(بحث)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
طبت حيًا وميتًا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علمًا نافعا وعملًا صالحًا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
أما بعد إخوتى الكرام..
ما زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة فى بيان التى يعرف بها صدق النبى والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله جميعا صلوات الله وسلامه، وقد قدمت الكلام على أن هذه الأمور كثيرة وفيرة، يمكن أن نجملها فى أربعة أمور نتحقق بها من صدق من يدعى أنه رسول على نبينا وعلى أنبيناء الله ورسله صلوات الله وسلامه.
أول هذه الأمور: النظر إلى النبى ﵊ فى نفسه خَلْقًا وخُلُقا.
وثانى هذه الأمور: النظر إلى دعوته ورسالته التى بعث بها ودعى إليها.
وثالث هذه الأمور: المعجزات والخوارق التى أيده الله بها.
ورابعها: النظر إلى حال أصحابه وأتباعه رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ١١٥ / ١ ]
كنا إخوتى الكرام نتدارس الشق الأول من الأمر الأول ألا وهو النظر لخَلْقالنبى ﵊ وقد قلت فيما مضى إن الله أعطى رسله وأنبياءه على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه، أعطاهم الكمال فى خَلْقهم وخُلُقهم، ففى خلقهم وخلقهم كمال من جلال وجمال كما تقدم معنا، وأخذنا الشق الأول لنتدارسه وكان فى ظنى أن نجمل الكلام عليه فى موعظة أو موعظتين، لكن الدروس فيما يبدو ويظهر زادت على خمسة دروس فى الشق الأول فى بيان ما يتعلق بخَلْق النبى ﵊ وجهه دلالة ذلك على أنه رسول الله حقًا وصدقًا على نبينا صلوات الله وسلامه، وهذ ﵊ هـ الدروس أقول وإن طالت فى هذا الجانب فهى فى الحقيقة قطرة من البحر الذى عليه نبينا ﵊ فى خَلْقه من الكمال من جلال وجمال، من ملاحة وبهاء على نبينا صلوات الله وسلامه، وإذا فاتنا أن نصحب النبى ﷺ وأن نمتع العينين بالنظر إلى نور وجهه الكريم الشريف عليه صلوات الله وسلامه وفداه أنفسنا وآباءنا وأمهاتنا فلا أقل من أن نطيل الحديث بعض الشىء فى وصف بدنه وخَلْقه وجسمه الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه.
[ ١١٥ / ٢ ]
إخوتى الكرام: كما قدمت أعطى الله أنبياءه الكمال فى خَلْقهم فجعل خَلْقهم يتصف بالجمال والجلال كما تقدم معنا فعوارض البشر التى يصاب بها كثيرًا من البشر بوصفهم بشرا، وبوصفهم من بنى أدم، هذا العوارض إذا كان فيها ما يشير إلى نقص قفد صان الله الأنبياء الكرام على نبينا وعليهم جميعًا صلوات الله وسلامه عنها، فالتثائب من العوارص البشرية التى يصاب بها بنو الإنسان لكن التثلئب يصان عنه الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام لا يمكن لنبى أن يتثائب هذا يتنافى مع الجمال والجلال، مع الملاحة والبهاء، الذى يكون عليه خَلْق النبى ﵊ التاثائب من الشيطان كما سيأتينا ويدل على فتور وضعف عزيمة فى الإنسان فكيف يتصف به نبينا ﵊.
[ ١١٥ / ٣ ]
وقد ثبت فى كتاب التاريخ لشيخ المحدثين الإمام البخارى والأثر رواه ابن سعد فى الطبقات وابن أبى شيبة فى المصنف عن يزيد الأصم، ويزيد المعتد فى أمره أنه من أئمة التابعين الكبار الأبرار وهو يزيد بن الأصم أبو عوف البكائى وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﵂ وعن سائر الصحابة الكرام الطيبين يقال له رؤية للنبى ﵊ لكن لا يثبت ذلك كما قال الحافظ ابن حجر نعم هو من أئمة التابعين الأبرار وميمونة ﵂ أم المؤمنين تكون خالة ليزيد بن الأصم ﵁ وأرضاه وتوفى سنة ١٠٣ للهجرة وحجيثه مخرج فى صحيح مسلم والسنن الأربعة وروى عنه البخارى فى الأدب المفرد، وهذا الأثر كما قلت فى تاريخ الإمام البخارى وطبقات ابن سعد ومصنف ابن أبى شيبة عن يزيد الأصم ﵁ وأرضاه قال: ما تثائب النبى ﷺ قط.،
[ ١١٥ / ٤ ]
نبينا لم يتثائب عليه صلوات الله وسلامه، والأثر إخوتى الكرام مرسل وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊ لأنه يحكى هذا الوصف عن نبينا ﵊ لكن بما أنه لم يدركه فإذا هو له حكم الإرسال وهذا المرسل روى ما يشهد له أيضا من مرسل أخر رواه ابن أبى شيبة أيضا فى المصنف والإمام الخطابى كما قال الحافظ فى الفتح فى الجزء العاشر صفحة ٦١٣ والأثر الثانى مروى عن مسلمة بن عبد الملك الأمير وقال الحافظ فى ترجمته صدوق عندما ذكر هذا الأثر عنه فى الفتح قال إنه صدوق وحديثه مخرج فى سنن أبى داود يقول هذا العبد الصالح الأمير مسلمة بن عبد الملك الأمير يقول أيضا: ما تثائب نبى قط على وجه العموم، وأثر يزيد بن الأصم ما تثائب النبى ﷺ قط، وهنا ما تثائب نبى قط، هناك يخبر عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه لم يجر منه تثائب مطقلًا منذ ولادته إلى وفاته ﵊ هذا يتنافى لو تثائب مع الكمال الخَلْقى الذى جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، ما تثائب النبى قط، ما تثائب نبى قط، وهناك على وجه العموم فهذه الصفة التى تكون لنبينا الميمون ﵊ هى ثابتة أيضا لجميع أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، فما تثائب أحد منهم لأن هذا يتنافى مع الكمال مع الجمال والجلال الذى جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.
إخوتى الكرام: زلا غرو فى ذلك ولا عجب فالعطاس من الله، والله يحبه، والتثائب من الشيطان والله يكرهه، وإذا كان كذلك فكيف يتصف الأنبياء على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه بخصلة هى من فعل الشيطان ووسوسته وتحريكه وهو المتسبب فيها لا يمكن أن يكون هذا أبدا.
[ ١١٥ / ٥ ]
وقد ثبت فى المسند والحديث فى صحيح البخارى ورواه البخارى فى الأدب المفرد أيضا وهو فى سنن الترمذى وأبى داود وصحيح ابن خزيمة، عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثائب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله فحق على من سمعه أن يشمته، وأما التثائب فإنه من الشيطان فإذا جاء ذلك أحدكم، أى التثائب فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثائب وقال: ها، ضحك الشيطان منه.
والحديث رواه الترمذى أيضا والحاكم وابن خزيمة فى صحيحه والحديث صحيح عن أبى هريرة أيضًا ﵁ وأرضاه، أن النبى ﷺ قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثائب، العطاس من الله والتثائب من الشيطان.
إذًا لا يمكن لنبى أن يتثائب على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.
