(الموعظة الأولى)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بسم الله الرحمن الرحيم
الموعظة الأولى
شروط قبول العمل
الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله تعالى عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد غضبك، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
أما بعد إخوتي الكرام..
موعظتنا في هذه الليلة موعظة موجزة مختصرة بناءًا على رغبة إخوتي الكرام في الحي المبارك وعلى رغبة أخي الكريم إمام المسجد الشيخ محمد الصاروي تقبل الله منا ومنه والمسلمين أجمعين وهذا لا ينفي بأن دروس الشيخ بها علمًا وتذكير وأن موعظتي في هذه الليلة إلا مشاركة لأخي الكريم بما يقوم به، نسأل الله أن يتقبل منا جميعًا.
إخوتي الكرام:
هذه الموعظة لم أذكر فيها شيئًا جديدًا، كل واحد منا يعرفه ولعله أن ترجوه في سلوكه مع ربه في جميع شؤون حياته، إنما أريد أن أذكره من باب التذكير فقد أمرنا الله بذلك وأمرنا أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر فكل ما أذكره أغلب ظني معلوم عند المسلمين أجمعين لكن كما قلت ذلك من باب التذكير فلذلك نجالس هذه اللحظات القصيرة وتحصل له فائدة التذكير وما أظن أنه سيفوت منه شئ، ونسأل الله أن يرزقنا علمًا نافعا وعملًا صالحا وأن يتقبل منا بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتي الكرام..
[ ٥٦ / ١ ]
موعظة هذه الليلة تدور حول أمر كما قلت يعلمه كل أحد وينبغي أن يعظه كل أحد وهذا الأمر هو لو تأمل كل واحد منا الناس لرآهم يعملون أعملا ولا يخلوا أحد من عمل لكن يتفاوت الناس في أعمالهم فنهم من يغتنم حياته فيعمل الخيرات ومنهم من يتخبط في هذه الحياة ويبتلى بالمنكرات والقاذورات، لكن لا يخلو إنسان من عمل ولا تخلوا نفس من نية وقصد وهم وعزم، والنفوس جوالة فإما أن تجول نفس الإنسان حول العرش وإما أن تجول حول الحش وكل واحد سيعمل في هذه الحياة ولا بد فنهم من يعمل عملا صالحًا يفك رقبته من النار ومنهم من يعمل عملا خبيثا يوبقه في النار، كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، وإذ كان الأمر كذلك فقد يسأل سائل ومن حقه أن يسأل متى يكون العمل صالحا فيقبل عند الله ﷿ ويثاب عليه الإنسان.؟ ومتى يكون العمل بخلاف ذلك.؟ وحقيقة هذا الأمر إخوتي الكرام ينبغي أن يعيه كل فرد منا وهذا هو موضع موعظتنا في هذه الليلة المباركة العمل الصالح.
متى يكون العمل صالحا؟
الشروط التي إذا وجدت في العمل صار صالحا وقبله الله ﷿، أعمالنا كثيرة فلابد إذًا من شروط لهذه الأعمال لتكون صالحة عند ذي العزة والجلال.
إخوتي الكرام:
لا يكون العمل صالحا مقبلا عند الله ﷿ إلا إذا وجد فيه ثلاثة شروط سأوجز الكلام عليها إن شاء الله وكما قلت هي معلومة وهذا موضوع موعظتنا في هذه الليلة المباركة.
الشرط الأول:
[ ٥٦ / ٢ ]
أن تصدر الأعمال من مؤمن لله جل وعلا، فلابد من الإيمان لله جل وعلا ولرسوله - ﷺ -، فمن حَرِفَ عن الإيمان فوقع في الإشراك أو الكفر بالرحمن، فمهما عمل من الأعمال الحسان ترد عليه ولا تقبل عند ذي الجلال والإكرام، وقد قرر الله هذا في كثير من آيات القرءان فقال جل وعلا: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حبط عمله﴾، ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ وقال جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيما﴾، ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالًا بعيدا﴾ .
أخبرنا الله جل وعلا أن من خرج عن الإيمان فهو من أهل الخسران ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ فإذا لم يتصف الإنسان بصف الإيمان أعماله مردودة عند ذي الجلال والإكرام، فلو قدر أنه قام بصدقة أو صلة رحم أو غير ذلك من أنوع البر كل هذا سيرد عليه ولا يقبل عند الله ﷿، كما قرر الله جل وعلا في آيات القرءان الكريم يقول الله جل وعلا في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الذَّينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرَا، يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًَا مَحْجُورًا، وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوْا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ والهباء إخوتي الكرام هو الشعاع الذي يرى عند شدة حرارة الشمس هباء يتطاير عند شدة حرارة الشمس ذرات صغيرة هذه هي الهباء ﴿هباءً مَنْثُورًا﴾ .
