن المحارم، فكل واحدٍ منَّا لا يخلوا من صلة بامرأةٍ، إما زوجة أو محرم من أمٍ أو بنتٍ أو أختٍ أو غير ذلك، أول هذه الأمور التي ينبغي أن تكون في لباس المرأة:
[ ٦٢ / ٤ ]
أن يكون هذا اللباس ساترًا لجميع بدن المرأة من رأسها إلى قدميها، فالمرأة عورة، كما تقدم هذا في الموعظة السابقة من كلام نبينا –ﷺ-، وإذا كانت عورةً، فينبغي أن تستر هذه العورة، وعندما نزلت آية الحجاب ﴿يا أيها النبي قل لأزوجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيما﴾ تقول أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق -﵂ وعن أبيها- وعن سائر الصحابة الكرام، [يرحم الله النساء المهاجرات الأُول عندما نزلت آية الحجاب عمدن إلى أكثف مروطهن إلى أكنف مروطهن] (بالثاء وبالنون) إلى أكثف: إلى أغلظ وأسمك، إلى أكنف: إلى أستر لباس عندهنَّ، ومنه الكنيف الذي يستر ما وراءه، إلى أكثف مروطهن إلى أكنف مروطهن، والمرِط كساء من خزٍ أو حريرٍ أو غير ذلك تأتزر به المرأة، وقد تضعه على رأسها لتستر به جسمها وبدنها، عمدن إلى أكثف مروطهن: جمع مرط، [فاختمرن بها فخرجن كأنَّ على رؤوسهنَّ الغربان] فاختمرن بها فخرجن كأنَّ على رؤوسهنَّ الغِربان، وهذا الخمار الذي اختمر به نساء الصحابة الأبرار -رضوان الله عليهم أجمعين- حالته كما قال العزيز الغفار ﴿وليضربن بخمورهن على جيوبهنَّ﴾ كانت المرأة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا وضعت الخمار على رأسها ترده وراء ظهرها فيبدوا وجهها ويبدوا بعد ذلك فتحةُ الجيب وهو العنق فأُمرت أن تُرخيَ الخمار من رأسها على وجهها وعلى فتحة عنقها: أي أن تلقي الخمار من أمامها من أجل أن يُستر الوجه ومن أجل أن تستر فتحة الرقبة والنحر، ﴿قل لأزوجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنَّ من جلابيبهن﴾ والله يقول في سورة النور:
﴿وليضربن بخمورهنَّ على جيوبهنَّ﴾ تلقي هذا الخمار من فوق رأسها من الجهة إلى الجهة الأمامية بحيث يستر الوجه وتستر فتحة الثياب التي محلها الرقبة.
[ ٦٢ / ٥ ]
﴿وليضربن بخمرهنَّ على جيوبهنَّ﴾ وهذا الأثر الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، وأبو داود عن أمَّنا عائشة -﵂- هو وصف النساء المهاجرات، فما وصف نساء الأنصار؟ هنَّ كذلك وهذا هو وصف نساء المؤمنين من مهاجرات وأنصار ومن يأتي بعدهنَّ إلى يوم الدين.
تقول أمُّنا عائشة -﵂- وهو في المستدرك وتفسير ابن أبي حاتم وإسناد الأثر صحيح [أن صفية -رضي الله عن أمَّهاتنا أجمعين- أثنت على نساء المهاجرين أمام أمَّنا عائشة فقالت -﵂-: في نساء المهاجرين خير،] في نساء قريش خير ولكن والله ما رأيت مثل نساء الأنصار أشدَّ إيمانًا بالله وأشدَّ تصديقًا لما نزل قول الله: ﴿وليضربن بخمورهنَّ على جيوبهنَّ﴾ انقلب رجال الأنصار إلى نسائهم يتلون عليهنَّ هذه الآية، فوالله ما هو إلا أن قامت كل امرأةٍ إلى أكثف مُرِطْها] أي هذا الذي يأتزر به ويلبس [فشقته فاختمرت به فخرجن وهنَّ معتجرات] أي كل واحدة تَلُفُّ رأسها بهذا الثياب الثخين تعتجر به وتستر به بدنها وجسمها ووجهها، [فخرجن وهنَّ معتجرات كأنَّ على رؤوسهنَّ الغِربان من الأكثية] .