[ ١١٥ / ٦ ]
إخوتى الكرام: تقدم معنا فى الموعظة الماضية أن هذا الكمال الخَلْقى الذى جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، يصاحبهم فى الحياة وبعد الممات، فلا تتغير أبدانهم ولا يعتريهم ما يعترى البشر من تحلل وعفونات ونتن وغير ذلك أبدانهم طرية تثنى وهم فى قبورهم أحياء، حياة أكمل من حياة الشهداء بكثير هى حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا رب البرية وهم فى قبورهم كما تقدم معنا يصلون ويعبدون الحى القيوم، وتقدم معنا أن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء وأن أعمالنا تعرض على نبينا عليه صلوات الله وسلامه فما كان من خير حمد الله عليه وما كان من شر وسوء استفغر لنا نبينا ﷺ، هذا إخوتى الكرام تقدم تقريره وكان المفروض بعد أن تدارسنا هذا أن ننتقل إلى الشق الثانى من الأمر الأول من الأمور التى يعرف بها صدق النبى والرسول على نبينا وعلى أنبيناء الله ورسله صلوات الله وسلامه، ألا وهو خُلُقُ أنبياء الله ورسله عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، لكن أردت أن أجعل هذه الموعظة ختام الكرم على خَلْق النبى ﵊، وسيدور هذا حول أمرين اثنين.
الأمر الأول: حول تنبه على أمر يتعلق بما مضى حول خَلْق نبينا ﵊.
والأمر الثانى: عظم المصيبة على هذه الأمة بفقد خَلْق النبى ﵊ وبدنه عندما انتقل إلى جوار ربه على نبينا وعلى أنبيناء الله ورسله صلوات الله وسلامه.
[ ١١٥ / ٧ ]
إخوتى الكرام: أما الأمر الأول الذى سأذكره فى هذه الليلة تقدم معنا أن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء وذكرت الأحاديث التى تقرر هذا وتدل عليه، وأن النبياء أحياء فى قبورهم يصلون، هذا الحديث جرى بينى وبين بعض ما أعلم ما أعبر عنه بعض الشيوخ أو بعض الضآلين جرى بينى وبينه كلام حول هذا الحديث وهو فى المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، فلما ذكرت له هذا الحديث وهو حديث أوس بن أوس الذى تقدم معنا، إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء، قال لى: الحديث ضعيف قلت: صححه أئمتنا ولا نزاع بينهم فى ذلك، قال: من صححه؟ قلت شيخ الإسلام الإمام النووى من جملة من صححه، قال: النووى متمذهب لا يؤخذ بكلامه، قلت فما علة الحديث عندك؟ حتى
_________________
(١) من يدعى فى هذه الأيام أنه على السنة وأنه صاحب حديث وهو فى الحقيقة على بدعة وصاحب حدث، وكان أئمتنا الكرام يقولون كما هو قول وكيع بن الجراح شيخ الإمام الشافعى عليهم جميعًا رحمة الله، يقول: من طلب الحديث كما هو نفعه الله، ومن طلب الحديث ليؤيد به رأيه فهو مبتدع يطلب الحديث لكن فى ذهنه هوى ورأى وأمر من الأمور يريد أن يتصيد من السنة ما يقرره وبعد ذلك ما يخالفه يرده، ليست هكذا دراسة ومدارسة حديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه.،
[ ١١٥ / ٨ ]
إخوتى الكرام: هذا الحديث كما قلت، حديث صحيح ويدل على هذا الأمر ألا وهو أن أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض ولا تبلى على نبينا وعلى أنبيناء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهذا الذى يقول هذا الكلام لا يوجد فى هذه الحياة من يقدر الأمور حق قدرها ويحاسب كل إنسان على كلامه لضربت رقبته وإلقى بين رجليه وعلق بعد ذلك مصلوبًا أمام الناس عندما يقول هذا الكلام الذى فيه طعن بنبينا ﵊ ألا وهو أن السادة الأنبياء تبلى كغيرهم، لا يا عبد الله، وقد جرى من بعض أئمتنا الكرام فى القرن الأول فى العصر الأول فى القرن الثانى للهجرة ألا وهو وكيع الذى ذكرته الآن وهو شيخ الإسلام توفى سنة ١٩٧ للهجرة وكما قلت: هو شيخ الإمام الشافعى وهو من الأعلام من أئمة الهدى جرت منه ذلة، سأذكرها لكم، وهذه الذلة رواها لكن روى الحديث ضعيفا يشير إلى أن نبينا ﵊ بعد موته إنتفخ بطنه وانثنت خنصراه، خنصر الإنسان وهما أصبعان معروفان، يقول: إنثنى خنصراه وصار فى بطنه شىء من الإنتفاخ فأفتى شيخ أهل مكة فى ذلك الوقت الذى تقدم معنا ذكره فى الموعظة الماضية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد وهو فى الإسناد حياتى خير لكم ومماتى خير لكم فلا تغفلوا أفتى بأن تضرب رقبة وكيع بن الجراح وأخذ وحبس وقد أصر الأمير على ضرب رقبته من أجل رواية رواها وما قال هذا رأى، لماذا رواها؟ حتى تدخل سفيان بن عيينة إمام الحرم المكى لهذا الأمير وتوسط فى إخراجه وقال: هذا الحديث رويناه وما روى لى سفيان بن عيينة، إنما قال هذا من أجل تخليص هذا العبد الصالح من أجل ذلة ذلها فى كلامه عندما روى هذه الرواية التى هى ليست ثابتة، فاستمعوا إخوتى الكرام إلى هذا الأمر وقارنوا بين ما يقع من هذا الإمام فى ذلك العصر وبينما يقع فى هذا العصر، إمام من شيوخ أهل السنة الكرم روى عسى أن يمكن أن يؤل إنتفاخ البطن من مرض يمكن أن يقع والإنسان إذا مرض يعنى
[ ١١٥ / ٩ ]
أصابعه تذبل وإذا خرجة روح الإنسان من بدنه أصابعه تميل يعنى فى هذا منقصة، لكن لما كان ظاهر الخبر يشعر بأن النبى ﵊ تغير بعد موته عما كان عليه فى حياته قال ينتقص النبى ﵊ فلاجزار له إلا ضرب الرقبة، إستمع إلى ما يقوله الإمام الذهبى فى سير أعلام النبلاء فى الجزء التاسع صفحة ١٥٩، فما بعدها محنة وكيع، يقول: تورط فيها ولم يرد إلا خيرا، ولكن فاتته سكتتة، يعنى ليته سكت، وليس كل ما ينقل يروى، إذا لم يكن ثابتا وفيه غب ومنقصة من منصب النبى ﵊ فاسكت عنه.. سبحان الله نحن الآن نروى نرد ما هو ثابت، كما تقدم معنا حديث حياتى خير لكم ومماتى خير لكم، ماذا أقول؟ جاء بعض المخرفين فى هذا الوقت وقال: إنه حديث موضوع أما تتقى الله موضوع أما تتقى الله.
[ ١١٥ / ١٠ ]
فاستمع هنا، يقول: ولم يرد إلا خيرا ولكن فاتته سكتة، أى ما لزم الصمت والسكوت، وقد قال البنى ﵊ كفى بالمرء غثمًا أن يحدث بكل ماسمع، وهذا أثر مروى عن نبينا ﵊ فى مقدمة صحيح مسلم ورواه أبو داود فى سننه، فليتقى عبد ربه ولا يخافن إلا ربه، قال على بن خشرم، قال حدثنا وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله البهى أن أبا بكر الصديق ﵃ أجمعين، جاء إلى النبى ﷺ بعدوفاته فأكب عليه فقبله وقال بأبى وأمى يا ما أطيب حياتك وميتتك،.