[ ٥٦ / ٣ ]
والهباء هو ذرات التراب الصغيرة التي تتطاير عند وجود الرياح، والهباء هو النار إذا احترقت وصارت رمادًا ثم عبثت بها الرياح فتطايرت هنا وهناك هذا هو الهباء، والهباء هو رذاذ الماء عندما يتطاير إذا صب الإنسان ماءً فيخرج منه رذاذٌ خفيفٌ هذا هو الهباء.
يقول الله عن أعمال الذين لا يرجون لقاءه إذا قدموا عليه يوم القيامة ﴿وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ وهذا الهباء يكون متفرق متباعد بحيث لا تجتمع ذرة مع ذرة فلا ينفعهم عمل عند الله جل وعلا ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ والهباء في الأصل متفرقٌ إنما ليقرر الله المعنى أتم تقرير أردفه بالكلمة التالية الأخرى ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وهذا الذي يسميه علماء البلاغة في علم البديع بالإغال والتتميم وهي أن يردف المتكلم كلامه بكلمة يزيل بها اللفظ ويقرر المعنى في النفس فيرفع عنها الوهم لتستقر في الفهم والأمر كذلك، الهباء هو الشيء المتطاير فأتبعه بهذه اللفطة ﴿مَنْثُورًا﴾ ليبن أنه لا يجتمع ولا يمكن أن تكون ذرة مع ذرة فجعلناه هباءً منثورا أي متفرقًا ضائعًا لا وجود له ولا ثبات ولا استقرار ولا نفعًا ولا مكانًا ﴿وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وهذا إخوتي الكرام في الآخرة والله لا يظلم أحدا، فما يجري من الكافر من حسنات في هذه الحياة من صلة رحمٍ أو صدقةٍ أو غير ذلك يكافئه الله عليها في هذه الحياة من صحةٍ وطعامٍ وهواءٍ وشربٍ وغير ذلك كما ثبت ذلك في صحيح مسلمٍ من حديث أنس ﵁ [عن نبينا - ﷺ - أنه قال: ﴿إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة﴾ هذا كرم الله على المؤمنين أي يعطا عليها مكافئةً وجزاءً في الدنيا من صحةٍ ونعمٍ لا تحصى وحياةٍ طيبةٍ مطمئنةٍ لكن يدخر له الأجر العظيم عنده يوم الدين، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر
[ ٥٦ / ٤ ]
فيطعم بحسناته التي عمل بها في هذه الحياة الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يجزى بها] فأعطاه الله جزاء ما عمل في هذه الحياة عندما سخر له الهواء والماء والغذاء والكساء وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ إذًا أم الثوب في الآخرة يضيع وكوفئ الكافر على عمله في هذه الحياة أما في الآخرة فلا ينتفع بعمل ما دام كافرًا بالله مشركًا به جل وعلا كما قال الله جل وعلا ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ﴾ والرماد هو الحطب إذا احترق ﴿أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصفٍ لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد﴾ وضرب الله مثلًا أي ضل أعمال الكفار في سورة النور بل مثلين فقال جل وعلا: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ هذا هو المثل الأول، أعمال الكافر في هذه الحياة يتوقع عليها نفعًا هو في ظنه ووهمه بعد الممات لا حقيقة لذلك حاله كحال من ينظر إلى السراب، وهو ما يتراء من ماءٍ لمن ينظر في شدة الحرارة عند الظهيرة في صحراء، لو نظر الإنسان إلى الصحراء إلى الأرض الممتدة الصحراء الواسعة عند الظهيرة لتراء له أنه يوجد أمواج من المياه يركب بعضها بعضا لكنه إذا اقترب من ذلك المكان الذي يخيل إليه أنه فيه ماء تبين أنه لا يوجد ماءٌ إنما هو سراب تراء له ولا حقيقة له، وهكذا عمل الكافر ﴿الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةٍ﴾ بأرض ممبسطةً، والسراب ما يتراء للناظر أنه ماءٌ عند شدة الحر وليس بماءٍ ﴿كسراب بقيعةٍ حسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ والمثل الثاني ﴿أو كظلمات في بحر لجيٍ يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحابٌ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور﴾ .