إخوتي الكرام: فهذا الأمر لابد من ملاحظته عند خروج المرأةَ من بيتها إلى بيت ربها أو إلى غير ذلك من البيوت (ستر جميع البدن)، وما يترخص به بعض الناس في هذه الأيام من كشف الوجه بتعللات باطلة فكل هذا مردودٌ مردود، وإليكم إخوتي الكرام بعض الآثار التي تبين شيمة النساء الصالحات وكيفية حجابهنَّ في العصر الأول وعليه تسير كلُّ امرأة صالحةٍ إلى قيام الساعة.
[ ٦٢ / ٦ ]
ثبت في سنن أبي داود وسنن ابن ماجه والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن الإمام البيهقي عن أمَّنا عائشة ﵂ قالت [كنا مع رسول الله - ﷺ - في الحج ونحن محرمات فإذا حاذان الركبانا: أي صار الرجال بجوارنا واقتربوا منَّا، سدلنا على وجوهنا فإذا جاوزونا كشفنا وجوهنا] فالنساء مع بعضهنَّ وهنَّ محرمات يكشفن وجوههنَّ، وإذا اقترب رجل منهنَّ سدلت وأرخت هذا الخمار من رأسها على وجهها، والمرأة عندما تُحرِم لا يجوز لها أن تلبس البرقع الذي يحيط بالوجه ويلتصق به لكنه يجب عليها أن تغطيَ وجهها بشيءٍ تُسدله وتُنَزِّله من رأسها على وجهها إذا اقترب رجلٌ منها وأمكن أن يراها، وهذا فِعُلُ مَنْ؟ فعل أمِّنا عائشة ﵂ مع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وهو فعل النساء الصالحات مع الصحابة الكرام، وهذا الأثر يشهد له أثران ثابتان صحيحان.
أولهما في المستدرك بسندٍ صحيحٍ كالشمس عن أسماء بنت أبي بكر وهي زوجة الزبير ﵃ أجمعين قالت: [كنا نغطي وجوهنا ونحن محرمات مع رسول الله –ﷺ-] . سبحان الله زوجة الزبير بنت أبي بكر -﵃ أجمعين- تخبر عن هذا الأمر، وأن النساء الصالحات هذا وصفهنَّ إذا التقين بالرجال، كل واحدة تغطي وجهها.
وفي سنن البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ عن فاطمة بنت المنذر وهي -تابعيةٌ أخرج حديثها أهل الكتب الستة، ثقةٌ، إمامةٌ، صالحةٌ، فاضلةٌ - تقول: كنَّ نخمِّر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عن الصحابة أجمعين رجالًا ونساء-.
فهذا الأمر إخوتي الكرام، لابد من العناية به ومراعاته أن يكون الثوب ساترا لجميع البدن، فالمرأة عورةٌ كما قال النبي –ﷺ- لا يجوز أن يُرى منها شيء من بشرتها ولا من أظفارها ولا من شعرها، هذا ما ينبغي أن تحافظ عليه المرأة إذا خرجت من بيتها.
[ ٦٢ / ٧ ]
٢. الأمر الثاني: الذي ينبغي أن يكون في لباس المرأة إذا خرجت من بيتها: أن يكون الثياب لونه هادئًا، فليس فيه زينةٌ وزِركشةٌ وزخرفةٌ، وليس فيه ألوانٌ براقةٌ تجلب النظر من حمرةٍ أو صفرةٍ أو ألوانٍ زاهيةٌ، إنما الثياب تكون سوداء تكون زرقاء لا تجلب نظر الناظرين إليها، فهذا مما تؤمر به المرأة إذا خرجت من بيتها، والله يقول في كتابه: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ . والتبرج هو إظهار الزينة في الثياب أو البدن، كل هذا يَحرُم على المرأة أن تفعله إذا خرجت من بيتها، لا يجوز أن تكون الثياب مزينةً مزركشةً مزخرفةً تجذب نظر الناظرين إليها، وهذه الثياب التي ينبغي ألا تكون مزينةً هي الثياب الخارجيةِ وهي الجلباب، وما يكون تحت الجلباب فهي أدرى بحالها، أما هذا الجلبابُ، هذه العباءةُ، هذه الملحفةُ، هذه المُلاءةُ التي تلبسها المرأةُ إذا خرجت من بيتها ما ينبغي أن يكون فيها ألوانٌ تجلب النظر ولا زينةٌ ولا زخرفة.