[ ١١٥ / ١١ ]
ثم قال البهى: وكان ترك يومًا وليلة، بل ترك يومين وليلتين عليه صلوات الله وسلامه لإنشغال الأمة بأمر الخلافة ومن كان لأمر المسلمين حتى ربى بطنه وانثنت خنصراه، صار فى بطنه انتفاخ وخنصراه مالتان نحو الأرض، قال ابن خشرم: فلما حدث وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صلب وكيع ونصبوا خشبة لصلبه وجاء سفيان بن عيينة فقال لهم: الله الله هذا فقيه أهل العراق وابن فقيههم وهذا حديث معروف، قال سفيان: ولم أكن سمعته إلا أنى أردت تخليص وكيع، كأنه يقول: هذا منقول، وهذا إذا لم يثبت فالجناية على من رواه يعنى لا دخل لوكيع فيه، قال على بن خشرم: سمعت الحديث من وكيع بعد ما أرادوا صلبه فتعجبت من إثارته، وأخبرت أن وكيعًا احتج فقال: إن عدة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر قالوا: لم يمت رسول الله ﷺ، فأراد الله أن يريهم آية الموت، يعنى وكيع ما كفى أنه روى الأثر وليس بصحيح كما سيأتينا كلام الذهبى، عندما جاءوا وقالوا: كيف تروى هذا؟، قال: لا إشكال النبى ﵊ مات، لكن بعض الصحابة عندما شكوا فى موته منهم عمر ﵃ أجمعين، لهول المصيبة وشدة الواقع، أراد الله أن يريهم آية فى بدن النبى ﵊ بأنه مات فانثنت خنصراه، يعنى ذبل وظهرت عليه علامة الموت، رواه أحمد بن محمد بن على بن رزين، قال: حدثنا على بن خشرم وروى الحديث عن وكيع قتيبة بن سعيد، يقول الإمام الذهبى: فهذه ذلة عالم فمل لوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد، كدت نفسه أن تذهب خلطا والقائمون عليه معذرون بل مأجرون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود غضبا ما لمنصب النبوة، وهو فى باب الرأى يوهم ذلك لكن إذا تأملته فلا بأس إن شاء الله بذلك، فإن الحى قد يربوا جوفه يعنى ينتفخ يعنى يصاب بمرض والنبى ﵊ كان يصاب بالأعراض البشرية التى تزيد فى أجره ورفعة قدره عند الله جل
[ ١١٥ / ١٢ ]
وعلا من مرض وهذا يعنى لرفع درجاته وليس فى ذلك منقصة وليس هذا من الشيطان فإن الحى قد يربوا جوفه وتسترخى مفاصله، وذلك تفرع من الأمراض يعنى نوع من المرض وأشد الناس بلاء الأنبياء، وهذا قطعة من حديث صحيح أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان فى دينه صلابة إشتد بلاءه وإن كان فى دينه رقة أبتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة، رواه الإمام الترمذى ورواه ابن ماجة وأحمد فى المسند والدارمى وابن حبان، صححه ابن حبان وعدد من أئمتنا الكرام وهكذا الإمام الترمذى.
وإن من المحذور أن تجوز عليه يعنى على النبى ﵊ أن تجوز عليه تغير سائر موتى الأدمين ورائحتهم، هذا محظوريعنى تقول يتغير كما يتغير الأدميون ويمكن كما يمكنون، هذا هو المحظور، والمحظور أن تجوز أكل الأرض لأجسادهم، هذا محظور، ولو قلت نضرب رقبتك، فهذه منقصة فى حق النبى ﵊ وأنت تنتقصه بذلك والنبى ﵊ مفارق لسائر أمتة فى ذلك فلا تأكل الأرض بدنه ولا يتغير ولا يمكن عليه صلوات الله وسلامه.
[ ١١٥ / ١٣ ]
قال الذهبى: فلا يبلى ولا تأكل الأرض جسده ولا يتغير ريحه بل هو الآن وما زال أطيب ريحًا من المسك وهو حى فى لحده حياة مثله فى البرزخ، يعنى حياة الأنبياء الذين هم يحيون فى البرزخ حياة اكمل من حياة الشهداء التى هى أكمل من حياة سائر النبيين وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب أحياء عند ربهم يرزقون، وهؤلاء حياتهم الآن التى فى عالم البرزخ حق ولكن ليست هى حياة الدنيا من كل وجه ولا حياة أهل الجنة من كل وجه يعنى ليست حياة الأنبياء فى البرزخ كحياة أهل الدنيا فلا يأكلون ولا يشربون وليست كحياة أهل الجنة من كل وجه، إن هناك أيضا أكل وشرب ويعنى إتصال بما أحل الله هذا يمنع منه الأنبياء لكن كما قلت أبدانهم تبقى ويعبدون الله وهذه أشرف حياة تكون للإنسان ولهم شبه بحال أهل الكهف أو شبه بحال أهل الكهف، ومن ذلك إجتماع أدم وموسى لما احتج ﵇ وحجه أدم بالعلم السابق كان اجتماعهما حقا، وهما فى عالم البرزخ وكذلك نبينا ﷺ أخبر أن رأى فى السماوات أدم وموسى وإبراهيم وإدريس وعيسى وسلم عليهم، وطالت محاورته مع موسى هذا كله حق فى حديث الإسراء الطويل، والذى منهم لم يذق الموت بعد هو عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد تبرهن لك ان نبينا ﵊ ما زال طيبًا مطيبا وان الأرض محرم ألك أجساد الأنبياء وهذا شىء سبيله التوقيف وما عنف النبى ﷺ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لما قالوا له بلا علم: وكيف تعرض صلاتك عليك وقد أرمت، يعنى بليت، قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وتقدم معنا فى الموعظة الماضية، اقول، وهذا بحث معترض فى الإعتذار عن إمام من أئمة المسلمين وقد قام فى الدفع عنه مثل إمام الحجاز، سفيان بن عيينة، ولولا أن هذه الواقعة فى عدة كتب فى مثل تاريخ الحافظ ابن عساكر وفى كامل الحافظ ابن عدى لعرضت عنها جملة، يعنى للألا
[ ١١٥ / ١٤ ]
يكون حول هذا الإمام يعنى شىء من الغبش والتشويش، لكن هذه مسطورة، ومزبورة فى الكتب التى ترجمته، فأنا أريد أن أحمل كلامه على محمل حسن وأنا أقول هذه ذلة ولا داعى بعد ذلك يعنى أن ندلل وأن نتهجن، يقول: ففيها عبرة حتى قال الحافظ يعقوب الفسوى فى تاريخه وفى هذه السنة حدث وكيع بمكة عن ابن أبى خالد عن البهى فذكر الحديث ثم قال: فرفع ذلك إلى العثمانى يعنى إلى أمير مكة الحاكم فحبسه وعزم على قتله ونصبت خشبة خارج الحرم وبلغ وكيع وهو محبوس قال الحارس بن صديق فدخلت عليه لما بلغنى يعنى الخبر، وقد سبق إليه الخبر، قال: وكان بينه وبين ابن عيينة يوم إذا متباعد، يعنى يوجد شىء من الإفتراق والبعد، فقال لى: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل، من الذى يقول؟ وكيع يقول: نحن الآن بحاجة إليه وهذا شيخ الحرم المكى واحتجنا إليه فقلت: دع هذا عنك فإن لم يدرك قتلت، يعنى ليس الآن تقول نحن ما ورانا إلا محتاجين دعك الآن من هذا الكلام ويعنى التسويف، أسرع بالإرسال إلى ابن عيينة ليتدارك الأمر، فأرسل إلى سفيان وفزع إليه، فدخل سفيان على العثمانى، يعنى متولى مكة فكلمه فيه والعثمانى يأبى عليه، فقال له سفيان " إنى لك ناصح، هذا رجل من أهل العلم وله عشيرة وولده بباب أمير المؤمنين، يعنى الخليفة فى بغداد، فتشخص لمناظرتهم يعنى اذهب إلى هناك وتفاهم معهم أو إذا قتلته سيذهب بك إلى هناك، قال: فعمل فيه كلام سفيان، أثر فى الأمير، فأمر بإطلاقه، فرجعت إلى وكيع فأخبرته فركب حمارًا وحملنا متاعه وسافر فدخلت على العثمانى من الغد فقلت: الحمد لله الذى لم تبتلى بهذا الرجل، الحمد لله الذى يعنى ما جعلك تبتلى بهذا الرجل وسلمك الله، فقال: يا حارث ما ندمت على شىء ندامتى على تخليته، خطر ببالى هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله أكرم بهذا الأمير، حولت أبى والشهداء بعد ستة وأربعين سنة فوجدناهم رطابا يثنون لم يتغير منهم شىء، أمير مكة يقول: أنا الآن