[ ٥٦ / ٥ ]
إذًا ظلماتٌ كثيرةٌ متداخلةٌ متطابقةٌ الظلمة الأولى بحر لجيٌ عميق فلا يرى ما في قعره يرتفع على هذا البحر أمواجٌ تمنع الرؤيا فلا يمكن أن ترى سطح البحر من كثرة الأمواج فضلًا عن رؤية قعره ويعلوا هذه الأمواج سحبٌ كثيفةٌ مظلمةٌ ظلماتٌ بعضها فوق بعض، وهكذا عمل الكافر ظلمةٌ في هذه الحياة ولا ينتفع به بعد الممات، إذا إخوتي الكرام الشرط الأول لقبول العمل عند الرحمن الإيمان بذي الجلال ولإكرام، نسأل الله أن يشرح صدورنا للإيمان به واتباع رسوله ﷺ.
الشرط الثاني:
[ ٥٦ / ٦ ]
الشرط الثاني لقبول العمل ليكون صالحا وليقبل عند الله ﷿ إتباع النبي - ﷺ - فيما نقوم به من أعمال، هذه الأعمال التي تصدر منا بعد أن أمنا بربنا ينبغي أن تكون حسب شرع رسولنا - ﷺ - المبلغ عن الله جل وعلا سواءٌ في عقائدنا سواءٌ في عبادتنا سواءٌ في معاملاتنا سواءٌ في أخلاقنا وآدابنا سواءٌ في عقوباتنا وتأديبنا لغيرنا وحبنا وبغضنا له كل هذا ينبغي يأخذ من مشكاة النبي - ﷺ - وأن يكون على حسب شرعه وأن لا يكون للإنسان إمام في هذه الحياة إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، ونسأل الله أن يدعونا به يوم القيامة ﴿يوم ندعو كل أناسٍ بإمامهم﴾ نسأله أن ينادينا يوم القيامة يا أمة محمد ﵊ ويا أتباع النبي ﵊ يوم ندعو كل أناس بإمامهم، فلابد من متابعة النبي - ﷺ - في جميع الحركات والسكنات فمن آمن بالله وعمل بعد ذلك على حسب رأيه وهواه وعرفه وعادته فعمله مردودٌ عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أمنا عائشة ﵂ قالت سمعت النبي - ﷺ - يقول [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] وفي رواية لمسلم [من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد] عمل عملًا ليس عليه هدي النبي ﵊ وهذا العمل لم يوافق شرع النبي ﵊ فهو مردودٌ على فاعله سواءٌ كان من المؤمنين أو لا، وهو مردودٌ على فاعله سواءٌ أرد به الترقب الله أو لا فلا يقبل العمل عند الله إلا إذا كان موافقًا لشرع النبي - ﷺ - في جميع الحركة والسكنات فإذا عمل الإنسان عملًا ليس عليه النبي - ﷺ - فعمله مردودٌ عليه.
إخوتي الكرام..
[ ٥٦ / ٧ ]
ولا يتحقق الإيمان ولا يقبل إيمان الإنسان حتى يكون هواه تبعًا لشرع النبي ﵊، كما ثبت هذا عن نبينا ﵊ فيما رواه عنه الأمام أبو نعيم في كتاب الأربعين وشرط ألا يرد في كتابه إلا حديثًا صحيحًا من نقل الثقة عن الثقة والحديث رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ورواه البغاوي في شرح السنة ورواه الأمام أبو نصر المقدسي في الحجة على تاركي المحجة وإسناد الحديث في درجة الحسن من حديث عبد الله ابن عمرو ابن العاص ﵄ قال سمعت النبي - ﷺ - يقول [لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به] وهذا المعنى الذي قرره النبي - ﷺ - أشار إليه ربنا في كتابه فقال ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ هذا الشرط الثاني ليكون العمل صالحا وليقبل عند الله جل وعلا، إيمان بالله واتباع للنبي ﵊، إيمان بالرحمن واتباع للنبي ﵊.
الشرط الثالث:
[ ٥٦ / ٨ ]
إخلاص لله جل وعلا في الأعمال التي نقوم بها، آمنا به واتبعنا شرع نبيه ﵊ وأردنا بجميع أعمالنا التقرب إلى ربنا دون حظ من الحظوظ النفسية أو الدنيوية كما أشار ربنا جل وعلا إلى هذا الشرط بقوله ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ وإذا كان الإنسان من المؤمنين واتبع في عمله هدي النبي الأمين ﵊ لكنه ما أراد بذلك وجه رب العالمين، أراد مراءت الناس حظًا من حظوظ الدنيا، حطامًا عاجلا فعمله لا يقبل عند أحكم الحاكمين ﷾، كما قال جل وعلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطلٌ ما كانوا يعملون﴾ من كان قصده وغايته في هذه الحياة أن يقوم بالطاعات ليحصل حطام الدنيا وعرضها وحظوظها من جاهٍ ومنزلةٍ وأي شيءٍ بعد ذلك من الأمور الدنيوية.
[ ٥٦ / ٩ ]