[ ٦٢ / ٨ ]
٣. والأمر الثالث: الذي ينبغي أن تراعيه المرأةُ في لباسها إذا خرجت: ينبغي أن تكون الثياب التي تلبسها، سميكةً، ثخينةً، غليظةً، قويةً، متينةً، لا تَشِّفُّ عمَّا تحتها، فلا تُرى ملابسها التي دون الجلباب والعباءة، ومن بابٍ أولى لا تكشف عن بعض أعضائها، وإذا لبست المرأة ثيابًا رقيقةً وخرجت فهي كاسيةً عاريةً، وهي ملعونةٌ على لسان النبي –ﷺ-. ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي –ﷺ- يقول: [صِنْفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عاريات مائلاتٌ مميلاتٌ، رؤوسهنَّ كأسنِمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا] كاسيات عاريات: أي هي تلبس ثيابًا لكنها رقيقةٌ تشف عن جسمها وعن ملابسها الداخلية فهي كاسيةٌ عارية، كاسيات عاريات: تلبس ثيابًا قصيرة، سترت بعض البدن وكشفت بعضه فهي كاسية عارية، هذا الصنف لا يدخل الجنة ولا يجدن ريحها وريحها يوجد من مسيرة كذا وكذا، من مسيرة خمسمائة سنةٍ.
إذًا هذا الأمر ينبغي أن تعتنيَ به المرأة أن الثياب ينبغي أن تكون سميكةً غليظةً ثخينةً بحيث تكون عليها كالخيمة لا تُبدي شيئًا، ولا تشف عن ملابسها الداخلية ولا تُظهر شيئًا من أعضائها وجسمها.
[ ٦٢ / ٩ ]
٤. والأمر الرابع: الذي ينبغي أن تعتني به المرأة في لباسها ينبغي أن تكون هذه الملابس الخارجية واسعةً، فضافضةً لا تحيط بجسم المرأة وتُفَصِّلُها فتبن كتفيها وخصرها وأعضاء جسمها، فماذا استفادت إذًا من جلبابها ومن عباءتها ومن حجابها؟ والجلباب شُرع للمرأة، هذا لباسٌ خارجي لا يلبس إلا خارج البيت لتستر به المرأة ملابسها التي تُحيط بجسمها وتعطي تفاصيل أشكال أعضائها، فالمرأة أمرت بالجلباب، لباسٌ واسعٌ فضفاض يسع عددًا من النساء ليس امرأة واحدةً، الأكمام واسعةً، وهكذا بعد ذلك الثوب الذي يكون على جسمها من ظهرها وبدنها واسعٌ بحيث لو دخل معها امرأةٌ وامرأةٌ وامرأة لوسع هذا الجلباب النساء اللآتي يدخلن فيه، وأما أن يكون الجلباب ضيقا إذًا لو خرجت بالملابس التي تلبسها في البيت لأغناها ذلك، هذا الجلباب شُرع من أجل أن يكون ساترًا كما قلت للملابس وللأعضاء فلا تُمثَلَ ولا تُجسَد ولا تَُشَكَّل، فكما ينبغي أن يكون اللباس ثخينًا لا يشف ينبغي أن يكون اللباس واسعًا عريضًا لا يصف، فما ينبغي أن يصف لباسها شكل أعضائها، ولا ينبغي أن يشف لباسها عن شيء من ملابسها وأعضائها.