[ ١١٥ / ١٥ ]
بعد أن أطلقته ندمت يعنى هذا لا زال يستحق ضرب الرقبة، يقول: أنا لما أطلقته رجعت إلى بيتى فى الليل فتذكرت حديث جابر، وأذكر لكم حديث جابر فى أنه عندما ذهب ليخرج والده عبد الله بن عمرو بن حرام ﵃ أجمعين، وهو من شهداء أحد أن يغير قبره عندما جاء السيل وجرفهم، جاء بعد ست وأربعين سنة، هذه حادثة ثانية من تغيير عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، وسبقتها حادثة سأذكرها إن شاء الله، بعد ست وأربعين سنة وجده لوالده ولعمرو بن الجموح أيضا، وجد هذين الصحابين الجليلين عندما نبش السيل قبريهما رطابا يتثنون كأنهم وضعوا هذه الساعة، وكان عبد الله والد جابر قد اصيب فى وجهه فجرح فلما استشهد وضع اصبعه على وجهه يقول فلما حولنا قبره ويعنى فى القبر بعد أن جرفهخ السيل رفعت يده فانبعث الدم منها بدأ يسيل، بعد ست وأربعين سنة، فأعدت اصبعه إلى مكان الجرح فو قف الدم، فالأمير يقول: إنا تذكرت هذا الحديث، إذا كان الشهداء ما ثنيت أجسامهم ولا بليت، فكيف بخاتم الأنبياء ﵊، يقول: أنا ندمت على تخليتى وكيع وليتنى ضربت رقبته، وهو شيخ المسلمين وما قال: إن الأرض أكلت أبدانهم ولا أنثنوا ولا تغيروا إنما قال: انثنت خنصراه، بعد ان أخر دفنه، وهذا من ذبول الموت لا بد منه، يعنى الإنسان عندما يكون حيا فيه هذا النشاط ويحرك اصابعه إذا نام يذبل، وإذا مات يذبل لكن بدون عفونة وتغير ونتن وثناء جسم، هذا كله ما حصل على عليهم، مع ذلك يقول الأمير: أنا ندمت على تخليتى هذا، ليتنى ضريت رقبته تعظيمًا لرسول ﵊.
إخوتى الكرام قصة عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر ﵃ أجمعين ثابتة فى صحيح البخارى وهذا فى التغيير الأول ونقلهم فى المرة الأولى، وقد أشار إليه البخارى فى كتاب الجنائز باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟
[ ١١٥ / ١٦ ]
وفى الحديث أن جابر بن عبد الله ﵃ أجمعين أخرج والده بعد دفنه بستة أشهر، لكن السبب فى الإخراج هنا؟ أنه دفن مع عمرو بن الجموح وكان صاحبا لعبد الله والد جابر، وكان عمرو بن الجموح أيضا زوجًا لإخت عبد الله والد جابر، فهو زوجة عمت جابر بن عبد الله، دفن فى قبر واحد والنبى ﵊ قال: كانا متأخيين متصاحبين فى الحياة فدفنوهما فى قبر واحد، عمرو بن الجموح وعبد الله والد جابر، بعد ستة أشهر يقول جابر: ما طابت نفسى أن يكون والدى مع أخر فى قبر واحد فأرت أن أكرم والدى، ليكون كل واحد فى قبر كما أن الإنسان فى الحياة يستريح إذا كان فى بيت بمفرده وما يضايقه أحد فى حجرته، يريد أن يجعل والده بعد الممات كذلك فجاء وفتح عن القبر، فأخرج والده ودفنه بجوار قبر عمرو بن الجموح ﵃ أجمعين، هذا بعد ستة أشهر وألأثر فى صحيح البخارى، يقول: فاستخرجته بعد ستة أشهر كيوم دفنته، ما تغير منه شىء ﵁ وأرضاه، والإستخراج الثانى كان بعد ست وأربعين سنة، جاء السيل فخرق القبرين على بعضهما وهدم القبرين، فصار كأنهما قبر واحد، فجاء الصحابة غلى جابر وقالوا: أدرك والدك فقد جرفه السيل، الأثر فى الموطأ، ورواه الحاكم فى المستدرك والطبرانى فى معجمه الكبير ورواه ابن سعد فى الطبقات وإسناد الأثر كما قال الحافظ صحيح رجاله ثقات، يقول وبوب عليه البخارى فى كتاب الجهاد: باب الدفن فى قبر واحد للضرورة، وفيه يقول جابر بعد ستٍ وأربعين سنة: فأخرجتهما يعنى والده وعمرو بن الجموح لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وفى رواية ابن إسحاق فى المغازى فأخرجناهما يتثنيان تثنى كأنهما دفنا بالأمس، إذا هذا حديث فى حق الصحابة الكرام ما تغيرت أبدانهم بعد ست وأربعين سنة فى حر الحجاز، فكيف إذًا حال النبى ﵊، إذًا وكيع كأنه بهذه الرواية عمل جناية لا بد من ضرب الرقبة لاإله إلا الله، ووالد جابر وهو عبد الله
[ ١١٥ / ١٧ ]
﵁ وأرضاه له منزلة عالية عند الله جل وعلا كما أخبر عن ذلك رسول الله ﵊، ففى المسند والصحيحين وسنن النسائى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما قُتل والدى يوم أُحد ومثل المشركون به، جئت فكشفت عن وجهه وقبلته وبدأت أبكى، فجعل الصحابة ينهونى عن البكاء، ورسول الله ﷺ لا ينهانى، ثم جاءت عمتى وهى زوجة عمرو بن الجموح ﵃ أجمعين، فبدأت تبكى، فقال لها النبى ﷺ: تبكيه أو لا تبكيه..وفى روايةٍ تبكين أو لا تبكين، وفى روايةٍ لا تبكيه..فوالذى نفسى بيده ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها رفعتموه، يعنى حتى رُفع ووُرى ﵁ وأرضاه فى ترابه، الملائكة تظله بأجنحتها، وقد كلم الحق جل وعلا والد جابر ﵃ أجمعين، كلمه كفاحًا بعد إستشهاده أى مشافهة من غير حجاب ولا حاجز.
ثبت الحديث بذلك فى سنن الترمذى وقال حسن غريب ورواه الإمام ابن ماجه فى سننه والحاكم فى مستدركه وصححه ووافقه عليه الذهبى أن النبى ﷺ قال لجابر بن عبد الله ﵃ أجمعين: ألا أُبشرك بما لقى الله به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله ﷺ، قال إن الله لم يكلم أحدًا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحًا، فقال: عبدى تمنى على أعطك، ماذا تريد؟ تمنى على أُعطك، فقال: ربى أُريد أن تعيدنى إلى الحياة الدنيا لأقتل فيك ثانيةُ، قال: قد سبق القول منى بأنهم إليها لا يرجعون، قلت: فأخبر من ورائى، فأنزل الله ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ .
[ ١١٥ / ١٨ ]
وكان هذا العبد الصالح أعنى عبد الله والد جابر هو أول مقتول فى موقعة أُحد وهو الذى تفرس بذلك كما فى مسند الإمام أحمد وغيره قال لولده لولا أننى سأخلف تسعة بنات بعدى لقدمتك بين يدى لتقتل وما أحد أخلفه أعز على منك بعد رسول الله ﵊ أنت بعد الرسول ﵊، أما هو أعز الخلق عليه صلوات الله وسلامه فأريد أن تبقى من أجل البنات من أجل أخواتك وما أرانى إلا أول مقتول، أنا أتوقع أن من سيقتل فى هذه الموقعة هو أنا وكان كذلك ﵁ وأرضاه، فالأمير أمير مكة، لما تذكر قصة هؤلاء فى الليلة ندم على تخلية وكيع، ثم قال الفسوى: فسمعت سعيد بن منصور يقول: كنا بالمدينة فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذى كان من وكيع، لما خرج وكيع من مكة ندم أهل مكة على تخلية وكيع، فكتبوا إلى أهل المدينة، يقول: تداركوا الأمر إذا جاءكم أقتلوه واصلبوه، وقالوا: إذا قدم عليكم فلا تتكلوا على الوالى وارجموه حتى تقتلوه، قال: فعرضوا علىّ ذلك وبلغنا الذى هم عليه فبعثنا بريدا إلى وكيع ألا يأتى المدينة، ويمضى من طريق الربدة، وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد رده، أى من الذهاب إلى المدينة ومضى إلى الكوفة، يقول: ونقل الحافظ ابن عدى فى ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد، أنه هو الذى أفتى بمكة بقتل وكيع، وقال ابن عدى: أخبرنا محمد بن عيسى المروزى فيما كتب إلىّ قال: حدثنا أبى عيسى بن محمد قال: حدثنا العباس بن مصعب قال حدثنا قتبة قال حدثنا وكيع، قال حدثنا اسماعيل بن أبى خالد فساق الحديث ثم قال، قال قتبة حدث وكيع بمكة بهذا سنة حج الرشيد، هارون الرشيد، فقدموه إليه فدعى الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد بن أبى رواد، فأما عبد المجيد فإنه قال: يجب أن يقتل فإنه لم يروى هذا إلا من فى قلبه غش للنبى ﷺ، وقال سفيان: لا قتل عليه رجل سمع حديثا فأرواه يعنى فنقله ورواه والمدينة
[ ١١٥ / ١٩ ]
شديدة الحر توفى النبى ﷺ فترك ليلتين لأن القوم فى إصلاح أمر الأمة واختلفت قريش والأنصار فمن ذلك تغير أى التغير الطبيعى الذى إنثناءه كما قلت الخنصرين، قال قتبة: فكان وكيع إذا ذكر فعل عبد المجيد، يعنى أنه أفتى بقتله وضرب رقبته قال: ذاك جاهل سمع حديثًا لم يعرف وجهه فتكلم بماتكلم، يقول: أنا ما أردت إنتقاص النبى ﵊، وليس فى قلبى غش إنما هذه كالمرض الذى يصاب به الإنسان بطن صار شىء من الإنتفاخ من حر الحجاز وخنصران إنثنتى، لا أقول تعفن ولا تغير ولا بلى، قلت: إنتبه لكلام الذهبى، حكى كلام وكيع فى عبد المجيد وأن عبد المجيد جاهل كيف يقول من يقول هذا فى قلبه غش على النبى ﵊، قلت: فرضنا أنه ما فهم توجيه الحديث على متزعم، مافهم أن مرادك مما ذكرته من أثر أن هذا تغير طبيعى كالمرض، أفما لك عقل وورع أنت، إفرض أن عبد المجيد ما فهم مرادك أفمالك عقل وورع أنت؟ أما سمعت قول الإمام على حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ﵊، والأثر تابت عن على فى صحيح البخارى، أما سمعت فى الحديث ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم غلا كان فتنة لبعضهم، ثم إن وكيعًا بعدها تجاسف وحج وأدركه الأجل بسيد بليدة فى نصف طريق مكة من الكوفة ولكن لو دخل مكة هل سيترك أم لا؟ العلم عند الله، يعنى تجاسف مع ذلك أراد أن يحج ثانية لكنه توفى فى منتصف الطريق ولم يدخل مكة ولعل الله أراد به خيرا للألا يقال: قتل من أجل غش فى قلبه نحو النبى ﵊ وهو برىء من ذلك.
[ ١١٥ / ٢٠ ]
إخوتى الكرام: هذا الأثر وكما قلت ما جرى من وكيع ذلة والأثر لا يثبت كما تقدم معنا، ضعيف ومنقطع، ولكن لا نشنع عليه بذلك إنما لنعلم أن الذى يقول إن بدن النبى ﵊ ينتن ويبلى فى قبره بعد موته ينبغى أن تضرب رقبته بالإتفاق، إذا كان هذا روى أثرًا يقول: هذا ليس فيه إشارة إلى بلى جسده ولا إلى تعفن بدنه، إنما هذا كالمرض الذى يصيب الإنسان عند الموت حصل إنتفاخ من شدة الموت وسكراته وانثناء الخنصر عندما مات ﵊.
[ ١١٥ / ٢١ ]
الإمام الذهبى تعرض إلأى هذا أيضًا فى ميزان الإعتدال عند ترجمة عبد المجيد بن أبى رواد، يقول هنا: ونقم على عبد المجيد أنه أفتى الرشيد بقتل وكيع والحديث حدثناه قتبة، قال: حدثنا وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله البهى، وتقدم معنا، قال قتيبة حدث به وكيع بمكة وكان سنة حج فيها الرشيد، فقدموه إليه فدعى الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد فقالا يجب أن يقتل، وعبد المجيد فقال يعنى عبد المجيد قال: يجب أن يقتل فإنه لم يروى هذا إلا وفى قلبه غش للنبى ﷺ، فسأل الرشيد سفيان فقال: لايجب عليه قتل رجل سمع شيئًا فرواه والمدينة شديدة الحر، توفى النبى ﵊ يوم الإثنين فترك إلى ليلة الأربعاء، قلت: النبى ﷺ سيد البشر وهو بشر يأكل ويشرب وينام ويقضى حاجته ويمرض ويتداوى فهو فى هذا كسائرالمؤمنين عليه صلوات الله وسلامه، يعنى هذه أعراض بشرية تعتريه كما يعترى غيره من أكل من شرب من قضاء حاجة من نوم، فلما مات بأبى هو وأمى ﷺ عمل به يعمل بالبشر من الغسل والتنظيف والكفن واللحد والدفن، إنتبه لكن ما زال طيبًا مطيبًا حيًا وميتًا، وارتخاء أصابعه المقدسة وانثناءها وربو بطنه ليس معنا نص على انتفاءه والحى قد يحصل له ريح وينتفخ منه جوفه يعنى غازات ريح يعنى غازات تنتفخ منها الجوف، فلا يعد هذا إن كان قد وقع عيبا، لكن الأثر كما تقدم معنا لا يثبت وإنما معنا نص على أنه لا يبلى وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل ويقع هذا لبعض الشهداء ﵃ أما من روى حديث عبد الله البهى ليغض به من منصب النبى رسول الله ﷺ فهذا زنديق بل لو روى الشخص حديثا، إن النبى ﷺ سحر وحاول بذلك تنقصا كفر وتزندق، يعنى إذا روى حديث سحر النبى ﵊ وقال: بشر ناقص يمتهن، هذه منقصة فى حقه يقصد تحقير النبى
[ ١١٥ / ٢٢ ]
﵊ فقد كفر وكُفِرَ وتزندق، وكذا لو روى حديثا أنه سلم من اثنتين فى صلاته وعندما أقصرت الصلاة أم نسيت، وقال: ما درى كم صلى يقصد بقوله شينه ونحو ذلك كفر، فإن النبى ﷺ قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فالغلو والإطراء منهى عنه والأدب والتوقير واجب، فإذا اشتبه الإطراء بالتوقير توقف العالم وتورع وسأل من هو أعلم منه حتى يتبين له الحق فيقول به وإلا فالسكوت واسع ويكفيه التوقير المنصوص عليه فى أحاديث لا تحصى وكذا يكفيه مجانبة الغلو الذى ارتكبه النصارى فى عيسى ما رضوا له بالنبوة حتى رفوعوه إلى الإلاهية وإلى الوالدية وانتهكوا رتبة الربوبية الصمدية فضلوا وخسروا، فإن لعل الوالدية هنا غلط لعله الولدية، إلى ألإلهية وإلى الولدية، يعنى إلى أنه ولد لله جل وعلا، أما الوالدية ما يظهر لها وجه والعلم عند الله، أما هم كونهم يقولون له أبوأو كذا ليس فى هذه منقصة إنما إلى الولدية يعنى رفعوه إلى الإلهية وإلى يقصد الولدية أنه ولد لله، أما الوالدية لا تصلح، على كل حال وانتهكوا رتبةالربوبية الصمدية فضلوا وخسروا، فإن إطراء رسول الله ﷺ يؤدى إلى إساءة الأدب على الرب، نسأل الله أن يعصمنا بالتقوى وأن يحفظ علينا حبنا للنبى ﷺ كما يرضى.