[ ٦٢ / ١٠ ]
٥. والأمر الخامس: الذي ينبغي أن تعتنيَ به المرأة في لباسها إذا خرجت: ينبغي أن يكون لباسها في حال خروجها لباس النساء المسلمات الصالحات القانتات، فلا تلبس لباس امرأةٍ كافرة، ولا زي امرأةٍ كافرة وإن كانت ساترةً لبدنها وجسمها فقد نهينا عن التشبه بالكافرين والكافرات معشر الرجال والنساء من المسلمين، نهينا عن التشبه بمن غضب الله عليهم ولعنهم، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بسندٍ صحيحٍ من رواية عبد الله بن عمر -﵄- والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط بسندٍ صحيحٍ من رواية حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [من تشبه بقومٍ فهو منهم]، والرواية في المسند مطوَّلة، ولفظها [بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وَحدَه، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصغار على من خالف قولي، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم]، [وجعل الذُل والصغار على من خالف قولي]: أي خالف دين الإسلام، [ومن تشبه بقومٍ فهو منهم]، والتشبه له حالتان: حالةٌ يقصدها الإنسان إعجابًا بمن غضب عليهم ذو الجلال والإكرام، فالتشبه بهم في هذه الحالة في طعامٍ أو لباسٍ أو مركوبٍ أو غير ذلك كفرٌ مخرجٌ من الملة، لأنه فعل هذا تعظيمًا لهم واقتداءً بهم واستحسانًا لأحوالهم، وحالةٌ تقع فيها المشابهةٌ من غير قصدٍ يفعلها الإنسان وفعله يشابه بعد ذلك فعل الكفرة،، فهنا لا يقصد التشبه، إنما المشابهة التي حصلت لا قيمة لها فنرجع إلى حكم الفعل بعد ذلك في شريعة الله المطهرة، فإن كان مباحًا فهو مباح، ركب سيارةً وهم يركبون سيَّارات، وإن كان مكروهًا فهو مكروه، وإن كان حرامًا فهو حرام، إذا لم يقصد التشبه وفعل هذا الفعل بغض النظر عن التشبه ووافقهم في هذا الأمر فهذه الموافقة لا قيمة لها ونرجع إلى حكم الفعل في شريعة الله المطهرة، أما من قصد التشبه، واستحسن أحوالهم، واقتدى بهم فهو معهم، والله -جل وعلا- يحشر
[ ٦٢ / ١١ ]
الظالمين يوم القيامة وأزواجهم: أي أصنافهم وأشكالهم معهم في نار الجحيم، هذا الأمر الخامس الذي ينبغي أن تعتنيَ به المرأة في لباسها.
٦. والأمر السادس: ينبغي أن تلبس لباسًا لا يعتاد الرجال لُبسه، فينبغي أن يتميز لباس المرأة عن لباس الرجل، وأن يكون لكل منهما هيئةٌ معروفةٌ تميزه، وقد حذرنا نبينا –ﷺ- من أن يلبس الرجال لبسة النساء، وأن يلبس اللنساء لبسة الرجال. ثبت في مستدرك الحاكم وسنن أبي داود بسندٍ صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي –ﷺ-[لعن الرجل يلبس لِبسة المرأة، ولعن المرأة أن تلبس لِبسة الرجل] وفي مسند الإمام أحمد من رواية عبد الله عمرو ﵃ أجمعين أن النبي –ﷺ-[ليس منَّا من تشبه من النساء بالرجال ولا من تشبه من الرجال بالنساء] وثبت في مسند الإمام أحمد وفتح البخاري وسنن الأربعة عدا سنن النسائي من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي –ﷺ- قال: [لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ومن المتشبهات من النساء بالرجال] .
هذه أمورٌ ستةٌ في ثياب المرأة ينبغي على المرأة أن تعتني بها أن يكون اللباس ساترا، وأن يكون هادئًا ليس ملونًا وليس فيه زخرفة، وأن يكون سميكًا ثخينًا غليظًا، وأن يكون واسعًا فضافضًا، وألا يشبه لباس المرأة المسلمة لباس المرأة الكافرة، وألا يشبه لباس المرأة المسلمة لباس الرجل مطلقا.
هذا الأمر الأول الذي ينبغي أن تعتني به المرأة إذا خرجت من بيتها في لباسها.
[ ٦٢ / ١٢ ]
والأمر الثاني: طِيبُها، ينبغي أن تحذر المرأة الطِّيْب إذا خرجت من بيتها، فلا يحل لها أن تتطيب بشيءٍ له رائحة، وإذا فعلت ذلك فالويل لها ثم الويل، والنبي -﵊- رخص للمرأة أن تحضر الخير ومواسم الخير في بيوت الله لكن بهذا الشرط، ومن بابٍ أولى إذا خرجت المرأة من بيتها لغير بيت ربها لزيارة محارمها وأقاربها وأصحابها ينبغي أن تحافظ على هذه الصفة بلا طيب، فالطيب تُنهى عنه المرأة إذا خرجت من بيتها.
ثبت في المسند، وسنن أبي داود، وصحيح ابن خزيمة، والحديث قال عنه الإمام النووي في المجموع إسناده صحيحٌ على شرط مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي –ﷺ- قال: [لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهنَّ تفلات]: أي تاركات للطيب والزينة، فإذا خرجت إلى بيت الله فلتكن تَفِلة: أي ليس عليها شيء من الطيب، ليس عليها شيء من الزينة، لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات.
[ ٦٢ / ١٣ ]
وثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم، والحديث رواه أبو داود والإمام النسائي وهو صحيحٌ، صحيح من رواية أبي هريرة -﵁- قال سمعت النبي –ﷺ- يقول: [أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا صلاة العشاء الآخرة] أيما امرأة أصابت بَخُورًا: أي تطيبت وصار لها رائحة فلا تشهد معنا صلاة العشاء الآخرة، وثبت في مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة فهو في سنن الترمذي، والنسائي، وأبي داود، أخرجه أهل السنن الأربعة باستثناء سنن ابن ماجه، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان وهو صحيحٌ صحيحٌ عن نبينا -﵊- من رواية أبي موسى الأشعري ﵁ قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: [أيما امرأة استعطرت في بيتها ثم خرجت فمرت بقومٍ] وفي رواية [بمجلسٍ] [ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين تراها فهي زانية] فإذًا ينبغي أن تحافظ المرأة على هذا الأدب الشرعي عندما تخرج من بيتها لبيت ربها أو لغير ذلك من البيوت، ألا يكون عليها شيء من الطيب ولا من البَخُور.
الأمر الثالث: الذي ينبغي أن تعتني به المرأة عندما تخرج من بيتها إلى بيت ربها أو إلى غير ذلك من البيوت ينبغي: أن تتصف بصفة الحياء في خروجها، ثبت في مستدرك الحاكم وحلية الأولياء، والحديث رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان بإسناد صحيح من رواية عبد الله بن عمر ورواه الطبراني من رواية عبد الله ابن عباسٍ -﵄- أن النبي –ﷺ- قال: [الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر]، وعليه ينبغي أن تكون المرأة حييةً خَفِرةً في خروجها، وهذا الحياء يتمثل في عدة أمور، معظم هذه الأمور أمران بارزان أولهما: لا تمشي في وسط الطريق، إنما تمشي في حافته اليمنى أو في جانبه الأيسر، وليس للنساء وسط الطريق.
[ ٦٢ / ١٤ ]
وقد ثبت في سنن أبي داود وكتاب شعب الإيمان للإمام البيهقي وإسناد الحديث حسن عن أبي أُسَيد الأنصاري -﵁- قال سمعت النبي –ﷺ- يقول وقد خرج من المسجد واختلط النساء بالرجال فنادى بأعلى صوته عليه [يا معشر النساء استأخرن ليس لكنَّ أن تَحْقُقْنَ الطريق عليكنَّ بحافات الطريق] يقول أبو أُسيد فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثيابها لتكاد تَعْلَقُ بالجدار من لصوقها به، يا معشر النساء استأخرن ليس لَكُنَّ أن تحققنَ الطريق: أي أن تَسِرْنَ في حُقِّهِ وفي وسطه، كما ثبت في صحيح ابن حبان وشعب الإيمان للإمام البيهقي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي –ﷺ- قال: [ليس للنساء وسط الطريق] .
هذا الأمر الأول الذي هو عنوان حياء المرأة إذا خرجت من بيتها أن تمشيَ في جانب الطريق الأيمن أو في جانبه الأيسر، وألا تمشيَ في وسط الطريق كما يمشي الرجال، وكما هو مشيُ يعني الذين لهم هذه صفة وهم الذكور الذين يمشون في الوسط.
والأمر الثاني: الذي ينبغي أن تعتني به المرأة أيضًا إذا خرجت من بيتها وهو عنوان حيائها أن تغض طرْفها، وألا تُسَرِّحَ نظرها إلى كل ذاهبٍ وآيب، ولا يجوز أن تنظر إلى أشكال الرجال وألوانهم سواء كانت في سيارة مع زوجها أو محرمها أو تمشي على رجليها فينبغي أن تغض طرفها، كما يجب على الرجل إذا رأى المرأة يغض طرفه ولا يُسَرِّحَ نظره إليها، فيجب عليها وجوبًا إذا رأت الرجل أن تغض طرفها وألا تُمْعِنَ النظر فيه وإليه.