إخوتى الكرام: للحادثة أردت أن أذكرها لتكون لنا عبرة ولنعلم بعد ذلك الذين يدعون فى هذه الأيام انه على سنة النبى ﵊ وينفون سنته ويردون ما صح من حديثه بما لا يند له وهذا حديث موضوع وذاك حديث باطل وذاك صححه النووى مخرف وهذا متمذهب، يعنى والإسلام ممن يؤخذ؟ يؤخذ منكم الذين جئتم فى أخر هذا الزمان نسأل الله حسن الختام.
[ ١١٥ / ٢٣ ]
إخوتى الكرام: هذا الأمر الأول الذى أردت أن أنبه عليه فالنبى ﵊ طيب مطيب، سواء كان حيا أو ميتا ﵊، وكمال الخلق ثابت فى حياته وبعد مماته عليه صلوات الله وسلامه.
أما الأمر الثانى: هذا الجسد الطيب الطاهر الشريف العظيم المبارك الذى جمع جلالًا وجمالا ملاحة وبهاء على نبينا صلوات الله وسلامه، هذا الجسد الذى كتب الله علينا ألا ندركه فى هذه الحياة ولا نمتع العينين بالنظر إليه حقيقة هذه مصيبة نزلت علينا، والله لا يعدلها مصيبة على وجه الأرض، ما أصيب المؤمنون بمصيبة كمصيبتهم بموت نبيهم عليه صلوات الله وسلامه، وهذه المصيبة نحتسبها عند الله وهى أجل المصائب عندنا فقد نبينا ﵊ فنسأله أن يثيبنا عليها أعظم الثواب وألا يرضى لنا ثوابا إلا بالإجتماع مع نبينا ﵊ فى جنات النعيم مع عباده المقربين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
[ ١١٥ / ٢٤ ]
إخوتى الكرام: وقد قرر أئمتنا مشايخ الإسلام هذا وبينوا أن أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون، أعظم مصيبة أصيبوا بها فى هذه الحياة فقد النبى ﵊ وموته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى إلى جوار ربه على نبينا صلوات الله وسلامه، قرر هذا أئمتنا كما قلت قاطبة، منهم شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد المندجى، الذى توفى سنة ٧٨٥ للهجرة فى كتابه تسلية أهل المصائب، فانظروا إخوتى الكرام هذا الكتب وانظروا كلامه فى صفحة ١٨ حيث قرر أن أعظم المصائب على المسلمين موت النبى الكريم على نبينا صلوات الله وسلامه، وقرر هذا الإمام السفارينى أيضا فى غذاء الألباب شرح منظومة الأداب فى الجزء الثانى صفحة ٥٣٥، وتوفى سنة ١١٨٨ للهجرة عليه رحمة الله وقرر هذا شيخ الإسلام الإمام البيهقى فى كتابه دلائل النبوة فى الجزء السابع صفحة ٢٦٥ وغالب ظنى أن وفاة الإمام البيهقى سنة ٤٥٨ للهجرة عليهم جميعا رحمات رب العالمين قرروا أن أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون فى هذه الحياة هى موت خير البريات عليه صلوات الله وسلامه وانتقاله إلى جوار ربه، وهذا الأمر أشار إليه نبينا ﵊ ففى مسند الإمام أحمد وسنن الترمذى وشرح السنة للإمام البغوى وقال الترمذى حسن غريب، وقد حسن الحديث الحافظ المنذرى أيضا فى الترغيب والترهيب عن ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ قال: من كان له فرطان من أمتى أدخله الله بهما الجنة، فقالت أمنا عائشة ﵂: ومن كان له فرط يا رسول الله ﵊، قال: ومن كان له فرط يا موفقه، قالت: فمن لم له فرط من أمتك، قال: أنا فرط من لا فرط له، فإنه لم يصابوا بمثلى عليه صلوات الله وسلامه، من كان له فرطان أى قدم له ولدين من أولاده توفى قبل الحنث والبلوغ يدخله الله بهما الجنة، سبقاه ولدان، فقالت أمنا عائشة ﵂: ومن كان له ولد واحد قدمه بين يديه، قال:
[ ١١٥ / ٢٥ ]
ومن كان له فرط يكون سبب فى دخوله الجنة، فقالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك، ما مات له ولد من أولاده أو ما تزوج أو تزوج وما رزق أولادا فما حاله عند الله، المصيبة العظمى أعظم من موت الآباء والأبناء والامهات والأزواج والإخوة والأخوات موت خير البريات ﵊، قال: أنا فرط من لا فرط له، فإنه لم يصابوا بمثلى على نبينا صلوات الله وسلامه.
وثبت فى سنن ابن ماجة وبوب عليه فى الجنائز باب الصبر على المصيبة، والأثر عن أمنا عائشة ﵂ والأثر المتقدم يشهد لهذا وستأتى آثار كثيرة بمعناه، قالت: فتح النبى ﷺ بابا بينه وبين الناس فى مرض موته أو كشف سترا، فتح الباب وكشف الستر الذى بينه وبين الناس بين حجرته وبين الناس فى مسجده على نبينا صلوات الله وسلامه، يقول: فإذا هم وراء أبى بكر ﵁ يصلون والنبى ﵊ فى مرضه فى بيته عليه صلوات الله وسلامه ففتح الباب وكشف الستر ونظر إليهم فإذا هم وراء أبى بكر يصلون، فحمد الله على ما راءه من حسن حالهم ورجى أن يخلفه الله فيهم بالذى راءه، ثم قال عليه صلوات الله وسلامه أيما احد من المسلمين أصيب بمصيبة فاليتعزى بى، فاليتعزى بمصيبتى عن مصيبته بغيرى، فإن أحدا من أمتى لن يصاب بعدى بمثل مصيبتى عليه صلوات الله وسلامه، إذا هو عزائنا فيما يقع علينا من مصائب عليه صلوات الله وسلامه لنتعزى به لم يصب المسلمون بمصيبة كمصيبتهم بموت نبيهم على نبينا صلوات الله وسلامه، ولذلك لما توفى ولد لبعض الناس وكان إسم الولد محمد، كتب إليه بعض الناس يعزيه فى ولده فقال له:
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بان المرء غير مخلد
أوما تر ى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة هذى سبيل لست فيها بأوحد
فإذا ذكرت محمدًا (يعنى ولده) ومصابه فاذكر مصابك بالنبى محمد ﵊
[ ١١٥ / ٢٦ ]
لم يصب أحد بعد النبى ﵊ بمصيبة كمصيبته بموت النبى ﵊ وفقده.