[ ٦٢ / ١٥ ]
وقد ثبت في المسند، وسنن أبي داود، والحديث رواه الإمام الترمذي في سننه وبَوَّبَ عليه باب احتجاب النساء من الرجال، ورواه ابن حبان في صحيحه وإسناد الحديث صحيح عن أمِّنا أمِّ سلمة -﵂- قالت: كنت عند ميمونة فدخل عبد الله بن أمِّ مكتوم وهو أعمى -ومن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين- فقال النبي ﵊ لزوجتيه ميمونة وأمِّ سلمة ﵄ [احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله، -﵊-: أوليس هو أعمى لا يُبْصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما] قال الإمام أبو بكر بن العربي -عليه رحمة الله- في عارضة الأحوذي عند شرحه لهذا الحديث في سنن الترمذي: يَحْرُم على المرأة أن تنظر إلى الرجل كما يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة، وهذا أمرٌ جهله غالب الناس، فلا ينهون نساءهم عن النظر إلى الرجال ولا ينبهوهنَّ على ذلك، وأعظم من النظر اعتقاد إباحة النظر، أي أنه يباح للمرأة أن تنظر إلى الرجل، يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل كما يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة، والله يقول في كتابه: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ ثم قال: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنَّ ويحفظن فروجهنَّ﴾، وإذا كان الرجل يميل إلى المرأة فمنع عن النظر من أجل هذا، فالمرأة تميل إلى الرجل فينبغي أن تمنع، فالفتنة مشتركةٌ بين الجانبين، ولا يمكن أن تبيح شريعة الله نظر النساء إلى الرجال ثم تحرم نظر الرجال إلى النساء، فشريعة الله جاءت بالتسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، فإذا كان نظر الرجل إلى المرأة يزرع في قلبه شهوةً ويلهيه فنظر المرأة إلى الرجل كذلك، فإذا كانت العلة موجودة في الصنفين فينبغي أن يُمنع كلٌ منهما عن النظر إلى الصنف الآخر، والدليل بعد ذلك صحيحٌ صريح عن نبينا -﵊-[احتجبا منه] .
[ ٦٢ / ١٦ ]
الأمر الرابع: الذي ينبغي أن تعتني به المرأة عندما تخرج لبيت ربها، ينبغي أن تقصد باب النساء في المسجد وأن تدخل منه، ولا يجوز أن تذهب إلى جهة باب الرجال، ولا أن تزاحم الرجال وتلتصق بهم وقد حث النبي –ﷺ- الصحابة في أول الأمر على هذا فلما آل الأمر إلى عمر بن الخطاب -﵁- ألزم الأمة بهذا الأمر وأنه ينبغي أن يكون للرجال أبوابٌ خاصةٌ إلى المسجد وللنساء باب خاصٌ يدخلن منه ففي سنن أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ﵁ قال سمعت النبي –ﷺ- يقول: [لو تركنا هذا الباب للنساء] يقول نافع: فما دخل من هذا الباب ابن عمر حتى قُبض - ﵀ ورضى عنه- وهذا الباب الآن يعرف في مسجد نبينا ﵊ بباب النساء وهو الملاصق لباب جبريل -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه-، وفي سنن أبي داود عن نافع أن عمر -﵁-[كان ينهى أن يُدخل إلى المسجد من باب النساء] فالمرأة تذهب إلى الباب الخاص بها فتدخل إلى هذا المسجد الذي جاءت من أجل مصلحة شرعية.
[ ٦٢ / ١٧ ]
وخامس الأمور: وهو آخر الآداب: إذا دخلت المرأة إلى المسجد فمع ذلك ينبغي أن تبتعد عن الرجال في المسجد، وأن تكون في مؤخرة الصفوف وفي الجانب الذي يبعد عن المسجد، فهذا أحسن لها وأفضل لصلاتها كما ثبت في المسند والحديث في صحيح مسلم، والسنن الأربعة من رواية أبي هريرة -﵁- قال سمعت النبي –ﷺ- يقول [خيرُ صفوف الرجال أولُها وشَّرها آخرهُا وخيرُ صفوف النساء آخرهُا وشَّرها أوُّلهُا] والحديث رواه الإمام الطبراني من حديث أبي أمامة وعبد الله بن عباس -﵃ أجمعين- والحديث رواه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ورواية جابر مخرَّجة في سنن ابن ماجه وفي بعض ألفاظ الحديث [خير صفوف الرجال مقدمُها وشر صفوف الرجال مؤخرهُا، وخير صفوف النساء مؤخرهُا وشر صفوف النساء مُقَدَمُها] .
هذه الأمور الخمسة ينبغي أن تعتني بها المرأة إذا خرجت من بيتها ما يتعلق بلباسها، ما يتعلق بطيبها، ما يتعلق بحال مشيتها، ما يتعلق بدخولها إلى بيت ربها، ما يتعلق بصلاتها عند أدائها في بيت ربها.
أسال الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يسترنا وأن يستر أعراضنا وأعراض المسلمين والمسلمات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه خيرُ خلق الله أجمعين، اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرا، وارضَ اللهم عن الصحابة الطيبين وعمّن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
[ ٦٢ / ١٨ ]
عباد الله: إذا كان يباح للمرأة -كما تقدم معنا- أن تخرج إلى المسجد فيباح لها أن تخرج بمفردها، ويستحسن لزوجها أو لأحد محارمها أن يصحبها إلى بيت الله أو إلى المكان الذي ستذهب إليه ورُخص لها فيه، والرجل حقيقةً حارسٌ حارسكٌ للمرأة، وإذا مشى الرجل مع المرأة تنقطع نحوها أطماع الطامعين، ومما يروى أن امرأةً كانت تخرج إلى بيت الله الحرام في بلد الله الحرام في مكة المكرمة لأداء الصلاة في المسجد، فكان يتعرض لها بعض السفهاء من الأنام، فكانت تذكره بالرحمن وتقول له: اتق ذا الجلال والإكرام، نحن في اقدس وأطهر وأشرف بقعةٍ، فلا ينفك عن غيه ويسمعها كلامًا لاذعًا يجرحها ثم بعد ذلك قالت لزوجها في يومٍ من الأيام أريد أن تذهب معي إلى الصلاة، قال ولما في الأيام الماضية تذهبين بمفردك وأنا أيضًا أذهب بمفردي؟ يعني من طريق وكل واحد يذهب ويعود، قالت: أريد أن تصحبني، وكان ذاك العاتي يجلس في الطريق ينتظرها في ذهابها وإيابها، فلما مرت مع زوجها هرب وولى مسرعًا، فقالت تَعْدُو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولةً الرابض المتأسد.
كان أئمتنا يقولون: نتمنى ألا يوجد فتاة على وجه الأرض إلا وسمعت هذا البيت، فإن لم تكن مزوجةً فلتتزوج وإن تكن مزوجةً وأردت أن تخرج فلتخرج مع رجل، فالرجل بالنسبة للمرأة كالكلب الأمين الوفي، وهذا من الصفات المحمودة في الكلاب التي يُشَبَّهُ بها وفاء الرجال كما قال العبد الصالح الإمام الشاطبي في حرز الأماني ووجه التهاني وقد قيل:
كن كالكب يقصيه أهله وما يأتل في نصحهم متبدلا
إن صدق الكلب ووفاءه مع أهله ومع من يكون عندهم يضرب به المثل، وهكذا الرجل حميته وغيرته، شهامته ورجولته، حرزه وحراسته للمرأة تعدل حراسة الكلب لمن يكون عندهم.
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الرابض
[ ٦٢ / ١٩ ]
المرأة إذا خرجت مع رجل تنقطع نحوها أطماع الطامعين، وإذا خرجت بمفردها يتعرض لها هذا وذاك، ولذلك يروى أيضًا في الأخبار أن امرأةً كانت تريد أن تخرج إلى بيت الله باستمرار وعندما فسد الزمان وفسد يقول لها زوجها إذا خرجت أخرج معكِ وإذا أنا لم أكن في البيت فلا تخرجين، تقول بيت الله: لا تمنعني منه، وليس من حقه أن يمنع لكن أراد أن يبين لها واقع الحياة، وأنها قد تتعرض أحيانًا لمشكلة من المشكلات فلا يوجد حارسٌ ولا حافظ يحفظها، فتركها تذهب إلى بيت الله فبينما هي في الطريق مشى خلفها وضرب على عجيزتها فتأثرت غاية التأثر وتوارى ونصرف ثم عادت إلى البيت بعد ذلك فلما حانت الصلاة بعد ذلك قال ألا تذهبين؟ قالت لا أريد أن أذهب لأداء الصلاة في المسجد. قال ولما؟ قالت: كنت أذهب عندما كان الناس ناسًا ولكن تغير الناس، وهو الذي فعل هذا مع أهله لكن يريد أن يبين لها أنها قد تقع في مشكلة من مثل هذا أو أكثر، فإذًا ينبغي أن تكون مع حارس، مع حافظ إذا ذهبت من أجل ألا تتعرض لمشكلةٍ تعضُ بعد ذلك أنامل يديها وأصابع رجليها من الندم.