والحديث إخوتى الكرام رواه الطبرانى فى معجمه الأوسط وانظروا مجمع الزوائد فى الجزء التاسع صفحة ٣٧ ورواه الإمام البيهقى فى دلائل النبوة فى الجزء السابع صفحة ٢٠٢ عن أمنا عائشة ﵂ أيضًا قالت: كشف النبى ﷺ الستر فرأى الصحابة يصلون وراء أبى بكر ﵃ أجمعين فقال: الحمد لله إنه لم يمت نبى حتى يأمه رجل من أمته ما قال ﵊ من أصيب بمصيبة فليتعزى بى عن مصيبته بغيرى عليه صلوات الله وسلامه.
والحديث إخوتى الكرام رواه الإمام مالك فى الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم ورواه ابن سعد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبى بكر ﵃ أجمعين أن النبى ﷺ قال: [ليعزى المسمين فى مصائبهم المصيبة بى فإنهم لن يصابوا بمثلى]، والأثر رواه ابن سعد فى الطبقات عن عطاء مرسلا ﵁ وأرضاه أيضا أن النبى ﷺ قال: [إذا أوصيب أحد بمصيبة فليذكر مصيبته بى فإنها أعظم المصائب]، والأثر رواه ابن سعد أيضا ورواه البيهقى فى دلائل النبوة، عن سهل بن سعد ﵁ أن النبى ﷺ قال: [سيعزى المسلمين من بعدى التعزية بى]، قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعى: كان الرجل من الأنصار إذا مات له قريب بعد البنى المختار ﵊ يقول له: اتقى الله واصبر فإن لك فى رسول الله أسوة حسنة.
إخوتى الكرام والأثر مروى أيضا عن المسفر بن مخرمة كما بين ذلك الإمام ابن عبد البر ﵃ أجمعين.
نعم إخوتى الكرام: أعظم المصائب التى وقعت على المسلمين موت النبى الكريم عليه صلوات الله وسلامه، كيف لا وقد انقطع الوحى من السماء.
[ ١١٥ / ٢٧ ]
ثبت فى صحيح مسلم وسنن ابن ماجة ودلائل النبوة للإمام البيهقى عن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر لعمر ﵃ أجمعين، تعال لنزور أم أيمن كما كان رسول الله ﷺ يزورها، وهى حاضن النبى ﵊ وهى أمه بعد أمه ﵂ وأرضاها، وهى أم أسامة بن زيد زوج حب رسول الله ﵊، زيد بن حارثة ﵃ أجمعين، فلما دخل عليها أبو بكر وعمر بعد موت النبى ﵊ بدأت تبكى فقالا لها: ما يبكيكى يا أم أيمن، فما عند الله خير لرسوله ﵊، قالت: أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ولكن أبكى لأن الوحى قد انقطع من السماء، إخوتى الكرام: وقد شعر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بهول هذه المصيبة وشدتها فكان رجاء لهم فصار رجية ورجأ ومصيبة وقعت عليهم فى فقده عليه صلوات الله وسلامه، يقول أنس ﵁، كما فى مسند الإمام أحمد وسنن الترمذى وابن ماجة: لما كان اليوم الذى دخل فيه النبى ﷺ المدينة أضاء فيها كل شىء فلما كان اليوم الذى مات فيه النبى ﷺ فى المدينة أظلم فيها كل شىء، والله ما نفضنى أيدينا عن تراب النبى ﵊ حتى أنكرنا قلوبنا، والأثر وراه عنه الإمام الدارمى والحاكم فى المستدرك والبيهقى، قال أنس ﵁: شهدت اليوم الذى دخل فيه النبى ﷺ المدينة فما رايت يومًا أحسن ولا أضوأ من ذلك اليوم، وشهدت اليوم الذى مات النبى ﷺ فى المدينة فما رأيت يومًا أظلم ولا أقبح من ذلك اليوم، على نبينا صلوات الله وسلامه وهذا الشعور الذى عند أنس ﵁ وأرضاه شعر به جميع الصحابة الكرام.
[ ١١٥ / ٢٨ ]
ففى مسند البزار بسند جيد كما الحافظ فى الفتح والأثر إسناده رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى المجمع عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: ما نفضنا أيدينا من تراب النبى ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا نعم ذهبت الألفة والصفاء وذهب ما كان يمدهم به خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه من تعليم وتأديب.
إخوتى الكرام: ومن لطف الله بنا ورحمته أنه لم يقطع إتصالنا بنبينا ﷺ، فجعل صلاتنا تبلغ نبينا عليه صلوات الله وسلامه ويرد علينا سلامنا عليه صلوات الله وسلامه، وجعل الله لنا نبينا خيرا فى حالتيه فى حياته وبعد مماته عليه صلوات الله وسلامه، فتعرض عليه أعمالنا بعد موتنا فما رأى من حسن حمد الله عليه، ما رأى من سوء وسيىء استغفر لنا ربنا فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتى الكرام: هذا حصل لنا بعد موت نبينا ﵊ وأما الصحابة الكرام فقد عوضهم الله جل وعلا مع هذا الأمر أمرًا أخر يسكن به نفوسهم ويخفف عنهم مصيبتهم، ألا وهو تولية أبى بكر الصديق ﵃ أجمعين، عليهم بعد موت نبينا الأمين عليه وعليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، فجاءهم هذا الخليفة الراشد الذى هو كحال النبى ﵊ فى كل شىء، فى طينته ومعدنه عليه صلوات الله وسلامه، نعم لايوحى إليه كما يوحى إلى النبى ﵊ فما فقدوا فى خلافة أبى بكر ﵁، غير شخص النبى ﵊، أما معاملته ورافته ورحمته فكل ذلك كان موجودًا فى عهد أبى بكر ﵁ من هذا الخليفة الراشد رضوان الله عليهم أجمعين، ولولا ذلك إخوتى الكرام لتقطعت قلوب الصحابة حسرة لتغير الأمور ﵏ ورضى عنهم.
[ ١١٥ / ٢٩ ]
يقول أنس ﵁ كما فى دلائل النبوة للإمام البيهقى: لما قبض النبى ﷺ أظلمت الدنيا حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض وكان احدنا يبسط يده فلا يراها، وما نفضنا أيدينا عن تراب نبينا ﵊ حتى أنكرنا قلوبنا.
إخوتى الكرام: هذا كان حال الصحابة الكرام عندما وقعت عليهم تلك المصيبة، نسأل الله جل وعلا ألا يرضى لنا ثوابًا عليها إلا الإجتماع مع نبينا ﵊ فى جنات النعيم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أظلمت عليهم الدنيا لا ينظر بعضهم إلى بعض، إذا بسط الإنسان يده لا يراها حصل فى القلوب ما حصل.
ولما ذكرت فاطمة ﵂ لأنس ﵃ أجمعين كيف حصل منهم نحو نبينا ﵊ ما حصل ما استطاع أن يجيبها بشىء من شدة ما وقع عليه وعلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح البخارى وسنن النسائى وابن ماجة عن أنس ﵁ قال: لما ثقل بالنبى ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فداه نفسى وأبى وأمى عليه صلوات الله وسلامه، فقالت فاطمة ﵂: وا كرب أبتاه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما قبض عليه صلوات الله وسلامه، قالت هذه البضعة الطاهرة: يا ابتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، ثم قالت لأنس ﵁ خادم النبى ﵊: عشر سنين يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب، والله ما طابت أيتها البضعة الطاهرة ولم تطيب لكن قهرها الصحابة الكرام إمثالًا لأمر الحبيب عليه صلوات الله وسلامه.