إخوتي الكرام: إن أعظم ما يميز الإسلام عن سائر الأنظمة أيًا كانت من أنظمةٍ غربيةً أو شرقيةً، إن أعظم ما يميز الإسلام موضوع العِرض، موضوع الغيِرة، موضوع المرأة هي أعظم حاجز بين الحياة الإسلامية والحياة الغربية والشرقية الردية.
[ ٦٢ / ٢٠ ]
إن الإسلام الذي أمرنا بالمحافظة على العرض بدافع الغيرة، هذا الدافع وهو دافع الغيرة يستمد قوته كما قال أئمتنا من الروح البشرية التي يتميز بها الإنسان على سائر الحيوانات البهيمية. وإن الاختلاط والتحلل والمجون والفسوق تستمد قوتها من الشهوات الغريزية البهيمية. فالإسلام أمرنا أن نصرف الشهوة الغريزية البهيمية في مصرفٍ شرعي، وأمرنا بعد ذلك أن نحافظَ على الأعراض وأن نمتنع وأن نمنع الفساد، وأما الحياة الغربية الردية فقد ضحت بالروح الإنسانية، وبكل فضيلةٍ كريمةٍ عليةٍ من أجل الشهوات الخسيسة البهيمية، والرجل الغربي الردي منطقه في هذه الأيام يقول: إذا ضحيت بزوجتي أو ببناتي أو بمحارمي فغاية ما أضحي به عشر نسوةٍ أو مائة امرأةٍ لكني أتمتع بآلاف النساء فالمربح أكثر من الخسارة، فالمربح أكثر من الخسارة، وهذا ما يقوله كل غربيٌ عفنٌ ردي.
وهذا الأمر الذي انتشر في بلاد الغرب باسم الدعوة إلى الحب والسلام، وكأن المراد من الحب والسلام حبٌ ووئام بين الجنسين على الدوام، وما الحفلات العامةُ الراقصةُ الماجنةُ التي تقام في هذه الأيام في بلاد الغرب وفي غيرها إلا حفلاتُ قرانٍ عام، وهذا الذي يفعله الغربيون عليهم لعنات الحي القيوم، هذا الذي فعلوه ويفعلونه لو لم يكن عند الغرب ما يستر سوءتهم من قوة مادية في هذه الأيام لأدى هذا الاختلاط المشين، هذا الاختلاط القبيح، هذا السفور والتحلل لعد وكفى به لعُد سواد وجهٍ في من يفعله فيهم وفي غيرهم، وإذا كان الغربيون فعلوا هذه السوءة وهذا الدنس وستروا سوءتهم قوتهم، فأيُّ قوة لنا؟ جئنا قلدناهم خسرنا الدنيا والآخرة.
إخوتي الكرام:
[ ٦٢ / ٢١ ]
إن أعظم ما يميز المسلمين عن غيرهم موضوع المرأة، عرضٌ يُصان، جوهرةٌ مكنونة، درةٌ مصونة. إن الأمة الإسلامية في هذه الأيام بحاجة إلى أن تُعيد البحث عن عرضها وأن تصون أعراضها. إننا نريد امرأة مقصورة، إننا نريد امرأة تَقْصُر طرفها إلا على زوجها، إننا نريد زوجًا يقصر طرفه إلا على زوجه، فبهذا تَصْلُح الحياة، ووالله إذا ضاع الحياء من الحياة فلا خير في الحياة، فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء.
يعيش المرء ما استحيى بخيرٍ ويبقى العود ما بقي اللحاء
اللهم ألهمنا رشدنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأصلح أحوالنا، واجعل الجنة دارنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسأل فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم زدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تُهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا يا رب العالمين.
اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغارا واجزهم عنا خير الجزاء فضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لشيوخنا ولمن علمنا وتعلم منا وأحسن إلى من أحسن إلينا.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد﴾ .
[ ٦٢ / ٢٢ ]
فيه رجال