إخوتى الكرام: هذا الجسد الطاهر المبارك ينبغى أن نتمنى رؤيته والشوق إليه، ينبغى أن نتمنى رؤيته وأن نشتاق إليه، نتمنى رؤيته فى المنام ونتمنى أن يكرمنا الله برؤيته فى غرف الجنان غنه رحيم رحمن.
[ ١١٥ / ٣٠ ]
وقد أخبرنا نبينا ﵊ أنه سيأتى بعده أناس يتمنون رؤيته بأموالهم وأولادهم وأهليهم وهؤلاء من أشد الناس حبًا له عليه صلوات الله وسلامه.
ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من روايةأبى هريرة ﵁ والحديث رواه الإمام أحمد عن أبى ذر ﵃ أجمعين، أن النبى ﷺ قال: [من أشد أمتى حبًا لى ناس يكونون بعدى يود أحدهم لو رآنى بأهله وماله، عليه صلوات الله وسلامه]، وفى رواية [يود أحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه رآنى] .
وفى معجم الطبرانى الكبير بسند رجاله ثقات عن سمرة بن جندب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أحدكم سيوشيك أن ينظر إلىّ نظرة بما له من أهل ومال] .
وقد كان أئمتنا الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين، يتمنون حصول هذا لهم فى المنام ويرجون من الله ذلك فى غرف الجنان، هذاالعبد الصالح هشام بن حسان محدث البصرة أبو عبد الله، قال عنه الإمام الذهبى إنه قذف القنطرة وجاوزها وهو من رجال الكتب الستة، كان يتمنى رؤية النبى ﵊ ويشتاق إلى ذلك، وكان إذا ذكر النبى ﵊ تسيل دموعه على خديه.
وما ذكر ابن عمر النبى ﷺ إلا بكى كما فى مسند الدارمى، وإذا مر على بيوت النبى ﵊ لا يستطيع أن ينظر إليها وما غرس شجرة بعد موت النبى ﵊ ﵁ وأرضاه.
[ ١١٥ / ٣١ ]
وهذا العبد الصالح عبد الله بن عون أبو عون قدوة عالم البصرة عليه رحمة الله، كان يتمنى رؤية النبى ﵊ فى المنام ويبث شوقه إلى ذلك ويطلب من إخوانه أن يدعوا له بذلك فما حصل له ذلك إلا فى أخر عمره، فلما رأى النبى ﵊ فى نومه فرح بذلك كثيرا، فما عاش بعد ذلك إلا قليلا حتى مات ﵀ ورضي الله عنه، وقد توفى سنة ١٥٠ للهجرة وحديثه أيضا فى الكتب الستة وهو من العلماء الربانين، دعته أمه مرة فأجابها فظن أن صوته على صوتها فأعتق رقبتين تكفيرًا لإرتفاع صوته على صوت أمه، وكان لا يغضب أبدا عليه رحمة الله، وإذا أغضبه أحد يقول له: بارك الله فيك، وكان يقول: ذكر الناس داء وذكر الله دواء.
إخوتى الكرام: إذا كان الجذع يحن إلى نبينا ﵊ ويحزن لفراقه ويشتاق إلى رؤيته وإلى الإتصال به فكيف بنا نحن إخوتى الكرام.
رحمة الله على الحسن البصرى عندما كان يروى حديث الجذع حنين الجذع يقول: يا معشر المسلمين الخشبة تحن شوقًا إلى رسول الله ﷺ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
[ ١١٥ / ٣٢ ]
وحديث حنين الجذع إخوتى الكرام حديث متواتر روى عن جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعن أنس، وعن سهل بن سعد، وأبى بن كعب، وعن بريدة، وعن معاذ بن جبل، وعن أم سلمة، وروى عن غير هؤلاء بحيث بلغ رواته بضعة عشر صحابيا، وهو حديث مشهور والخبر به متواتر كما قال الإمام عياض، وقال الإمام البيهقى: هو من الأمور الظاهرة التى حملها الخلف عن السلف، وراية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف.، وحديث الجذع فى صحيح البخارى والنسائى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان فى مسجد رسول الله ﷺ جذع فى قبلته يقوم إليه رسول الله ﷺ فى خطبته فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، أى مثل الناقة إذا مضى على حملها عشرة أشهر، حتى نزل رسول الله ﷺ فوضع يده عليه، قال الحسن: كان والله يحن لما كان يسمع عنده من الذكر، وفى رواية أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لى غلامًا نجارا، قال: إن شئت، قالت: فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبى ﷺ على المنبر الذى صنع له، فصاحت النخلة التى كان يخطب عليها حتى كادت تنشق وفى أخرى فصاحت النخلة صياح الصبى، فنزل النبى ﷺ حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تأن أنين الصبى الذى يسكت، حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر أخرجه البخارى، وفى رواية النسائى قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سوارى المسجد فلما صنع المنبر واستوى عليه اضطربت تلك السارية تحن كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله ﷺ فاعتنفها.
وورد فى روايات كثيرة توضح هذا وتبينه، ففى رواية معاذ بن جبل ﵁ فاحتضن النبى ﷺ الجذع فسكن، فقال: لولم أفعل لما سكن.
[ ١١٥ / ٣٣ ]
وفى رواية الدارمى عن ابن عباس ﵄، لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة.
والحديث روى عن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ [والذى نفسى بيده لولم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة] حزنًا على فراق رسول ﷺ ثم أمر بالجذع فدفن.
وفى بعض الروايات فصاحت النخلة صياح الصبى، وفى بعض الرويات اضطربت السارية كحنين الناقة الخلوج، أى التى انتزع ولدها منها، وفى بعض الروايات خار ذلك الجذع كخوار الثور، وفى بعض الرويات فلما جاوز النبى ﷺ الجذع خار حتى تصدع وانشق.
وفى رواية البخارى والترمذى عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان رسول ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح بيده عليه وفى رواية فنزل إليه فاحتضنه وسآره بشىء يعنى تكلم معه بشىء سرًا بين النبى ﵊ وبين هذا الجذع، أخرجه البخارى.
وفى رواية الترمذى فأتاه فالتزمه فسكن.
وفى سنن الترمذى عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول ﷺ خطب إلى لذت جذع واتخذوا له منبرًا فخطب عليه فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبى ﷺ فمسه فسكن، أخرجه الترمذى والحديث صحيح.
[ ١١٥ / ٣٤ ]
إخوتى الكرام: وورد فى بعض الرويات كما فى الدارمى وغيره من رواية بريدة ﵁ أن النبى ﷺ قال للجذع: اختر، إن شئت أن أغرسك فى المكان الذى أخذت منه فتكون كما كنت قبل أن تصير جذعا، وإن شئت أن أغرسك فى الجنة فتشرب من أنهارها، فيحسن نبتك وتثمر فيأكل منك أولياء الله، قال النبى ﵊: فاختار أن أغرسه فى الجنة،،، هذا جذع وهو جماد يحن إلأى خير العباد عليه صلوات الله وسلامه، فكيف بالمؤمنين الذين يحبون النبى الأمين ﵊، أسال الله برحمته التى وسعت كل شىء أن يحيينا على سنة نبينا ﷺ، وأن يميتنا على ملة نبينا ﷺ، وأن يبعثنا يوم القيامة من أمته ومن أتباعه وان ينادينا يوم القيامة يا أمة محمد ﵊ ﴿يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتابه بيمنه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا﴾ .
اللهم صلى على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد ما خلقت وعدد ما أنت خالق يا أرحم الراحمين، اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهم صلى عليه صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يارب العالمين، اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهم اغفر لآباءنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرا، والحمد لله رب العالمين والسلام عليم ورحمة الله وبركاته.
[ ١١٥ / ٣٥ ]